جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوَاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلآ أَخّرْتَنَا إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدّنْيَا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتّقَىَ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾. .
ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا قد آمنوا به وصدّقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال شقّ عليهم ذلك وقالوا ما أخبر عنهم في كتابه.
فتأويل قوله :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ﴾ : ألم تر بقلبك يا محمد فتعلم إلى الذين قيل لهم من أصحابك حين سألوك أن تسأل ربك أن يفرض عليهم القتال : كفوا أيديكم، فأمسكوها عن قتال المشركين وحربهم. ﴿وَأقِيمُوا الصّلاةَ﴾ يقول : وأدوا الصلاة التي فرضها الله عليكم بحدودها. ﴿وآتُوا الزّكاةَ﴾ يقول : وأعطوا الزكاة أهلها، الذين جعلها الله لهم من أموالكم، تطهيرا لأبدانكم وأموالكم¹ كرهوا ما أمروا به من كفّ الأيدي عن قتال المشركين، وشقّ ذلك عليهم. ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ يقول : فلما فرض عليهم القتال الذي كانوا سألوا أن يفرض عليهم، ﴿إذَا فرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ يعني : جماعة منهم ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ يقول : يخافون الناس أن يقاتلوهم، ﴿كخَشْيَةِ اللّهِ أوْ أشَدّ خَشْيَةً﴾ أو أشدّ خوفا. ﴿وَقَالُوا﴾ جزعا من القتال الذي فرض الله عليهم :﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ : لم فرضت علينا القتال، ركونا منهم إلى الدنيا، وإيثارا للدعة فيها والخَفْضَ، على مكروه لقاء العدوّ، ومشقة حربهم وقتالهم. ﴿لَوْلا أخّرْتَنا﴾ يخبر عنهم، قالوا : هلا أخرتنا ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يعني : إلى أن يموتوا على فرشهم وفي منازلهم.
وبنحو الذي قلنا إن هذه الاَية نزلت فيه قال أهل التأويل. ذكر الآثار بذلك، والرواية عمن قاله :
حدثنا محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال : سمعت أبي، قال : أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس : أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبيّ ﷺ، فقالوا : يا رسول الله، كنا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة ! فقال :«إني أُمِرْتُ بالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا » فلما حوّله الله إلى المدينة أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ﴾. . . الاَية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ﴾ عن الناس، ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ نزلت في أناس من أصحاب رسول الله ﷺ. قال ابن جريج : وقوله :﴿وَقالُوا رَبّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال : إلى أن نموت موتا هو الأجل القريب.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : قوله :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ وأقِيمُوا الصّلاةَ﴾ فقرأ حتى بلغ :﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال : كان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة، تسرعوا إلى القتال، فقالوا لنبيّ الله ﷺ : ذرنا نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين بمكة ! فنهاهم نبيّ الله ﷺ عن ذلك، قال :«لم أؤمَرْ بذَلِكَ ». فلما كانت الهجرة وأمر بالقتال، كره القوم ذلك، فصنعوا فيه ما تسمعون، فقال الله تبارك وتعالى :﴿قُلْ مَتاعُ الدّنْيا قَلِيلٌ والاَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ وأقِيمُوا الصّلاةَ وآتُوا الزّكاةَ﴾ قال : هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال¹ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كخَشْيَةِ اللّهِ أوْ أشَدّ خَشْيَةً﴾. . . الاَية، إلى :﴿ألى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت، قال الله :﴿قُلْ مَتاعُ الدّنْيا قَلِيلٌ والاَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَن اتّقَى﴾.
وقال آخرون : نزلت هذه وآيات بعدها في اليهود. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ وأقِيمُوا الصّلاةَ﴾. . . إلى قوله :﴿لاتّبَعْتُمُ الشّيْطانَ إلاّ قَلِيلاً﴾ ما بين ذلك في اليهود.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذَا فَرِيقٌ منْهُمْ﴾. . . إلى قوله :﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ : نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قُلْ مَتاعُ الدّنْيا قَلِيلٌ والاَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿قُلْ مَتاعُ الدّنْيا قَلِيلٌ﴾ : قل يا محمد لهؤلاء القوم الذين قالوا ﴿رَبّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ عيشكم في الدنيا وتمتعكم بها قليل، لأنها فانية، وما فيها فان، ﴿والاَخِرَةُ خَيْرٌ﴾ يعني : ونعيم الاَخرة خير، لأنها باقية، ونعيمها باق دائم. وإنما قيل : والاَخرة خير ومعنى الكلام ما وصفت من أنه معنى به نعيمها، لدلالة ذكر الاَخرة بالذي ذكرت به على المعنى المراد منه ﴿لمن اتّقَى﴾ يعني : لمن اتقى الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فأطاعه في كل ذلك. ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ يعني : ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلاً¹ وقد بينا معنى الفتيل فيما مضى بما أغنى عن إعادته ههنا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وإنما وصفهم جل ثناؤه بالضعف، لأنهم لا يقاتلون رجاء ثواب، ولا يتركون القتال خوف عقاب، وإنما يقاتلون حميّة أو حسدًا للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله. والمؤمنون يقاتل مَن قاتل منهم رجاء العظيم من ثواب الله، ويترك القتال إن تركه على خوف من وعيد الله في تركه، فهو يقاتل على بصيرة بما له عند الله إن قتل، وبما لَه من الغنيمة والظفر إن سلم. والكافر يقاتل على حذر من القتل، وإياس من معاد، فهو ذو ضعف وخوف.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾
قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا قد آمنوا به وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يُفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال شقّ عليهم ذلك، وقالوا ما أخبر الله عنهم في كتابه.
* * *
* * *
(٢) انظر تفسير: "إقامة الصلاة" فيما سلف من فهارس اللغة (قوم).
(٣) انظر تفسير"إيتاء الزكاة" فيما سلف من فهارس اللغة"أتى""زكا".
(٤) انظر تفسير"كتب" فيما سلف ٥٢٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٥) انظر تفسير"فريق" سلف ٢: ٢٤٤، ٢٤٥، ٤٠٢ / ٣: ٥٤٩ / ٦: ٥٣٥.
(٦) انظر تفسير"الخشية" فيما سلف ١: ٥٩٩، ٥٦٠ / ٢: ٢٣٩، ٢٤٣.
(٧) في المطبوعة: "وإيثارًا للدعة فيها والحفظ عن مكروه"، وفي المخطوطة: "والحفظ على مكروه"، وكلاهما خطأ فاسد، والصواب: "والخفض" وهو لين العيش، وأما قوله: "على مكروه لقاء العدو" فهو متعلق بقوله: "وإيثار للدعة... على مكروه... ".
(٨) انظر تفسير"الأجل" فيما سلف ٥: ٧ / ٦: ٤٣، ٧٦.
ذكر الآثار بذلك، والرواية عمن قاله.
٩٩٥١ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، سمعت أبي قال، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، كنا في عِزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذِلة! فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا. فلما حوَّله الله إلى المدينة، أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله تبارك وتعالى:"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم"، الآية (١).
٩٩٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة:"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم"، عن الناس ="فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم"، نزلت في أناس من أصحاب رسول الله ﷺ = قال: ابن جريج وقوله:"وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب"، قال: إلى أن نموت موتًا، هو"الأجل القريب".
٩٩٥٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة"، فقرأ حتى بلغ:"إلى أجل قريب"، قال: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة، تسرَّعوا إلى القتال، فقالوا لنبي الله صلى
وأبوه: "علي بن الحسن بن شقيق بن دينار" مضى برقم: ١٩٠٩.
وكان في المطبوعة: "... بن الحسين بن شقيق"، وهو خطأ.
وهذا الخبر، رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٠٧ مع اختلاف في لفظه، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. ورواه البيهقي في السنن ٩: ١١، ورواه ابن كثير في تفسيره ٢: ٥١٤، من طريق ابن أبي حاتم، وخرجه في الدر المنثور ٢: ١٨٤، ونسبه إلى هؤلاء وزاد نسبته إلى النسائي.
٩٩٥٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة"، قال: هم قوم أسلموا قبل أن يُفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال ="فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية" الآية، إلى"إلى أجل قريبٍ" (١) وهو الموت، قال الله: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى).
* * *
وقال آخرون: نزلت هذه وآيات بعدها، في اليهود.
*ذكر من قال ذلك:
٩٩٥٥ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة" إلى قوله:"لاتبعتم الشيطان إلا قليلا"، ما بين ذلك في اليهود.
٩٩٥٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم" إلى قوله:"لم كتبت علينا القتال"، نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"قل متاع الدنيا قليل"، قل، يا محمد، لهؤلاء القوم الذين قالوا:"ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب" =: عيشكم في الدنيا وتمتعكم بها قليل، لأنها فانية وما فيها فانٍ (١) ="والآخرة خير"، يعني: ونعيم الآخرة خير، لأنها باقية ونعيمها باق دائم. وإنما قيل:"والآخرة خير"، ومعنى الكلام ما وصفت، من أنه معنيٌّ به نعيمها - لدلالة ذكر"الآخرة" بالذي ذكرت به، على المعنى المراد منه ="لمن اتقى"، يعني: لمن اتقى الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فأطاعه في كل ذلك ="ولا تظلمون فتيلا"، يعني: ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلا.
* * *
وقد بينا معنى:"الفتيل"، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته ههنا. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: = حيثما تكونوا يَنَلكم الموت فتموتوا ="ولو كنتم في بروج مشيَّدة"، يقول: لا تجزعوا من الموت، ولا تهربوا من القتال، وتضعفوا عن لقاء عدوكم، حذرًا على أنفسكم من القتل والموت، فإن الموت
(٢) انظر ما سلف: ٤٥٦ - ٤٦٠.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى قوله:"ولو كنتم في بروج مشيدة".
فقال بعضهم: يعنى به: قصور مُحصنة.
*ذكر من قال ذلك:
٩٩٥٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ولو كنتم في بروج مشيدة"، يقول: في قصور محصنة.
٩٩٥٨ - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا أبو همام قال، حدثنا كثير أبو الفضل، عن مجاهد قال: كان فيمن كان قبلكم امرأة، وكان لها أجيرٌ، فولدت جارية. فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارًا، فخرج فوجد بالباب رجلا فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية. قال: أما إنّ هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمئة، ويتزوجها أجيرها، (١) ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فقال الأجير في نفسه: فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمئة!! فأخذ شفرة فدخل فشق بطن الصبية. وعولجت فبرِئت، فشبَّت، وكانت تبغي، فأتت ساحلا من سواحل البحر، فأقامت عليه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل: ابغيني امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوجها! فقالت: ههنا امرأة من أجمل الناس، ولكنها تبغي. قال: ائتيني بها. فأتتها فقالت: قد قدم رجل له مال كثير، وقد قال لي: كذا. فقلت له: كذا. فقالت: إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوَّجته! قال: فتزوجها، فوقعت منه موقعًا. فبينا هو يومًا عندها إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية! = وأرته الشق في بطنها = وقد كنت
٩٩٥٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"ولو كنتم في بروج مشيدة"، قال: قصور مشيدة.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: قصورٌ بأعيانها في السماء.
*ذكر من قال ذلك:
٩٩٦٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة"، وهي قصور بيض في سماء الدنيا، مبنية.
٩٩٦١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد قال، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع في قوله:"أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة"، يقول: ولو كنتم في قصور في السماء. (٣)
* * *
(٢) الأثر: ٩٩٥٨ -"كثير أبو الفضل"، هو: كثير بن يسار الطفاوي، أبو الفضل البصري. روى عن الحسن البصري، وثابت البناني وغيرهما. مترجم في التهذيب.
وهذا الأثر أخرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٥١٥، من تفسير ابن أبي حاتم، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢: ١٨٤، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم، وأبي نعيم في الحلية.
(٣) الأثر: ٩٩٦١ -"عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ"، مضى برقم: ٢٩٢٩، وهذا الإسناد نفسه مضى أيضًا قبله برقم ٢٩١٩، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا"عبد الرحمن بن سعيد"، كما كان في رقم: ٢٩٢٩، ولكنه سيأتي على الصواب في المخطوطة والمطبوعة بعد قليل رقم: ٩٩٦٢، ٩٩٧٢.
فقال بعض أهل البصرة منهم:"المشيدة"، الطويلة. قال: وأما"المشِيدُ"، بالتخفيف، فإنه المزيَّن. (١)
* * *
وقال آخر منهم نحو ذلك القول، (٢) غير أنه قال:"المَشِيد" بالتخفيف المعمول بالشِّيد، و"الشيد" الجِصُّ.
* * *
وقال بعض أهل الكوفة:"المَشيد" و"المُشَيَّد"، أصلهما واحد، غير أن ما شدِّد منه، فإنما يشدد لنفسه، والفعل فيه في جمع، (٣) مثل قولهم:"هذه ثياب مصبَّغة"، و"غنم مذبَّحة"، فشدد؛ لأنها جمع يفرَّق فيها الفعل. وكذلك مثله،"قصور مشيدة"، لأن القصور كثيرة تردد فيها التشييد، ولذلك قيل:"بروج مشيدة"، ومنه قوله:"وغَلَّقت الأبواب"، وكما يقال:"كسَّرت العودَ"، إذا جعلته قطعًا، أي: قطعة بعد قطعة. وقد يجوز في ذلك التخفيف، فإذا أفرد من ذلك الواحد، فكان الفعل يتردد فيه ويكثر تردده في جمع منه، جاز التشديد عندهم والتخفيف، فيقال منه:"هذا ثوب مخرَّق" و"جلد مقطع"، لتردد الفعل فيه وكثرته بالقطع والخرق. وإن كان الفعل لا يكثر فيه ولا يتردد، ولم يجيزوه إلا بالتخفيف، وذلك نحو قولهم:"رأيت كبشًا مذبوحًا" ولا يجيزون فيه:"مذَّبحًا"، لأن الذبح لا يتردد فيه تردد التخرُّق في الثوب.
* * *
وقالوا: فلهذا قيل:"قصر مَشِيد"، لأنه واحد، فجعل بمنزلة قولهم:
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "وقال آخرون منهم"، والسياق يقتضي ما أثبت.
(٣) في المطبوعة:
| "فإنما يشدد لتردد الفعل فيه | " غير ما في المخطوطة، وهو ما أثبته وهو صواب المعنى المطابق للسياق. |
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمة(٢) وعلي بن زنجة قالا حدثنا علي بن الحسن، عن الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس : أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ بمكة، فقالوا : يا نبي الله، كنا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة : قال :" إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم ". فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا. فأنزل الله :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ] (٣)﴾ الآية.
ورواه النسائي، والحاكم، وابن مَرْدُويه، من حديث علي بن الحسن بن شَقِيق، به(٤).
وقال أسباط، عن السدي : لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما كتب عليهم القتال :﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت، قال الله تعالى :﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾
وعن مجاهد : إن هذه الآيات(٥) نزلت في اليهود. رواه ابن جرير.
وقوله :﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي : آخرة المتقي خير من دنياه.
﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ أي : من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء. وهذه تسلية لهم عن الدنيا. وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام قال : قرأ الحسن :﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قال : رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك، ما(٦) الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة، فرأى في منامه بعض ما يحب، ثم انتبه.
وقال ابن مَعين : كان أبو مُسْهِر ينشد :
| ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له | مِنَ الله في دار المقام نَصيبُ |
| فإن تُعْجب الدنيا رجَالا فإنها | مَتَاع قليل والزّوَال قريبُ |
٢ في أ: "زرعه"..
٣ زيادة من ر، أ.
.
٤ سنن النسائي الكبرى برقم (١١١١٢) والمستدرك (٢/٣٠٧)..
٥ في أ: "الآية"..
٦ في ر، أ: "وما"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ -وَهُمْ بِمَكَّةَ -مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ النُّصُب، لَكِنْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ، وَكَانُوا مَأْمُورِينَ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّبْرِ إِلَى حِينٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّقُونَ وَيَوَدُّونَ لَوْ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ لِيَشْتَفُوا مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَالُ إِذْ ذَاكَ مُنَاسِبًا لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: قِلَّةُ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ عَدَدِ عَدُّوِهِمْ، وَمِنْهَا كَوْنُهُمْ كَانُوا فِي بَلَدِهِمْ وَهُوَ بَلَدٌ حَرَامٌ وَأَشْرَفُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ فِيهِ ابْتِدَاءً لَائِقًا. فَلِهَذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْجِهَادِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ دَارٌ وَمَنَعَةٌ وَأَنْصَارٌ، وَمَعَ هَذَا لَمَّا أُمِرُوا بِمَا كَانُوا يَوَدُّونَهُ جَزع بَعْضُهُمْ مِنْهُ وَخَافُوا مِنْ مُوَاجَهَةِ النَّاسِ خَوْفًا شَدِيدًا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أَيْ: لَوْ مَا أَخَّرْتَ فَرْضَهُ إِلَى مُدَّةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ فِيهِ سَفْكَ الدِّمَاءِ، ويُتْم الْأَبْنَاءِ، وَتَأَيُّمَ النِّسَاءِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةُ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ [رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونُ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فِإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ]﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٠، ٢١]. (١)
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمة (٢) وَعَلِيُّ بْنُ زِنْجَةَ قَالَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عباس: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأَصْحَابًا لَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً: قَالَ: "إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا الْقَوْمَ". فَلَمَّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ، فَكَفُّوا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً] (٣)﴾ الآية.
