جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنّسَآءِ نَصِيبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمّا قَلّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مّفْرُوضاً﴾.
يعني بذلك تعالى ذكره : للذكور من أولاد الرجل الميت حصة من ميراثه وللإناث منهم حصة منه، من قليل ما خلف بعده وكثيره حصة مفروضة واجبة معلومة مؤقتة. وذكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : كانوا لا يورثون النساء، فنزلت :﴿وَللنّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال : نزلت في أم كُحة وابنة كحة وثعلبة وأوس بن سويد، وهم من الأنصار، كان أحدهم زوجها، والآخر عمّ ولدها، فقالت : يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته، فلم نورّث، فقال عمّ ولدها : يا رسول الله لا تركب فرسا، ولا تحمل كلاّ، ولا تنكأ عدوّا يكسب عليها، ولا تكتسب. فنزلت :﴿للرّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْرَبُونَ وللنّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلّ مِنْهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبا مَفُرُوضا﴾.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿للرِجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْرَبُونَ﴾ قال : كان النساء لا يرثن في الجاهلية من الآباء، وكان الكبير يرث ولا يرث الصغير وإن كان ذكرا، فقال الله تبارك وتعالى :﴿للرّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ إلى قوله :﴿نَصِيبا مَفرُوضا﴾.
قال أبو جعفر : ونصب قوله :﴿نَصِيبا مَفْرُوضا﴾ وهو نعت للنكرة لخروجه مخرج المصدر، كقول القائل : لك عليّ حقّ واجبا، ولو كان مكان قوله :﴿نَصِيبا مَفْرُوضا﴾ اسم صحيح لم يجز نصبه، لا يقال : لك عندي حقّ درهما، فقوله :﴿نَصِيبا مَفُرُوضا﴾ كقوله : نصيبا فريضة وفرضا، كما يقال : عندي درهم هبة مقبوضة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى