الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِذَا فَرِيقٌ﴾ :" إذا " هنا فجائية، وقد تقدم أن فيها ثلاثةَ مذاهب، أحدها- وهو الأصح : أنها ظرف مكان، والثاني : انها زمان، والثالث : أنها حرفٌ، ولهذه المذاهبِ موضوعٌ غير هذا، وقد قيل في " إذا " هذه إنها فجائية مكانية، وأنها جواب ل " لَمَّا " في قوله ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾، وعلى هذا ففيها وجهان، أحدهما : أنها خبر مقدم، و " فريق " مبتدأ و " منهم " صفةٌ ل " فريق "، وكذلك " يَخْشَون "، ويجوزُ أَنْ يكونَ " يخشون " حالاً من " فريق " لاختصاصِه بالوصفِ، والتقديرُ :" فبالحضرةِ فريقٌ كائنٌ منهم خاشون أو خاشين ". والثاني : أن يكونَ " فريقٌ " مبتدأً، و " منهم " صفتَه " وهو المسوِّغُ للابتداءِ به، و " يَخْشَوْن " جملةٌ خبريةٌ وهو العاملُ في " إذا "، وعلى القولِ الأول العاملُ فيها محذوفٌ على قاعدِة الظروف الواقعةِ خبراً. وقيل : إنها هنا ظرفُ زمانٍ، وهذا فاسدٌ ؛ لأنها إذ ذاك لا بد لها مِنْ عاملٍ، وعاملُها إمَّا ما قبلها وإمَّا ما بعدها، لا جائز أن يكون ما قبلها، لأن ما قبلها وهو " كُتب " ماض لفظاً ومعنى وهي للاستقبال، فاستحال ذلك. فإن قيل : تُجْعَلُ هنا للمُضِيِّ بمعنى " إذ " قيل : لا يجوز ذلك لأنه يَصيرُ التقدير : فلمَّا كُتِب عليهم القتال في وقتِ خشيةِ فريقٍ منهم، وهذا يفتقرُ إلى جواب " لَمَّا " ولا جوابَ لها، ولا جائزٌ أن يكونَ ما بعدها ؛ لأنَّ العاملَ فيها إذا كان بعدها كان جواباً لها، ولا جوابَ لها هنا، وكان قد تقدَّم أولَ البقرة أنَّ في " لَمَّا " قولين / قولَ سيبويه : إنها حرف وجوب لوجوب، وقولَ الفارسي : إنها ظرفُ زمانٍ بمعنى " حين " وتقدَّم الردُّ عليه هناك بأنها أُجيبت ب " ما " النافيةِ وإذا الفجائيةِ، وأنَّ ما بعدها لا يعمل فيها قبلها فَأَغْنى عن إعادتهِ، ولا يجوزُ أن يَعمل ما يليها فيها ؛ لأنه في محلِّ خفض بالإِضافة على زَعْمِه والمضافُ إليه لا يعمل في المضاف. وقد أجابَ بعضُهم بأنَّ العاملَ فيها هنا معنى " يَخْشَوْن " كأنه قيل : جَزِعوا، قال :" وجَزعوا هو العاملُ في " إذا " وهذه الآيةُ مشكلةٌ ؛ لأنَّ فيها ظرفين أحدُهما لِما مضى والآخرُ لِما يُسْتقبل ". انتهى.
قوله :﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها وهو المشهور عند المُعْربين : انها نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي : خشيةً كخشية الله. والثاني وهو المقرر من مذهب سيبويه غيرَ مرة : أنها في محل نصب على الحال من ضمير الخشية المحذوف أي : يخشونها الناسَ، أي : يخشون الخشيةَ الناسَ مشبهةً خشيةَ الله.
والثالث : أنها في محل نصبٍ على الحال من الضمير في " يَخْشَوْن " أي : يَخْشَون الناسَ مثلَ أهل خشية الله أي : مشبهين لأهل خشية الله أو أشدَّ خشية أي : أشدَّ خشيةً من أهل خشية الله. و " اشدَّ " معطوف على الحال، قاله الزمخشري. ثم قال :" فإنْ قلت : لِمَ عَدَلْتَ عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدِّرْه : يَخْشَوْن خشيةً [ مثل خشية ] الله بمعنى : مثلَ ما يخشى الله. قلت : أَبَى ذلك قولُه ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ؛ لأنه وما عُطِفَ عليه في حكمٍ واحدٍ، ولو قلت :" يخشون الناسَ أشدَّ خشيةً " لم يكن إلا حالاً من ضميرِ الفريقِ، ولم ينتصِبْ انتصابَ المصدر لأنك لا تقول :" خَشِي فلانٌ أشدَّ خشيةً " فتنصِبُ " خشية " وأنت تريد المصدر، إنما تقول " أشدَّ خشيةٍ " فتجرُّها، وإذا نَصَبْتَها لم يكن " أشدَّ خشيةً " إلا عبارةً عن الفاعلِ حالاً منه، اللهم إلا أن تَجْعَلَ الخشيةَ خاشيةً على حدِّ قولِهم :" جَدَّ جَدُّه " فتزعم أنَّ معناه : يخشون الناسَ خشيةً مثل خشيةٍ أشدَّ خشيةً من خشية الله، ويجوز على هذا أن يكونَ محلُّ " أشدُّ " مجروراً عطفاً على " خشية الله " تريد كشخية الله أو كشخيةٍ أشدَّ منها ". انتهى.
ويجوز نصبُ " خشيةً " على وجه آخر وهو العطف على محل الكاف، وينتصب " أشدَّ " حينئذ على الحال من " خشية " لأنه في الأصلِ نعتُ نكرةٍ قُدِّم عليها، والأصل : يخشون الناسَ مثلَ خشيةِ الله أو خشيةً أشدَّ منها. فلا ينتصب " خشية " تمييزاً حتى يلزم منه ما ذكره الزمخشري ويُعْتذر عنه، وقد تقدَّم نحوٌ من هذا عند قوله ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠]. والمصدرُ مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف أي : كخشيتهم اللَّهَ. و " أو " تحتمل الأوجه المذكورة في قوله :﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾
[البقرة: ٧٤]، ويجوز أن تكونَ للتنويع : يعني أن منهم مَنْ يخشاهم كخشية الله، ومنهم مَنْ يخشاهم أشدَّ خشية من خشية الله. و " لولا أخَّرْتَنا " " لولا " تحضيضةٌ. وقرأ ابن كثير والأخَوان :" لا يُظْلَمون " بالغيبة جرياً على الغائبين قبله، والباقون بالخطاب التفاتاً. و " فَتيلاً " قد تقدَّم إعرابُه.
قوله :﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها وهو المشهور عند المُعْربين : انها نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي : خشيةً كخشية الله. والثاني وهو المقرر من مذهب سيبويه غيرَ مرة : أنها في محل نصب على الحال من ضمير الخشية المحذوف أي : يخشونها الناسَ، أي : يخشون الخشيةَ الناسَ مشبهةً خشيةَ الله.
والثالث : أنها في محل نصبٍ على الحال من الضمير في " يَخْشَوْن " أي : يَخْشَون الناسَ مثلَ أهل خشية الله أي : مشبهين لأهل خشية الله أو أشدَّ خشية أي : أشدَّ خشيةً من أهل خشية الله. و " اشدَّ " معطوف على الحال، قاله الزمخشري. ثم قال :" فإنْ قلت : لِمَ عَدَلْتَ عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدِّرْه : يَخْشَوْن خشيةً [ مثل خشية ] الله بمعنى : مثلَ ما يخشى الله. قلت : أَبَى ذلك قولُه ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ؛ لأنه وما عُطِفَ عليه في حكمٍ واحدٍ، ولو قلت :" يخشون الناسَ أشدَّ خشيةً " لم يكن إلا حالاً من ضميرِ الفريقِ، ولم ينتصِبْ انتصابَ المصدر لأنك لا تقول :" خَشِي فلانٌ أشدَّ خشيةً " فتنصِبُ " خشية " وأنت تريد المصدر، إنما تقول " أشدَّ خشيةٍ " فتجرُّها، وإذا نَصَبْتَها لم يكن " أشدَّ خشيةً " إلا عبارةً عن الفاعلِ حالاً منه، اللهم إلا أن تَجْعَلَ الخشيةَ خاشيةً على حدِّ قولِهم :" جَدَّ جَدُّه " فتزعم أنَّ معناه : يخشون الناسَ خشيةً مثل خشيةٍ أشدَّ خشيةً من خشية الله، ويجوز على هذا أن يكونَ محلُّ " أشدُّ " مجروراً عطفاً على " خشية الله " تريد كشخية الله أو كشخيةٍ أشدَّ منها ". انتهى.
ويجوز نصبُ " خشيةً " على وجه آخر وهو العطف على محل الكاف، وينتصب " أشدَّ " حينئذ على الحال من " خشية " لأنه في الأصلِ نعتُ نكرةٍ قُدِّم عليها، والأصل : يخشون الناسَ مثلَ خشيةِ الله أو خشيةً أشدَّ منها. فلا ينتصب " خشية " تمييزاً حتى يلزم منه ما ذكره الزمخشري ويُعْتذر عنه، وقد تقدَّم نحوٌ من هذا عند قوله ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠]. والمصدرُ مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف أي : كخشيتهم اللَّهَ. و " أو " تحتمل الأوجه المذكورة في قوله :﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾
[البقرة: ٧٤]، ويجوز أن تكونَ للتنويع : يعني أن منهم مَنْ يخشاهم كخشية الله، ومنهم مَنْ يخشاهم أشدَّ خشية من خشية الله. و " لولا أخَّرْتَنا " " لولا " تحضيضةٌ. وقرأ ابن كثير والأخَوان :" لا يُظْلَمون " بالغيبة جرياً على الغائبين قبله، والباقون بالخطاب التفاتاً. و " فَتيلاً " قد تقدَّم إعرابُه.