محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
وقوله تعالى :
( ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما٧٠ )
( ذلك ) مبتدأ. اشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة المنعم عليهم. أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم. فالمشار إليه إما جميع ما قبله أو ما يليه. ( الفضل ) صفة ( من الله ) خبره. أي : ذلك الفضل العظيم من الله تعالى لا من غيره. أو ( الفضل ) خبر، و ( من الله ) حال. والعامل فيه معنى الإشارة. أي : ذلك الثواب، لكمال درجته، كأنه هو الفضل. وان ما سواه ليس بشيء موجودا وكائنا من الله تعالى. لا أن أعمال المكلفين توجبه.
قال الناصر في ( الانتصاف ) : معتقدنا، معاشر أهل السنة، أن الطاعات والأعمال التي يتميز بها هؤلاء الخواص، خلق الله تعالى وفعله. وان قدرهم لا تأثير لها في أعمالهم. بل الله عز وجل يخلق على أيديهم الطاعات ويثيبهم عليها. فالطاعة إذا من فضله. فله الفضل على كل حال. والمنة في الفاتحة والمآل. وكفى بقول سيد البشر في ذلك حجة وقدوة. فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام(١) :" لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله بفضل منه وبرحمة ". ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ). اللهم ! اختم لنا باقتفاء السنة. وأدخلنا بفضلك المحض الجنة. انتهى كلام الناصر. والحديث المذكور أخرجه الشيخان عن أبي هريرة. ( وكفى بالله عليما ) بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله.
قال الرازي : وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله. لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفية الجزاء والتفضل. وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة، والاحتراز عن التقصير فيه.
١ أخرجه البخاري في: ٧١ –كتاب الرقاق، ١٨ –باب القصد والمداومة هلى العمل، حديث ٣٥ ونصه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن ينجي أحدا منكم عمله" قالوا: ولا أنت، يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا. الا أن يتغمدني الله برحمة. سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة. والقصد القصد تبلغوا"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى