جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىَ حَتّىَ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىَ بِاللّهِ حَسِيباً﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله :﴿وَابْتَلُوا اليَتَامى﴾ : واختبروا عقول يتاماكم في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله :﴿وَابْتَلُوا اليَتَامى﴾ قالا : يقول : اختبروا اليتامى.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أما ابتلوا اليتامى : فجرّبوا عقولهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿وَابْتَلُوا اليَتَامى﴾ قال : عقولهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿وَابْتَلُوا اليَتَامَى﴾ قال : اختبروهم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَابْتَلُوا اليَتَامَى حتى إذَا بَلَغُوا النّكاحَ﴾ قال : اختبروه في رأيه وفي عقله كيف هو إذا عرف أنه قد أُنس منه رشد دفع إليه ماله. قال : وذلك بعد الاحتلام.
قال أبو جعفر : وقد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى الابتلاء : الاختبار، بما فيه الكفاية عن إعادته.
وأما قوله :﴿إذَا بَلَغُوا النّكاحَ﴾ فإنه يعني : إذا بلغوا الحلم. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿حتى إذَا بَلَغُوا النّكاحَ﴾ : حتى إذا احتلموا.
حدثني عليّ بن داود قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿حتى إذَا بَلَغُوا النّكاحَ﴾ قال : عند الحلم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿حتى إذَا بَلَغُوا النكاحَ﴾ قال : الحلم.
القول في تأويل قوله :﴿فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا﴾.
يعني قوله :﴿فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا﴾ : فإن وجدتم منهم وعرفتم. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا﴾ قال : عرفتم منهم.
يقال : آنست من فلان خيرا وبِرّا بمدّ الألف إيناسا، وأنست به آنسُ أُنْسا بقصر ألفها : إذا ألفه. وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله :«فإنْ أحْسَيْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا » بمعنى : أحسستم : أي وجدتم.
واختلف أهل التأويل في معنى الرشد الذي ذكره الله في هذه الآية، فقال بعضهم : معنى الرشد في هذا الموضع : العقل والصلاح في الدين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا﴾ عقولاً وصلاحا.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا﴾ يقول : صلاحا في عقله ودينه.
وقال آخرون : معنى ذلك : صلاحا في دينهم، وإصلاحا لأموالهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : ثني أبي، عن مبارك، عن الحسن، قال : رشدا في الدين وصلاحا وحفظا للمال.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا﴾ في حالهم، والإصلاح في أموالهم.
وقال آخرون : بل ذلك العقل خاصة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال : لا ندفع إلى اليتيم ماله، وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخا، حتى يؤنس منه رشده : العقل.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد :﴿فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا﴾ قال : العقل.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو شبرمة، عن الشعبي، قال : سمعته يقول : إن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده.
وقال آخرون : بل هو الصلاح والعلم بما يصلحه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدا﴾ قال : صلاحا وعلما بما يصلحه.
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي بمعنى الرشد في هذا الموضع : العقل وإصلاح المال¹ لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك لم يكن ممن يستحقّ الحجر عليه في ماله، وحوز ما في يده عنه، وإن كان فاجرا في دينه. وإذ كان ذلك إجماعا من الجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ وله مال في يدي وصي أبيه أو في يد حاكم قد ولي ماله لطفولته، واجب عليه تسليم ماله إليه، إذا كان عاقلاً بالغا، مصلحا لماله، غير مفسد¹ لأن المعنى الذي به يستحقّ أن يولي على ماله الذي هو في يده، هو المعنى الذي به يستحقّ أن يمنع يده من ماله الذي هو في يد وليّ، فإنه لا فرق بين ذلك. وفي إجماعهم على أنه غير جائز حيازة ما في يده في حال صحة عقله وإصلاح ما في يده، الدليلُ الواضح على أنه غير جائز منع يده مما هو له في مثل ذلك الحال، وإن كان قبل ذلك في يد غيره لا فرق بينهما. ومن فرق بين ذلك عكس عليه القول في ذلك، وسئل الفرق بينهما من أصل أو نظير، فلن يقول في أحدهما قولاً إلا ألزم في الآخر مثله. فإن كان ما وصفنا من الجميع إجماعا، فبين أن الرشد الذي به يستحقّ اليتيم إذا بلغ فأونس منه دفع ماله إليه، ما قلنا من صحة عقله وإصلاح ماله.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ وَلا تَأكُلُوها إسْرَافا﴾.
يعني بذلك تعالى ذكره : ولاة أموال اليتامى، يقول الله لهم : فإذا بلغ أيتامكم الحلم، فآنستم منهم عقلاً وإصلاحا لأموالهم، فادفعوا إليهم أموالهم، ولا تحبسوها عنهم.
وأما قوله :﴿وَلا تأْكُلُوها إسْرَافا﴾ يعني : بغير ما أباحه الله لكم. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن :﴿وَلا تأْكُلُوها إسْرَافا﴾ يقول : لا تسرف فيها.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَلا تَأْكُلُوها إسْرَافا﴾ قال : يسرف في الأكل.
وأصل الإسراف : تجاوز الحدّ المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا كان في الإفراط، فاللغة المستعملة فيه أن يقال : أسرف يُسرف إسرافا، وإذا كان كذلك في التقصير، فالكلام منه : سَرِفَ يَسْرَفُ سَرَفا، يقال : مررت بكم فسرفتكم، يراد منه : فسهوت عنكم وأخطأتكم، كما قال الشاعر :
| أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثمَانِيَةٌ | ما فِي عَطائِهِمْ مَنّ وَلا. سَرَفُ |
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَبِدَارا أنْ يَكْبَرُوا﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿وَبِدارا﴾ ومبادرة¹ وهو مصدر من قول القائل : بادرت هذا الأمر مبادرة وبدارا. وإنما يعني بذلك جلّ ثناؤه : ولاة أموال اليتامى، يقول لهم : لا تأكلوا أموالهم إسرافا، يعني : ما أباح الله لكم أكله، ولا مبادرة منكم بلوغهم، وإيناس الرشد منهم حذرا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمه إليهم. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿إسْرافا وَبِدَارا﴾ يعني : أكل مال اليتيم مبادرا أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن :﴿وَلا تَأْكُلُوها إسْرَافا وَبِدَارا﴾ يقول : لا تسرف فيها، ولا تبادر.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَبِدَارا﴾ تبادرا أن يكبروا، فيأخذوا أموالهم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد في قوله :﴿إسْرَافا وَبِدَارا﴾ قال : هذه لوليّ اليتيم خاصة، جعل له أن يأكل معه إذا لم يجد شيئا يضع يده معه، فيذهب بوجهه، يقول : لا أدفع إليه ماله، وجعلتَ تأكله تشتهي أكله، لأنك إن لم تدفعه إليه لك فيه نصيب، وإذا دفعته إليه فليس لك فيه نصيب.
وموضع «أن » في قوله :«أن يكبروا » نصبٌ بالمبادرة، لأن معنى الكلام : لا تأكلوها مبادرة كبرهم.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَمَنْ كانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿وَمَنْ كانَ غَنِيّا﴾ من ولاة أموال اليتامى على أموالهم، ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ بماله عن أكلها بغير الإسراف والبدار أن يكبروا، بما أباح الله له أكلها به. كما :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش وابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَنْ كانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قال : لغناه من ماله، حتى يستغني عن مال اليتيم.
وبه قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله :﴿وَمَنْ كانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ بغناه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن ليث، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَنْ كانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ﴾ قال : من مال نفسه، ومن كان فقيرا منهم إليها محتاجا فليأكل بالمعروف.
قال أبو جعفر : ثم اختلف أهل التأويل في المعروف الذي أذن الله جلّ ثناؤه لولاة أموالهم أكلها به إذا كانوا أهل فقر وحاجة إليها، فقال بعضهم : ذلك هو القرض يستقرضه من ماله ثم يقضيه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني أنزلت مال الله تعالى مني بمنزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن عطية، عن زهير، عن العلاء بن المسيب، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَنْ كانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ﴾ قال : هو القرض.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، قال : سمعت يونس، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، أنه قال في هذه الاَية :﴿وَمَنْ كانَ غَنيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ﴾ قال : الذي ينفق من مال اليتيم يكون عليه قرضا.
حدثني يعقوب ب