جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿أينما تَكُونُواْ يُدْرِككّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مّشَيّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هََذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هََذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلّ مّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لهؤلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : حيثما تكونوا ينلكم الموت فتموتوا، ﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ﴾ يقول : لا تجزعوا من الموت ولا تهربوا من القتال وتضعفوا عن لقاء عدوّكم حذرا على أنفسكم من القتل والموت، فإن الموت بإزائكم أين كنتم، وواصل إلى أنفسكم حيث كنتم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله :﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ﴾ فقال بعضهم : يُعْنَى به : قصور محصنة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ﴾ يقول : في قصور محصنة.
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال : حدثنا أبو همام، قال : حدثنا كثير أبو الفضل، عن مجاهد، قال : كان فيمن قبلكم امرأة، وكان لها أجير، فولدت جارية فقالت لأجيرها : اقتبس لنا نارا ! فخرج فوجد بالباب رجلاً، فقال له الرجل : ما ولدت هذه المرأة ؟ قال : جارية، قال : أما إن هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة، ويتزوّجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. قال : فقال الأجير في نفسه : فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة. فأخذ شفرة فدخل، فشقّ بطن الصبية. وعولجت فبرئت، فشبت، وكانت تبغي، فأتت ساحلاً من سواحل البحر، فأقامت عليه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل : أبغيني امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوّجها ! فقالت : ههنا امرأة من أجمل الناس، ولكنها تبغي. قال : ائتِني بها ! فأتتها فقالت : قد قدم رجل له مال كثير، وقد قال لي كذا، فقلت له كذا. فقالت : إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوّجته. قال : فتزوّجها، فوقعت منه موقعا، فبينا هو يوما عندها، إذ أخبرها بأمره، فقالت : أنا تلك الجارية وأرته الشقّ في بطنها وقد كنت أبغي، فما أدري بمائة أو أقلّ أو أكثر¹ قال : فإنه قال لي : يكون موتها بالعنكبوت. قال : فبني لها برجا بالصحراء وشيده. فبينما هما يوما في ذلك البرج، إذا عنكبوت في السقف فقالت : هذا يقتلني ؟ لا يقتله أحد غيري ! فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته، وساح سمه بين ظفرها واللحم، فاسودّت رجلها فماتت، فنزلت هذه الآية :﴿إيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ﴾ قال : قصور مشيدة.
وقال آخرون : معنى ذلك : قصور بأعيانها في السماء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿إيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ﴾ وهي قصور بيض في سماء الدنيا مبنية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سعد، قال : أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع في قوله :﴿إيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ﴾ يقول : ولو كنتم في قصور في السماء.
واختلف أهل العربية في معنى المشيدة، فقال بعض أهل البصرة منهم : المشيدة : الطويلة. قال : وأما المَشيد بالتخفيف، فإنه المزين.
وقال آخرون منهم نحو ذلك القول، غير أنه قال : المَشيد بالتخفيف : المعمول بالشّيد، والشّيد : الجصّ. وقال بعض أهل الكوفة : المَشِيد والمُشيّد أصلهما واحد، غير أن ما شدّد منه فإنما يشدّد لتردد الفعل فيه في جمع مثل قولهم : هذه ثياب مصبغة، وغنم مذبحة، فشدد لأنها جمع يفرّق فيها الفعل، وكذلك مثله قصور مُشيّدة، لأن القصور كثيرة تردّد فيها التشييد، ولذلك قيل : بروج مشيدة، ومنه قوله :﴿وَغَلّقَتِ الأبْوَابَ﴾ وكما يقال : كسّرت العود : إذا جعلته قطعا، أي قطعة بعد قطعة. وقد يجوز في ذلك التخفيف، فإذا أفرد من ذلك الواحد، فكان الفعل يتردّد فيه ويكثر تردّده في جمع منه، جاز التشديد عندهم والتخفيف، فيقال منه : هذا ثوب مخّرق وجلد مقطّع، لتردّد الفعل فيه وكثرته بالقطع والخرق. وإن كان الفعل لا يكثر فيه ولا يتردّد لم يجيزوه إلا بالتخفيف، وذلك نحو قولهم : رأيت كبشا مذبوحا، ولا يجيزون فيه «مذبّحا »، لأن الذبح لا يتردّد فيه تردّد التخرّق في الثوب. وقالوا : فلهذا قيل : قصر مَشيد، لأنه واحد، فجعل بمنزلة قولهم : كبش مذبوح. وقالوا : جائز في القصر أن يقال قصر مُشيّد بالتشديد، لتردّد البناء فيه والتشييد، ولا يجوز ذلك في «كبش مذبوح » لما ذكرنا.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَإنْ تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عْنِدِكَ﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿وَإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ : وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة يقولوا هذه من عند الله، يعني : من قِبَل الله ومن تقديره، وإنْ تصبهم سيئة، يقول : وإن تنلهم شدّة من عيش وهزيمة من عدوّ وجراح وألم، يقولوا لك يا محمد : هذه من عندك بخطئك التدبير. وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوا أيْدِيَكُمْ﴾.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر قالا : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله :﴿وَإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَإنْ تُصبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ قال : هذه في السرّاء والضرّاء.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَإنْ تُصبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ فقرأ حتى بلغ :﴿وأرْسَلْناكَ للنّاسِ رَسُولاً﴾ قال : إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب. فقرأ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعا﴾ فقرأ حتى بلغ :﴿وَإنْ تُصبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ﴾ من عند محمد عليه الصلاة والسلام، أساء التدبير وأساء النظر، ما أحسن التدبير ولا النظر.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ قل يا محمد لهؤلاء القائلين إذا أصابتهم حسنة هذه من عند الله، وإذا أصابتهم سيئة هذه من عندك : كل ذلك من عند الله دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدّة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده القتل والهزيمة. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة :﴿قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ النعم والمصائب.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :﴿قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ النصر والهزيمة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثا﴾ يقول : الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثا﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ﴾ فما شأن هؤلاء القوم الذين إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثا﴾ يقول : لا يكادون يعلمون حقيقة ما تخبرهم به من أن كلّ ما أصابهم من خير أو شرّ أو ضرّ وشدة أو رخاء، فمن عند الله، لا يقدر على ذلك غيره، ولا يصيب أحدا سيئة إلا بتقديره، ولا ينال رخاء ونعمة إلا بمشيئته. وهذا إعلام من الله عباده أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئا منها أحد غيره.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾
قل أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله"، وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة (٢) ="يقولوا هذه من عند الله"، يعني: من قبل الله ومن تقديره (٣) ="وإن تصبهم سيئة"، يقول: وإن تنلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم، (٤) = يقولوا لك يا محمد: ="هذه من عندك"، بخطئك التدبير.
وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ).
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
٩٩٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر قالا حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:
(٢) انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف: ٥١٤، ٥٣٨
وانظر تفسير"الحسنة" فيما سلف ٤: ٢٠٣-٢٠٦.
(٣) انظر تفسير"عند" فيما سلف: ٢: ٥٠٠ / ٧: ٤٩٠، ٤٩٥.
(٤) انظر تفسير"سيئة" فيما سلف: ٢: ٢٨١، ٢٨٢، / ٧: ٤٨٢، ٤٩٠ / ٨: ٢٥٤.
٩٩٦٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله.
٩٩٦٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك" فقرأ حتى بلغ:"وأرسلناك للناس رسولا"، قال: إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب. فقرأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) فقرأ حتى بلغ:"وإن تصبهم سيئة"، يقولوا:"هذه من عند محمد عليه السلام، أساء التدبير وأساء النظر! ما أحسن التدبير ولا النظر".
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"قل كل من عند الله"، قل، يا محمد، لهؤلاء القائلين إذا أصابتهم حسنة:"هذه من عند الله"، وإذا أصابتهم سيئة:"هذه من عندك": = كل ذلك من عند الله، دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده الفَلُّ والهزيمة، (٢) كما:-
٩٩٦٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن
(٢) في المطبوعة: "القتل والهزيمة"، وفي المخطوطة: "العال والهزيمة" غير منقوطة، ورجحت أن صوابها"الفل"، من قولهم: "فل القوم يفلهم فلا.": هزمهم وكسرهم.
٩٩٦٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"كل من عند الله"، النصر والهزيمة.
٩٩٦٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا"، يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فمال هؤلاء القوم"، (١) فما شأن هؤلاء القوم الذين إن تصبهم حسنة يقولوا:"هذه من عند الله"، وإن تصبهم سيئة يقولوا:"هذه من عندك" ="لا يكادون يفقهون حديثًا"، يقول: لا يكادون يعلمون حقيقة ما تخبرهم به، من أن كل ما أصابهم من خير أو شر، أو ضرّ وشدة ورخاء، فمن عند الله، لا يقدر على ذلك غيره، ولا يصيب أحدًا سيئة إلا بتقديره، ولا ينال رخاءً ونعمة إلا بمشيئته.
وهذا إعلام من الله عبادَه أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئًا منها أحد غيره.
* * *