(٢) في أ: "زرعه".
(٣) زيادة من ر، أ.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ إِلَّا الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ، فَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وَهُوَ الْمَوْتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾
وَعَنْ مُجَاهِدٍ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ (٢) نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أَيْ: آخِرَةُ الْمُتَّقِي خَيْرٌ مِنْ دُنْيَاهُ.
﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ أَيْ: مِنْ أَعْمَالِكُمْ بَلْ تُوَفَّوْنَهَا أَتَمَّ الْجَزَاءِ. وَهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لَهُمْ عَنِ الدُّنْيَا. وَتَرْغِيبٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَتَحْرِيضٌ لَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زيد، عن هشام قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا صَحِبَهَا عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، مَا (٣) الدُّنْيَا كُلُّهَا أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا إِلَّا كَرَجُلٍ نَامَ نَوْمَةً، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ بَعْضَ مَا يُحِبُّ، ثُمَّ انْتَبَهَ.
وَقَالَ ابْنُ مَعين: كَانَ أَبُو مُسْهِر يُنْشِدُ:
وَلَا خَيْرَ فِي الدنيا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ... مِنَ اللَّهِ فِي دَارِ الْمُقَامِ نَصيبُ...
فِإِنْ تُعْجب الدُّنْيَا رجَالا فِإِنْهَا... مَتَاع قَلِيلٌ والزّوَال قريبُ...
وَقَوْلُهُ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أَيْ: أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَى الْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وِالإكْرَامِ] (٤)﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٦، ٢٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٤] وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ صَائِرٌ إِلَى الْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَسَوَاءٌ عَلَيْهِ جَاهَدَ أَوْ لَمْ يُجَاهِدْ، فَإِنَّ لَهُ أَجَلًا مَحْتُومًا، وَأَمَدًا مَقْسُومًا، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الْمَوْتُ عَلَى فِرَاشِهِ: لَقَدْ شَهِدْتُ كَذَا وَكَذَا مَوْقِفًا، وَمَا مِنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِي إِلَّا وَفِيهِ جُرْحٌ مِنْ طَعْنَةٍ أَوْ رَمْيَةٍ، وَهَا أَنَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي، فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ (٥).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أَيْ: حَصِينَةٍ مَنِيعَةٍ عَالِيَةٍ رَفِيعَةٍ. وَقِيلَ: هِيَ بُرُوجٌ فِي السَّمَاءِ. قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا الْمَنِيعَةُ. أَيْ: لَا يُغْنِي حَذَرٌ وَتَحَصُّنٌ مِنَ الْمَوْتِ، كَمَا قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أبي سلمى: (٦)
(٢) في أ: "الآية".
(٣) في ر، أ: "وما".
(٤) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(٥) رواه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في المختصر لابن المنظور (٨/٢٦) من طريق أبي الزناد أن خالد لما حضرته الوفاة بكى وقال... فذكره.
(٦) في ر، أ: "طرفة بن العبد".
| وَمَن خَاف أسبابَ المَنيّة يَلْقَهَا | وَلَوْ رَامَ أسبابَ السَّمَاءِ بسُلَّم (١) |
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حِكَايَةً مُطَوَّلَةً عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ امْرَأَةً فِيمَنْ كَانَ قَبْلَنَا أَخْذَهَا الطَّلْقُ، فَأَمَرَتْ أَجِيرَهَا أَنْ يَأْتِيَهَا بِنَارٍ، فَخَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ وَاقِفٍ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ: مَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: جَارِيَةً، فَقَالَ: أَمَا إِنَّهَا سَتَزْنِي بِمِائَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا أَجِيرُهَا، وَيَكُونُ مَوْتُهَا بِالْعَنْكَبُوتِ. قَالَ: فَكَرَّ رَاجِعًا، فَبَعَجَ الْجَارِيَةَ بِسِكِّينٍ فِي بَطْنِهَا، فَشَقَّهُ، ثُمَّ ذَهَبَ هَارِبًا، وَظَنَّ أَنَّهَا قَدْ مَاتَتْ، فَخَاطَتْ أُمُّهَا بَطْنَهَا، فَبَرِئَتْ وَشَبَّتْ وَتَرَعْرَعَتْ، وَنَشَأَتْ أَحْسَنَ امْرَأَةٍ بِبَلْدَتِهَا (٢) فَذَهَبَ ذَاكَ [الْأَجِيرُ] (٣) مَا ذَهَبَ، وَدَخَلَ الْبُحُورَ فَاقْتَنَى أَمْوَالًا جَزِيلَةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَأَرَادَ التَّزْوِيجَ، فَقَالَ لِعَجُوزٍ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِأَحْسَنِ امْرَأَةٍ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ. فَقَالَتْ لَهُ: لَيْسَ هُنَا أَحْسَنَ مِنْ فُلَانَةٍ. فَقَالَ: اخْطُبِيهَا عَلَيَّ. فَذَهَبَتْ إِلَيْهَا فَأَجَابَتْ، فَدَخَلَ بِهَا فَأَعْجَبَتْهُ إِعْجَابًا شَدِيدًا، فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَمْرِهِ وَمِنْ أَيْنَ مَقْدِمُهُ (٤) ؟ فَأَخْبَرَهَا خَبَرَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فِي هَرَبِهِ. فَقَالَتْ: أَنَا هِيَ. وَأَرَتْهُ مَكَانَ السِّكِّينِ، فَتَحَقَّقَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ إِيَّاهَا فَلَقَدْ أَخْبَرْتِنِي بِاثْنَتَيْنِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا، إِحْدَاهُمَا: أَنَّكِ قَدْ زَنَيْتِ بِمِائَةِ رَجُلٍ. فَقَالَتْ: لَقَدْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا عَدَدُهُمْ؟ فَقَالَ: هُمْ مِائَةٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّكِ تَمُوتِينَ بِالْعَنْكَبُوتِ. فَاتَّخَذَ لَهَا قَصْرًا مَنِيعًا شَاهِقًا، لِيُحْرِزَهَا مِنْ ذَلِكَ، فَبَيْنَا هُمْ يَوْمًا إِذَا بِالْعَنْكَبُوتِ فِي السَّقْفِ، فَأَرَاهَا إِيَّاهَا، فَقَالَتْ: أَهَذِهِ الَّتِي تَحْذَرُهَا عَلَيَّ، وَاللَّهِ لَا يَقْتُلُهَا إِلَّا أنا، فأنزلوها من السقف فعمدت إليها فوطئتا بِإِبْهَامِ رِجْلِهَا فَقَتَلَتْهَا، فَطَارَ مِنْ سُمِّهَا شَيْءٌ (٥) فَوَقَعَ بَيْنَ ظُفْرِهَا وَلَحْمِهَا، فَاسْوَدَّتْ رِجْلُهَا وَكَانَ فِي ذَلِكَ أَجَلُهَا (٦).
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا قِصَّةَ صَاحِبِ الحَضْر، وَهُوَ "السَّاطِرُونَ" لَمَّا احْتَالَ عَلَيْهِ "سَابُورُ" حَتَّى حَصَرَهُ فِيهِ، وَقَتَلَ مَنْ فِيهِ بَعْدَ مُحَاصَرَةِ سَنَتَيْنِ، وَقَالَتِ الْعَرَبُ فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا مِنْهَا: وَأَخُو الحَضْر إِذْ بَنَاهُ وَإِذْ دِجْـ... لَةُ تُجْبَى إِلَيْهِ والخابورُ...
شَادَهُ مَرْمَرا وَجَلَّلَهُ كلْ... سًا فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاه وُكُور...
لَمْ تَهَبْهُ أَيْدِي الْمَنُونِ فَبَادَ الْـ... مُلْكُ عَنْهُ فبابُه مَهْجور...
ولما دخل على عثمان جعل يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْمَعْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَرَى الموتَ لَا يُبقي عَزيزا وَلَمْ يَدَعْ... لِعَادٍ ملاذَّا فِي الْبِلَادِ ومَرْبَعا...
| يُبَيَّتُ أهلُ الحِصْن والحصنُ مغلقٌ | وَيَأْتِي الجبالَ فِي شَماريخها مَعَا (٧) |
(٢) في ر، أ: "ببلدها".
(٣) زيادة من أ، والطبري.
(٤) في أ: "وعن مقدمه".
(٥) في ر: "وطار شيء من سمها".
(٦) تفسير الطبري (٨/٥٥٢).
(٧) في ر: "العلا".
(٨) في ر: "وغير".
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أَيِ: الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الصَّادِرَةِ عَنْ شَكٍّ وَرَيْبٍ. وَقِلَّةِ فَهْمٍ وَعِلْمٍ، وَكَثْرَةِ جَهْلٍ وَظُلْمٍ: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾
ذِكْرُ حَدِيثٍ غَرِيبٍ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا السَّكن بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنَ النَّاسِ، وَقَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَجَلَسَ عُمَرُ قَرِيبًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِمَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُكُمَا؟ " فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْحَسَنَاتُ مِنَ اللَّهِ وَالسَّيِّئَاتُ مِنْ أَنْفُسِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَمَا قُلْتَ يَا عُمَرُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ مِنَ اللَّهِ. تَعَالَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ مَقَالَتَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَقَالَ جِبْرِيلُ مَقَالَتَكَ يَا عُمَرُ فَقَالَ: نَخْتَلِفُ فَيَخْتَلِفُ أَهْلُ السَّمَاءِ (٣) وَإِنْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ السَّمَاءِ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْأَرْضِ. فَتَحَاكَمَا إِلَى إِسْرَافِيلَ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ أَنَّ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ مِنَ اللَّهِ". ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ "احْفَظَا قَضَائِي بَيْنَكُمَا، لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَلَّا يُعْصَى لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ".
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: هَذَا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة (٤).
(٢) في ر: "فقال" وفي أ: "قال".
(٣) في ر: "السماوات".
(٤) مسند البزار برقم (٢٤٩٦) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٩١) "شيخ البزار السكن بن سعيد لم أعرفه، وبقية رجال البزار ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر، وقال ابن حجر رحمه الله: "هذا خبر منكر وفي الإسناد ضعف".
قَالَ السُّدِّيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ جُريج، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: بِذَنْبِكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ عُقُوبَةً يَا ابْنَ آدَمَ بِذَنْبِكَ. قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "لَا يُصِيبُ رَجُلًا خَدْش عُودٍ، وَلَا عَثْرَةُ قَدَمٍ، وَلَا اخْتِلَاجُ عِرْق، إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ".
وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ قَدْ رُوِيَ مُتَّصِلًا فِي الصَّحِيحِ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، وَلَا نَصَبٌ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّر اللَّهُ عَنْهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ". (٢)
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: بِذَنْبِكَ، وَأَنَا الَّذِي قَدَّرْتُهَا عَلَيْكَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سَهْلٌ -يَعْنِي ابْنَ بَكَّار -حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ وَاصِلِ بْنِ أَخِي مُطَرِّف، عَنْ مُطَرِّف بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَا تُرِيدُونَ مِنَ الْقَدَرِ، أَمَا تَكْفِيكُمُ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وِإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ: مِنْ نَفْسِكَ، وَاللَّهِ مَا وُكِلُوا إِلَى الْقَدَرِ وَقَدْ أُمِروا وَإِلَيْهِ يَصِيرُونَ.
وَهَذَا كَلَامٌ مَتِينٌ قَوِيٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ أَيْضًا، وَلِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا﴾ أَيْ: تُبْلِغُهُمْ شَرَائِعَ اللَّهِ، وَمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَمَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أَيْ: عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَكَ، وَهُوَ شَهِيدٌ أَيْضًا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَعَالِمٌ بِمَا تُبْلِغُهُمْ إِيَّاهُ، وَبِمَا يردون عليك من الحق كفرا وعنادًا.
(٢) رواه مسلم بنحوه برقم (٢٥٧٢) من حديث عائشة، وبرقم (٢٥٧٣) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهم.
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
كان المسلمون -إذ كانوا بمكة- مأمورين بالصلاة والزكاة أي : مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لعدة فوائد :
منها : أن من حكمة الباري تعالى أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم ؛ ويبدأ بالأهم فالأهم، والأسهل فالأسهل.
ومنها : أنه لو فرض عليهم القتال -مع قلة عَدَدِهِم وعُدَدِهِم وكثرة أعدائهم- لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها ولغير ذلك من الحِكَم.
وكان بعض المؤمنين يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال، غير اللائق فيها ذلك، وإنما اللائق فيها القيام بما أمروا به في ذلك الوقت من التوحيد والصلاة والزكاة ونحو ذلك كما قال تعالى :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ فلما هاجروا إلى المدينة وقوي الإسلام، كُتب عليهم القتال في وقته المناسب لذلك، فقال فريق من الذين يستعجلون القتال قبل ذلك خوفا من الناس وضعفا وخورا :﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ ؟ وفي هذا تضجرهم واعتراضهم على الله، وكان الذي ينبغي لهم ضد هذه الحال، التسليم لأمر الله والصبر على أوامره، فعكسوا الأمر المطلوب منهم فقالوا :﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي : هلَّا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر، وهذه الحال كثيرًا ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه لا يصبر عليها وقت حلولها ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر. ثم إن الله وعظهم عن هذه الحال التي فيها التخلف عن القتال فقال :﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي : التمتع بلذات الدنيا وراحتها قليل، فتحمل الأثقال في طاعة الله في المدة القصيرة مما يسهل على النفوس ويخف عليها ؛ لأنها إذا علمت أن المشقة التي تنالها لا يطول لبثها هان عليها ذلك، فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير منها، في ذاتها، ولذاتها وزمانها، فذاتها -كما ذكر النبي ﷺ في الحديث الثابت عنه- " أن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ". ولذاتها صافية عن المكدرات، بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك كما قال تعالى :﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وقال الله على لسان نبيه : " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".
وأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص الذي لو قوبل بين لذاتها وما يقترن بها من أنواع الآلام والهموم والغموم، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه.
وأما زمانها، فإن الدنيا منقضية، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير، وأما الآخرة فإنها دائمة النعيم وأهلها خالدون فيها، فإذا فكّر العاقل في هاتين الدارين وتصور حقيقتهما حق التصور، عرف ما هو أحق بالإيثار، والسعي له والاجتهاد لطلبه، ولهذا قال :﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي : اتقى الشرك، وسائر المحرمات. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي : فسعيكم للدار الآخرة ستجدونه كاملاً موفرًا غير منقوص منه شيئًا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
كان المسلمون -إذ كانوا بمكة- مأمورين بالصلاة والزكاة أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لعدة فوائد:
منها: أن من حكمة الباري تعالى أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق -[١٨٨]- عليهم؛ ويبدأ بالأهم فالأهم، والأسهل فالأسهل.
ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال -مع قلة عَدَدِهِم وعُدَدِهِم وكثرة أعدائهم- لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها ولغير ذلك من الحِكَم.
وكان بعض المؤمنين يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال، غير اللائق فيها ذلك، وإنما اللائق فيها القيام بما أمروا به في ذلك الوقت من التوحيد والصلاة والزكاة ونحو ذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ فلما هاجروا إلى المدينة وقوي الإسلام، كُتب عليهم القتال في وقته المناسب لذلك، فقال فريق من الذين يستعجلون القتال قبل ذلك خوفا من الناس وضعفا وخورا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ ؟ وفي هذا تضجرهم واعتراضهم على الله، وكان الذي ينبغي لهم ضد هذه الحال، التسليم لأمر الله والصبر على أوامره، فعكسوا الأمر المطلوب منهم فقالوا: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: هلا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر، وهذه الحال كثيرًا ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه لا يصبر عليها وقت حلولها ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر. ثم إن الله وعظهم عن هذه الحال التي فيها التخلف عن القتال فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: التمتع بلذات الدنيا وراحتها قليل، فتحمل الأثقال في طاعة الله في المدة القصيرة مما يسهل على النفوس ويخف عليها؛ لأنها إذا علمت أن المشقة التي تنالها لا يطول لبثها هان عليها ذلك، فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير منها، في ذاتها، ولذاتها وزمانها، فذاتها -كما ذكر النبي ﷺ في الحديث الثابت عنه-"أن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها". ولذاتها صافية عن المكدرات، بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وقال الله على لسان نبيه: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
وأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص الذي لو قوبل بين لذاتها وما يقترن بها من أنواع الآلام والهموم والغموم، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه.
وأما زمانها، فإن الدنيا منقضية، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير، وأما الآخرة فإنها دائمة النعيم وأهلها خالدون فيها، فإذا فكّر العاقل في هاتين الدارين وتصور حقيقتهما حق التصور، عرف ما هو أحق بالإيثار، والسعي له والاجتهاد لطلبه، ولهذا قال: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: اتقى الشرك، وسائر المحرمات. ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ أي: فسعيكم للدار الآخرة ستجدونه كاملا موفرًا غير منقوص منه شيئًا.
ثم أخبر أنه لا يغني حذر عن قدر، وأن القاعد لا يدفع عنه قعوده شيئًا، فقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُّمُ الْمَوْتُ﴾ أي: في أي زمان وأي مكان. ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: قصور منيعة ومنازل رفيعة، وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودُهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٤ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- فَتِيلًا
- الخَيْطَ الَّذِي يَكُونُ فِي شَقِّ نَوَاةِ التَّمْرِ.
إعراب الآية ٧٧ من سورة النساء
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة النساء (٤) : آية ٧٦]
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)الَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ. يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فعل مستقبل في موضع الخبر، وكذا وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ قال أبو عبيدة والكسائي: الطاغوت يذكّر ويؤنث.
قال أبو عبيدة: وإنما ذكّر وأنّث «١» لأنهم كانوا يسمون الكاهن والكاهنة طاغوتا. قال:
وحدّثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله وسئل عن الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جهينة واحدة وفي أسلم واحدة وفي كلّ حيّ واحدة. قال أبو إسحاق «٢» : الدليل على أنه الشيطان قوله: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً.
[سورة النساء (٤) : آية ٧٧]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧)أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ روي عن ابن عباس: إنّ قوما تمنّوا القتال قبل أن يؤذن فيه فنهاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم فلما فرض كرهوه فأنزل الله جلّ وعزّ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ... إلى آخرها. يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف. أَوْ أَشَدَّ عطف على الكاف في موضع نصب، ويجوز أن يكون عطفا على خشية في موضع خفض. كَخَشْيَةِ على البيان. لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ الأصل «لما» حذفت الألف لأنها استفهام. لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ أي هلا ولا يليها إلّا الفعل. قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ابتداء وخبر وكذا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى أي اتّقى المعاصي.
[سورة النساء (٤) : آية ٧٨]
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨)(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٥٤١. [.....]
سبب نزول الآية ٧٧ من سورة النساء
من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي
قال الكلبي: نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ منهم: عبد الرحمن بن عَوْف، والمِقْدادُ بن الأسْود، وقُدَامَة بن مَظعُون وسعد بن أبي وقَّاص. كانوا يلقون من المشركين أذًى كثيراً، ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء، فيقول لهم: كفوا أيديدكم عنهم، فإني لم أومر بقتالهم. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين - كرهه بعضهم وشق عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد العدل، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال: أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدَّثنا محمد بن علي، قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا الحسين بن وَاقِد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس:
أن عبد الرحمن [بن عوف] وأصحاباً له أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة! فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم. فلما حوّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ﴾.
القراءات في الآية ٧٧ من سورة النساء
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
الْقِتَالَ لَوْلآ
إدغام اللام في اللام إدغاماً كبيراً
إظهار اللام الأولى مفتوحة
عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ
(عليهُمُ) بضم الهاء والميم
(عليهِمِ) بكسر الهاء والميم
(عليهِمُ) بكسر الهاء وضم الميم
قِيلَ لَهُمْ
بإشمام كسرة القاف ضما وإظهار اللام الأولى مفتوحة وإسكان الميم
بكسرة خالصة للقاف وإدغام اللام في اللام وإسكان الميم
بكسرة خالصة للقاف وإظهار اللام الأولى مفتوحة وإسكان الميم
بكسرة خالصة للقاف وإظهار اللام الأولى مفتوحة وصلة الميم
وَلاَ تُظْلَمُونَ
(تظلمون) بالتاء وترقيق اللام
(تظلمون) بالتاء وتغليظ اللام
(يظلمون) بالياء وترقيق اللام
الموضوعات القرآنية للآية ٧٧ من سورة النساء
١٧ موضوعًا تتناولها هذه الآية
- الآخرة خير
- الآخرة خير وأبقى
- الأمر بإقامتها
- الأمل فيما عند الله هو الأمل
- أفئدة المنافقين هواء
- الجهاد مختبر الإيمان وقوة العقيدة
- حقوق الآخرين في المال [حق الزكاة للطوائف المحددة فى الآية]
- الركن الثالث بعد الشهادة وإقام الصلاة
- الغُرور
- الفتيل
- في علاقتهم مع اللّه تعالى و آياته
- لا ظلم في الحساب
- لا يخشى الناس من يخشى الله
- متاع الدنيا قليل
- مقومات نجاح الأداء عند اللقاء [الشجاعة لا تنقص العمر والجبن لا يزيده]
- النظر في أحوال المنافقين
- النهي عن الاغترار بها
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
١٤ قولًاعن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾، قال: هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، ﴿فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ عن القتال، ... ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾، فإني لم أؤمر بقتالهم١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم﴾ الآية، قال: نهى الله هذه الأُمَّةَ أن يصنعوا صنيعهم١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿فلما كتب عليهم القتال﴾، قال: لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، ﴿فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾١
قال مقاتل بن سليمان: فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة أمر اللهُ عز وجل بالقتال، فكره بعضهم، فذلك قوله عز وجل: ﴿فلما كتب عليهم القتال﴾ يعني: فرض القتال بالمدينة ﴿إذا فريق منهم﴾ نزلت في طلحة بن عبيد الله ﴿يخشون الناس﴾ يعني: كفار مكة، ﴿كخشية الله﴾، فلا يقاتلونهم، ﴿أو أشد خشية وقالوا﴾ وهو الذي قال: ﴿ربنا لم كتبت علينا القتال﴾. يعني: لِمَ فرضت علينا القتال١٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿إلى أجل قريب﴾، قال: هو الموت١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لولا أخرتنا إلى أجل قريب﴾ هلا تركتنا حتى نموت موتًا، وعافَيْتَنا من القتل١
عن عبد الملك ابن جُرَيج -من طريق حجاج- ﴿إلى أجل قريب﴾، أي: إلى أن يموت موتًا هو الأجل القريب١٢
عن هشام، قال: قرأ الحسن البصري: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾، قال: رحم الله عبدًا صَحِبها على ذلك، ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام نَوْمَةً، فرأى في منامه بعضَ ما يُحِبُّ، ثم انتبه فلم ير شيئًا١
عن ميمون بن مهران -من طريق أبي المليح- قال: الدنيا قليل، وقد مضى أكثر القليل، وبقي قليل من قليل١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ تتمتعون فيها يسيرًا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قوله: ﴿لمن اتقى﴾، يقول: اتَّقى معاصي الله١
عن أبي العالية الرياحي -من طريق الربيع- أمّا قوله: ﴿لمن اتقى﴾ يقول: لمن اتقى فيما بقي١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والآخرة خير﴾ من الدنيا، يعني: الجنة أفضل من الدنيا ﴿لمن اتقى ولا تظلمون﴾ من أعمالكم الحسنة ﴿فتيلا﴾، يعني: الأبيض الذي يكون في وسط النواة حتى يُجازَوْا بها١
نزول الآية
٩ أقوالعن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- أنّ عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ، فقالوا: يا نبي الله، كُنّا في عِزٍّ ونحن مشركون، فلمّا آمنّا صرنا أذِلَّةً. فقال: «إنِّي أُمِرْت بالعفو، فلا تُقاتِلوا القوم». فلمّا حوَّله الله إلى المدينة أمره الله بالقتال، فكَفُّوا؛ فأنزل الله: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ الآية١
عن مجاهد بن جبر -من طريق شبل، عن ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ إلى قوله: ﴿لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾، قال: ما بين ذلك في يهود١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح- قوله: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾، قال: نزلت في يهود١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ قال: عن الناس، ﴿فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم﴾ نزلت في أناس من أصحاب رسول الله ﷺ١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: كان أناس من أصحاب النبي ﷺ -وهم يومئذ بمكة قبل الهجرة- يُسارعون إلى القتال، فقالوا للنبي ﷺ: ذرنا نتخذ معاول نقاتل بها المشركين. وذكر لنا: أنّ عبد الرحمن بن عوف كان فيمن قال ذلك، فنهاهم نبي الله ﷺ عن ذلك، قال: «لم أؤمر بذلك». فلما كانت الهجرة وأمروا بالقتال كره القوم ذلك، وصنعوا فيه ما تسمعون، قال الله تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا﴾١
عن إسماعيل السدي –من طريق أسباط-في الآية، قال: هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال١
قال محمد بن السائب الكلبي، في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ الآية: كانوا مع النبي ﷺ بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، وكانوا يلقون من المشركين أذًى كثيرًا، فقالوا: يا نبي الله، ألا تأذن لنا في قتال هؤلاء القوم؛ فإنّهم قد آذونا! فقال لهم رسول الله ﷺ: «كفوا أيديكم عنهم؛ فإني لم أؤمر بقتالهم». فلما هاجر رسول الله عليه السلام، وسار إلى بدر؛ عرفوا أنّه القتال، كرهوا أو بعضهم١
قال محمد بن السائب الكلبي، في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ الآية: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقدامة بن مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص، وجماعة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذًى كثيرًا قبل أن يهاجروا، ويقولون: يا رسول الله، ائذن لنا في قتالهم؛ فإنهم قد آذونا. فيقول لهم رسول الله ﷺ: «كُفُّوا أيديكم؛ فإني لم أؤمر بقتالهم»١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وهما من بني زهرة، وقدامة بن مظعون الجمحي، والمقداد بن الأسود الكندي، وذلك أنهم استأذنوا في قتال كفار مكة سِرًّا، مما كانوا يلقون منهم من الأذى، فقال النبي ﷺ: «مهلًا، كُفُّو أيديكم عن قتالهم». فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة أمر اللهُ عز وجل بالقتال، فكره بعضهم، فذلك قوله عز وجل: ﴿فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم﴾، نزلت في طلحة بن عبيد الله١٢
وقفات تدبرية في الآية ٧٧ من سورة النساء
٢١ وقفةً في هذه الآية
-
(قل متاع الدنيا قليل)) …لا يستحق أن تكون حزينًا أو قلقًا من أجله
— عبدالله بلقاسم
-
﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ بطولة المؤمن أن تأتي تصوراته عن الحياة الدنيا وفق وَصْفها في كتاب الله ﷻ
— نايف الفيصل
-
{قل متاع الدنيا قليل} إي وربي قليل لا بالنسبة لنوعه ولا لجنسه ولا لأمده ..النعيم الحق هناك يا صديقي .
— اشراقة آية
-
"قل متاع الدنيا قليل" لذات الدنيا مشوبة بأنواع التنغيص وزمانها منقضي، والآخرة دائمة النعيم وأهلها خالدون فإن فكر العاقل عرف الأحق بالإيثار . .
— تفسير السعدي
-
(قل متاع الدنيا قليل) الصبر الصبر يامن وُفق، ولا تغبطن من اتسع له أمر الدنيا، فإنك إذا تأملت تلك السعة رأيتها ضيقا في باب الدّين
— ابن الجوزي
-
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾.. كلها قليل ,و نصيبك من القليل قليل ,وصفاء قليل القليل من المنغصات أقل القليل .. إنها قليل من قليل من قليل من قليل.
— عبدالله بلقاسم
-
تطبيقات تدبرية سورة النساء أية 77
— فريد الانصاري
-
برنامج وقفة مع آية .. الزهد د صلاح باعثمان..سورة النساء آية 77
— د.صلاح باعثمان
-
— خالد السبت
-
(قل متاع الدنيا قليل ) يامن أشغلتك دنياك عن آخرتك هل أدركت أن متاعها قليل لاشي لاشي
— مجالس التدبر
-
{ قل متاع الدنيا قليل } إي وربي قليل، لا بالنسبة لنوعه ولا لجنسه ولا لأمده .. النعيم الحق هناك يا صديقي ..
— اشراقة آية
-
تذكر { ... مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ ...}.
— مجالس التدبر
و٩ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
فتاوى متعلقة بالآية ٧٧ من سورة النساء
فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية
ترجمات معاني الآية ٧٧ من سورة النساء
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(77) Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting][199] and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."
[199]- Before permission was given by Allāh.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا