تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( وابتلوا اليتامى ) يعني : واختبروا اليتامى، ثم منهم من قال : إنما نختبرهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى ؛ لقرب عهدهم باليتيم، والصحيح أنه أراد به : الاختبار قبل البلوغ، ثم اختلفوا، فأما الفقهاء قالوا : يدفع إليه شيئا يسيرا، ويبعثه إلى السوق، حتى يستام السلعة، ثم إذا آل الأمر إلى العقد يعقد الولي، ومنهم من قال : يعقد الصبي، ويجوز ذلك في الشيء اليسير ؛ لأجل الاختبار. وأما الذي قاله المفسرون : أنه يدفع إليه مالا، ويجعل إليه نفقة البيت، ويختبره فيها، ( حتى إذا بلغوا النكاح ) أي : أوان الحلم ( فإن آنستم ) أي : أحسستم، ووجدتم ( منهم رشدا ) قال مجاهد : عقلا، وقال سفيان الثوري : عقلا وإصلاحا في المال. ومذهب الشافعي : أن الرشد : هو الصلاح في الدين، والإصلاح في المال.
( فادفعوا إليهم أموالهم ) أمر الأولياء بدفع المال إليهم عند البلوغ والرشد. ( ولا تأكلوها إسرافا ) أي : لا تأكلوها مسرفين ( وبدارا أن يكبروا ) أي : لا تبادروا إلى أكل أموال اليتامى، خوفا من أن يكبروا ؛ فيأخذوا أموالهم. ( ومن كان غنيا فليستعفف ) أي : فليستعفف بماله عن مال اليتيم ( ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) قال عمر رضي الله عنه إذا كان الولي فقيرا، يأكل من مال اليتيم بقدر الحاجة، وقال أيضا : أنا في هذا المال : كولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت. وإلى هذا ذهب قوم من العلماء، أن له أن يأكل بقدر ما يسد به الخلة، وقال بعضهم : عباءا غليظا، وخبز الشعير، وقال الشعبي وجماعة : يأكل من مال اليتيم على سبيل القرض، وقال مجاهد : لا يأكل أصلا، لا قرضا، ولا غير قرض، قال : والآية منسوخة بقوله تعالى :( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) ( إلا أن تكون تجارة عن تراضي ) (١) وإلى هذا ذهب أكثر العلماء، وعليه الفتوى، أنه لا يأكل أصلا، ومن قال : إنه يأكل، يقول : يأخذ بقدر أجرته على القيام، وقد روى أن رجلا ( جاء ) (٢) إلى ابن عباس، وقال :[ إنَّ ] (٣) لي يتيما وله إبل، فماذا أصيب منها ؟ فقال : أتلوط حوضها وتهنأ جرباها ؟ قال : نعم، فقال ابن عباس : أصب من رسلها غير مضر بنسل، ولا ناهك في حلب.
وفيه قول رابع : أن معنى قوله :( فليأكل بالمعروف ) يعني : يأكل الفقير من قوت نفسه بالمعروف، ولا يستكثر منه حتى ينفذ ماله ؛ فيحتاج إلى مال اليتيم.
( فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ) ندب إلى الإشهاد ؛ كيلا يجحدوا.
( وكفى بالله حسيبا ) أي : شهيدا.
١ - النساء: ٢٩..
٢ - في "ك": أتى..
٣ - في "الأصل": إني، وما أثبتناه من "ك"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى