التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( ٧٧ ) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ( ٧٨ ) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ( ٧٩ ) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ( ٨٠ )
والإِستفهام فى قوله - تعالى - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للتعجيب من حال أولئك الذين كانوا يظهرون التشوق إلى القتال فلما فرض عليهم جبنوا عنه.
وقوله ﴿كفوا أَيْدِيَكُمْ﴾ من الكف بمعنى الامتناع أى : امتنعوا عن مباشرة القتال إلى أن تؤمروا به.
والمعنى : ألم ينته علمك يا محمد أو ألم تنظر بعين الدهشة والغرابة إلى حال أولئك الذين كانوا يظهرون شدة الحماسة للقتال، فقيل لهم ﴿كفوا أَيْدِيَكُمْ﴾ أى : عن القتال لأنكم لم تؤمروا به بعد ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ فإن الصلاة تخلص النفس من أدران المآثم، وتجعلها تتجه إلى الله وحده ﴿وَآتُواْ الزكاة﴾ فإن الزكاة تظهر النفوس من الشح والبخل، وتربط بين الناس برباط المحبة والتعاون.
ثم بين - سبحانه - حالهم بعد أن فرض عليهم القتال فقال :﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾.
أى : فحين فرض عليهم القتال وأمروا بمباشرته بعد أن صارت للمسلمين دولة بالمدينة، حين حدث ذلك، إذا فريق منهم - وهم الذين قل إيمانهم، وضعف يقينهم، وارتابت قلوبهم - ﴿يَخْشَوْنَ الناس﴾ أى يخافونهم خوفا شديدا ﴿كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أى : يخافون من الكفار أن يقتلوهم كما يخافون من الله أن ينزل بهم بأسه، أو أشد من ذلك.
فالمراد بالناس فى قوله ﴿يَخْشَوْنَ الناس﴾ أولئك الأعداء الذين كتب الله على المؤمنين قتالهم.
وعبر عن هؤلاء الأعداء بقوله ﴿الناس﴾ زيادة فى توبيخ أولئك الذين خافوا منهم هذا الخوف الشديد، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقا، لاستقبلوا ما فرضه الله عليهم بالسمع والطاعة، ولما خافوا هذا الخوف الشديد من أناس مثلهم.
وقوله ﴿كَخَشْيَةِ الله﴾ مفعول مطلق، أي يخشونهم خشية كخشية الله.
وهو بيان لشدة خورهم وهلعهم، ولفساد تفكيرهم، حيث جعلوا خشيتهم للناس فى مقابل خشيتهم لله، الذى يجب أن تكون خشيته - سبحانه - فوق كل خشية.
وقوله ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ معطوف على ما قبله. وأشد حال من خشية لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالا.
وفى هذه الجملة الكريمة زيادة فى توبيخهم وذمهم ؛ وترق فى توضيح حالتهم القبيحة، لأنه إذا كان من المقرر أنه لا يجوز للعاقل ان يجعل خشيته للناس كخشيته لله، فمن باب أولى لا يجوز له أن يجعل خشيته للناس أشد من خشيته لله - تعالى -.
قال الفخر الرازى ما ملخصه : فإن قيل : ظاهر ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ يوهم الشك. وذلك على علام الغيوب محال. أجيب بأن ﴿أَوْ﴾ بمعنى بل. أو هى للتنويع. على معنى أن خشية بعضهم كخشية الله وخشية بعضهم أشد منها أو هى للإِبهام على السامع. على معنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة.
وهو قريب مما فى قوله - تعالى - :﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ يعنى أن من يبصرهم يقول : أنهم مائة ألف أو يزيدون.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله أولئك الضعفاء عندما فرض عليهم القتال فقال :﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾.
أى : أن هؤلاء الضعفاء لم يكتفوا بما اعتراهم من فزع وجزع عندما كتب عليهم القتال وإنما أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل الضجر والألم : يا ربنا لم كتبت علينا القتال فى هذا الوقت ﴿لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أى : هلا عافيتنا وتركتنا حتى نموت موتة لا قتال معها عند حضور آجالنا، دون أن نتعرض لهذا التكليف الثقيل المخيف.
وهكذا يصور القرآن تخبط هؤلاء الضعفاء أكمل تصوير. إنهم قبل أن يفرض القتال يظهرون التحمس له، والتشوق لخوض معا معه، فإذا ما فرض عليهم القتال فزعوا وارتعدوا وقالوا ما قالوا من ضلال بضيق وهلع.
ويبدو أن هذه طبيعة أكثر المتهورين فى كل وقت، إنهم قبل أن يجد الجد أشد الناس حماسة للقاء الأعداء، فإذا ماجد الجد ووقعت الواقعة كانوا أول الفارين، وأول الناكصين على أعقابهم.
وذلك لأن الشجعان العقلاء لا يتمنون لقاء الأعداء، ولا ينشئون القتال إنشاء، وإنما يقدرون الأمور حق قدرها، ويضعون الأشياء فى مواضعها، فإذا ما اقتضت الضرورة خوض معركة من المعارك ثبتوا ثبات الأبطال.
أما المندفعون بدون إيمان يدفعهم، أو عقل يرشدهم، فإنهم لعدم تقديرهم للأمور يكونون فى ساعة الشدة أول الناس جزعا ونكولا وانهيارا.
ولكن من هؤلاء الذين تحدثت عنهم الآية الكريمة ووصفتهم بأنهم حين كتب عليهم القتال ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ؟ ! !
إن الذى يراجع أقوال المفسرين يرى أن بعضهم يميل إلى أن الآية الكريمة فى شأن المؤمنين، ويرى أن بعضهم يرجع أنها فى شأن المنافقين، وقد لخص الإِمام الرازى هذه الأقوال تلخيصا حسنا فقال :
" هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين ؟ فيه قولان :
الأول : أن الآية نزلت فى المؤمنين. قال الكلبى : نزلت فى عبد الرحمن بن عوف، والمقداد، وقدامة بن مظعون، وسعد بن أبى وقاص. كانوا مع النبى ﷺ قبل أن يهاجروا إلى المدينة، ويلقون من المشركين أذى شديدا، فيشكون ذلك إلى النبى ﷺ ويقولون : ائذن لنا فى قتالهم ويقول لهم الرسول ﷺ كفوا أيديكم فإنى لم أومر بقتالهم، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة كرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية.
ثم قال : واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم : كفوا عن القتال هم الراغبون فى القتال ؛ والراغبون فى القتال هم المؤمنون، فدل هذا على أن الآية فى حق المؤمنين.
. وأن كراهتهم للقتال إنما هى بمقتضى الجبلة البشرية... وقولهم ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال﴾ محمول على التمنى فى التخفيف للتكليف لا على وجه الإِنكار لإِيجاب الله تعالى.
ثم قال : والقول الثانى : أن الآية نازلة فى حق المنافقين. واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين، لأن الله وصفهم بأنهم ﴿يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافقين، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله - تعالى - ولأنه - سبحانه - حكى عنهم أنهم قالوا : ربنا لما كتبت علينا القتال، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار أو المنافقين، ولأن الله قال للرسول :﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لِّمَنِ اتقى﴾ وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته فى الدنيا أكثر من رغبته فى الآخرة، وذلك من صفات المنافقين ثم قال : والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه - سبحانه - ذكر بعد هذه الآية قوله :﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ﴾ ولا شك أن هذا من كلام المنافقين، فإذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التى نحن فى تفسيرها ثم المعطوف فى المنافقين، وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا.
ونحن نوافق الإِمام الرازى فيما ذهب إليه من حمل الآية الكريمة على أنها فى المنافقين هو الأولى للأسباب التى ذكرها.
ونضيف إلى ما ذكره الإِمام الرازى أن المتأمل فى سياق الآيات السابقة واللاحقة يراها واضحة فى شأن النافقين، ومن هم على شاكلتهم من ضعاف الايمان، الذين أدى بهم ضعف نفوسهم، وحبهم للدنيا إلى كراهة القتال، والخوف من تكاليفه....
فأنت إذا قرأت الآيات التى قبيل هذه الآية تراها تتحدث عن إرادة تحاكمهم إلى الطاغوت مع زعمهم الايمان بما أنزل إلى الرسول ﷺ وبما أنزل على الرسل من قبله. وتراها تتحدث عن تباطئهم عن القتال وفرحهم لنجاتهم من مخاطره.
ثم إذا قرأت الآيات التى ستأتى بعد هذه الآية تراها تتحدث عن نسبتهم الحسنة إلى الله، ونسبتهم السيئة إلى رسوله ﷺ وعن إذاعتهم لأسرار المؤمنين.. ألخ، فثبت أن الآية الكريمة تتحدث عن صفات المنافقين، وعمن هم قريبو الشبه بهم من ضعاف الايمان الذين أخلدوا إلى الراحة. وأثروا القعود فى بيوتهم على القتال من أجل إعلاء كلمة الله، ودفع الظلم عن المظلومين.
ونضيف أيضا أن القول الأول - الذى ذكره الإِمام الرازى وهو أن الآية نزلت فى المؤمنين - غير صحيح لأسباب من أهمها :
١- أن الرواية التى ذكرها الامام الرازى نقلا عن الكلبى وهى أن الآية نزلت فى عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون.
. الخ الرواية يبدو عليها الضعف، لأنها لم ترد فى كتب الحديث الموثوق بها، ولأن الكبلى نفسه قد عرف عنه عدم التثبت فى النقل. ولقد علق الإِمام الشيخ محمد عبده على هذه الرواية بقوله : " إننى أجزم ببطلان هذه الرواية مهما كان سندها، لأننى أبرئ السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن مما رموا به. وهذه الآية متصلة بما قبلها، فإن الله - تعالى - أمر بأخذ الحذر والإِستعداد للقتال، والنفر له، وذكر حال المطبئين لضعف قلوبهم. وبعد هجرة النبى ﷺ إلى المدينة أمر الإسلام أتباعه بالسلم وتهذيب النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال.. إلى أن اشتدت الحاجة إليه ففرضه الله عليهم فكرهه الضعفاء منهم.
٢- أن المؤمنين لم يعهد عنهم ما ذكرت الآية من خوف من القتال، ومن تمن لعدم حضوره، وإنما المعهود عنهم أنهم كانوا يبادرون إليه كلما اقتضت الضرورة ويتسابقون لخوض ساحته دفاعا عن دينهم، وانتصارا ممن بغى عليهم.
ولقد قال المقداد بن عمرو للرسول صلى الله عليه سولم. فى غزوة بدر يا رسول الله، إمض لما أمرك الله فنحن معك. والله لا ن

تفسير هذه الآية من كتب أخرى