اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
وهذا نوع آخر من أعْمَال المُنَافِقِين الفَاسِدة، وذَلِك أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَبْعَث السَّرايا فإذا غَلَبُوا أو غَُلِبُوا بَادَرَ(١) المُنَافِقون يستَخْبِرُونَ عن حَالِهِم، فَيُفْشُون ويُحَدِّثُون به قَبْل أنْ يُحْدِّثَ به رسُول الله ﷺ فَيُضْعِفُون به قُلُوبَ المُؤمِنين، فأنْزَل الله - تعالى - ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ﴾ يعني : المُنَافِقِين " أمر من الأمن " أي : الفَتْح والغَنِيمَة " أو الخوف " أي : القتل(٢) والهزيمَة " أذاعوا به " أشاعُوه وأفشوْه، وذلك سَبَبٌ للضَّرر من وُجُوهٍ :
أحدها : أن مِثْل هذه الإرْجَافَات لا تنفَكُّ عن الكَذِب.
وثانيها : إن كان ذلك الخَبَر من جَانِبِ الأمْن زَادُوا(٣) فيه زِيَادات كَثِيرة، [ فإذا لَمْ تُوجد تلك الزَّيَادات، أوْرَث ذلك شُبْهَة للضُّعَفَاءِ في صدق الرَّسول - عليه السلام- ](٤) ؛ لأن المنافِقِين كانوا يروون(٥) تلك الإرْجَافَات عن الرسُول، وإن كان ذَلِك الخَبَر خَوْفاً، تشوَّشَ الأمر على ضُعَفَاء المُسْلِمين بسبَبِه، ووقعوا في الحَيْرَة والاضْطراب، فكان ذلك سَبَباً للفِتْنَة.
وثالثها : أن العَداوَة الشَّدِيدة كانت قَائِمَةً بين المُسْلِمين وبين الكُفَّار، فكان(٦) كلّ وَاحِد من الفريقين مُجدًّا في إعْداد آلات الحَرْب وانْتِهَاز الفُرْصَة، فكل ما كان [ أمْناً ](٧) لأحد الفَرِيقَيْن، كان خَوْفاً للفَريقِ الثَّانِي، وإن [ وقع خَبر الأمْن للمُسْلِمين، أرجَفَ بذلك المُنَافِقُون، فوصل الخَبَر في أسْرَع مُدَّة إلى الكُفَّار ؛ فاحترزوا وتحصَّنُوا من المُسْلمين، وإن ](٨) وَقَعَ خبر الخَوْف للمُسْلِمِين بالَغوا في ذلك وزادوا فيه، وألْقوا الرُّعب في قُلُوب الضَّعْفَة، فظهر أن الإرْجَافَ مَنْشَأ الفِتَنِ والآفَاتِ(٩).
قوله :﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ : جواب إذا، وعَيْنُ أذَاعَ ياء ؛ لقولهم : ذاع الشَّيء يذِيع، ويُقال : أذاع الشَّيْء، أيضاً بمعنى المُجَرَّد، ويكونُ متعدِّياً بنفسه وبالبَاءِ، وعليه الآيةُ الكريمة، وقيل : ضَمَّن " أذاع " مَعْنَى " تَحَدَّثَ " فعدَّاه تعديتَه، أي : تحدَّثوا به مُذيعين له، والإذاعة : الإشاعةُ، قال أبو الأسْوَد :[ الطويل ]
والضَّمِيرُ في " به " يجُوزُ أن يعودَ على الأمْر، وأن يعُودَ على الأمن أو الخَوْفِ ؛ لأنَّ العَطْفَ ب " أو " والضَّميرُ في " رَدُّوهُ " للأمْر.
قوله :" لو ردوه " أي الأمْر، " إلى الرسول " أي :[ لَمْ ](١١) يحدِّثوا به حَتَّى يكُون النَّبي(١٢) ﷺ هو الذِي يُحدِّث به، و " إلى أولي الأمر [ منهم ](١٣) " أي : ذَوِي الرأي(١٤) من الصَّحَابة ؛ مثل أبي بكْر وعُمر وعُثْمَان وعلي، وقيل : أمَرَاء السَّرَايا ؛ لأنَّهم الَّذِين لَهُم أمر على النَّاسِ، وأهل العِلْم لَيْسوا كذلِك.
وأجيب عن هَذَا : بأن العُلَمَاء يجبُ على غَيْرِهم قُبُول قولِهِم ؛ لقوله - تعالى - :
﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فأوجب الحَذَر بإنْذَارِهِم، وألزَم المُنْذرين قُبُول قولهم، فجاز لهذا المَعْنَى إطْلاق اسم أولي الأمْرِ عَلَيهم.
قوله :﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي : يستخْرِجُونه، وهُم العُلَماء عَلِمُوا ما يَنْبَغِي أنْ يُكْتَم، وما يَنْبَغِي أن يُفْشَى، والاستِنْبَاط في اللُّغَةِ : الاستِخْراج، وكذا " الإنباط " يقال : استَنْبَطَ الفَقِيهُ : إذا استَخْرَجَ الفِقْهَ البَاطِنَ باجْتِهَادِهِ وفهمه، وأصله من النّبط وهو الماءُ الذي يَخْرج من البَئْرِ أوّلَ حَفْرها قال :[ الطويل ]
ويقال : نَبَطَ المَاءُ يَنْبطُ بفتحِ البَاءِ وضمها.
والنبط أيضاً : جِيلٌ من الناس سُمُّوا بذلك ؛ لأنهم يستخرجون المياه والنبات. ويقال في الرَّجُل الذي يكُونَ بعيد العِزِّ والمنعة :" ما يجِدُ عَدُوُّه لَهُ نَبَطاً ". قال كَعْبٌ :[ الطويل ]
و " منهم " حَالٌ : إمَّا من الَّذِين، أو من الضَّمير في " يَسْتَنْبِطُونه " فيتعلق بمَحْذُوفٍ.
وقرأ أبو السَّمال(١٧) :" لَعَلْمه " بسُكُون اللام، قال ابن عَطِيَّة(١٨) : هو كتَسْكِين ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] وليس مِثْله ؛ لأنَّ تسْكِين فعل بكَسْر العين مَقِيسٌ، وتسكينَ مَفْتُوحها شاذٌّ ؛ ومثلُ تسكين " لَعَلْمَهُ " قوله :[ الطويل ]
أي : دَبِرت، فِسَكَّن.
[ قيل المراد ب " يستنبطونه " : يَسْتَخْرِجونَهُ، وقال عِكْرمة : يَحْرِصُون عليه(٢٠) ويسألون عنه ](٢١)، وقال الضَّحَّاك : يتتبّعونه(٢٢)، يريد : الذين سَمِعُوا تلك الأخْبَار من المُؤمنين والمُنَافِقين، لو رَدُّوه(٢٣) إلى الرَّسُول ﷺ وإلى ذَوِي الرَّأي والعِلْم، لعلمه الذين يَسْتَنْبِطُونه، أي : يُحِبون أي يَعْلَمُوه على حَقِيقَتِهِ كما هُو.
وقيل : المُراد ب " الذين يستنبوطه " أولئك المُنَافِقُون المُذِيعُونَ، والتقدير : ولو أن هؤلاء المُنَافِقِين المُذِيعِينَ رَدُّوا أمر الأمْنِ والخَوْف إلى الرَّسُول وإلى أولي الأمْر، وطلبوا مَعْرِفَة الحَالِ [ فيه ](٢٤) من جهتِهِم، لعلمه الَّذين يستَنْبِطُونه مِنْهُم و [ هم ](٢٥) هؤلاء المُنَافِقُون المُذِيعُون منهم، أي : من جَانب الرَّسُول، ومن جَانب أولي الأمْر [ منهم ](٢٦).
فإن قِيلَ : إذا كَان الَّذين أمَرَهُم الله - تعالى - برد هذه الأخْبَارِ إلى الرَّسُول وإلى أولي [ الأمر مِنْهُم وهم المُنَافِقُون، فكَيف جَعَل أولي الأمْر منهم في قوله :﴿وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾.
الجواب : إنما جَعَل أولي ](٢٧) الأمْر مِنْهُم على حَسَب الظَّاهِر ؛ لأن المُنَافِقين يظْهِرُون من أنْفسهم أنَّهم مؤمِنُون، ونَظِيرُه :﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ وقوله :﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦].
قوله :﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾
قال أبو العَباس [ المُقْرِئ ](٢٨) : وَرَدَت(٢٩) الرَّحْمَة [ في القُرْآن ](٣٠) عَلَى سَبْعَة أوجه :
الأوّل : القُرْآن، قال - تعالى - :﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أراد بالفَضْلِ الإسْلام(٣١)، وبالرَّحْمَة القُرْآن.
الثاني : بمعنى الإسْلام ؛ قال - تعالى - :﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] أي : في الإسلام [ ومثله ﴿وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨] أي : في دين الإسلام ](٣٢).
الثالث :[ بمعنى ](٣٣) : الجنة ؛ قال - تعالى - :﴿أُوْلَئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] أي : من جَنَّتِي.
الرَّابع : المَطَر ؛ قال - تعالى - :﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾
[الأعراف: ٥٧].
الخامس : النِّعمة ؛ قال - تعالى - :﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾.
السادس : النبوة ؛ قال - تعالى - :﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، أي : النُّبُوَّة.
السابع : الرِّزْق ؛ قال - تعالى - :﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] : من الرِّزْقِ ؛ ومثله ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ أي : رِزْقاً.
اعلم : أن ظَاهِر هذا الاسْتِثْنَاء يوهِمُ أنَّ ذلك القليل وَقَع لا بِفَضْل الله ولا بِرَحْمَتِه، وذلك محال.
قوله :" إلا قليلاً " ذكر المفسَِّرُونَ فيها عشرة أوجه :
الأول : قال بعضهم : إنه مُسْتَثْنَى من فَاعِل " اتبعتم " أي : لاتَّبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم، فإنه لم يتَّبع الشَّيْطَان، على تقدِير كَوْن فَضْل الله لم يأته، ويكونُ أرادَ بفضل الله الإسلام وإرسَالَ محمَّد ﷺ، ويكون قوله :﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ كلام تامٌّ، [ وذلك القَلِيلُ ؛ كقِسٍّ بن سَاعِدة الإيَادِي، وزَيْد بن عَمْرو بن نُفَيْل، وورقة بن نوفل، وجماعة سِوَاهم مِمَّن كان على دِين المَسِيحِ قَبل بَعْثَةِ الرسول ].
وقال أبو مُسِلم(٣٤) : المراد بِفَضْل اللَّه ورحمته في هذه الآية : هو نُصْرتهُ ومعُونتهُ اللَّذان تمنَّاهُما المُنَافِقُون ؛ بقولهم :﴿فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [النساء: ٧٣] بيَّن - تعالى - أنَّه لولا حُصُول النَّصْر والظّفَرِ على سبيل التَّتَابُع، لاتَّبَعْتُم الشَّيْطَان وتركتم الدين إلاَّ قليلاً مِنْكُم، وهم أهْل البَصَائِر النَّافِذة، والنِّيَّات القويَّة(٣٥)، والعَزَائم المُتَمكِّنَةِ من أفَاضِل المُؤمِنِين، الذين يَعْلَمُون أنه لَيْس من شَرْطِ كونه حَقّاً هو الدَّوْلَة في الدُّنْيَا، فلأجل تَوَاتُر الفَتْح(٣٦) والظَّفر في الدُّنْيَا يدل على كَوْنه حَقاً ؛ ولأجل تواتر الهَزِيمَة والانكِسَار يدلُّ على كونه بَاطِلاً، بل الأمْر في كونه حَقاً وباطلاً على الدَّلِيل، وهو أحْسَن الوُجُوه.
[ وقيل : المُرَادُ مَنْ مَنْ لم يَبْلغ التكْلِيف، وعلى ذها التَّأويل قيل : فالاستثْنَاء مُنْقَطِع ؛ لأن المُسْتَثْنَى لم يَدْخُل تحت الخِطَاب، وفيه نظر يظهر في الوَجْهِ العَاشِر.
الثاني : أنه مُسْتَثْنى من فَاعِل " أذاعوا " أي : أظْهَرُوا أمرَ الأمْن أو الخَوْف إلا قَليلاً فأخرج بعض المُنَاقِقِين من هَذِه الإذاعَة.
الثالث : أنه مُسْتَثْنى من فَاعِل " عَلِمه " أي : لعلمه المُسْتَنْبِطُون منهم إلا قَلِيلاً ].
قال الفرَّاء والمبرد(٣٧) :[ وأما ](٣٨) القَوْل بأنَّه مستَثْنى من فاعل " أذاعوا " أوْلى من هَذَا ؛ لأن ما يُعْلَم بالاسْتِنْبَاطِ ؛ فالأقلُّ(٣٩) يعلمُه والأكْثَر يجهله، وصرف الاسْتِِثْنَاء إلى المسْتَنْبِطِين يَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِك.
قال الزَّجَّاج(٤٠) : هذا غَلَطٌ ؛ لأنه لَيْسَ المراد من هَذَا الاستِثْنَاء(٤١) شيئاً يَسْتَخْرِجُه بنظر دَقيق وفكْرٍ غَامِضٍ، إنما هو استِنْبَاط خَبَر، وإذا كَانَ كَذَلِك فالأكثرون يَعْرِفُونه إنَّما البالغ في البَلاَدة والجَهَالة هُو الَّذي لا يَعْرِفُه، ويمكن أن يُقَال : كلام الزَّجَّاج إنما يَصِحُّ لو حَمَلْنا الاستِنْبَاطَ(٤٢) على مُجَرَّد تعرُّف الأخْبَارِ والأرَاجِيف، [ أمَّا ](٤٣) إذا حملناه على الاستِ
أحدها : أن مِثْل هذه الإرْجَافَات لا تنفَكُّ عن الكَذِب.
وثانيها : إن كان ذلك الخَبَر من جَانِبِ الأمْن زَادُوا(٣) فيه زِيَادات كَثِيرة، [ فإذا لَمْ تُوجد تلك الزَّيَادات، أوْرَث ذلك شُبْهَة للضُّعَفَاءِ في صدق الرَّسول - عليه السلام- ](٤) ؛ لأن المنافِقِين كانوا يروون(٥) تلك الإرْجَافَات عن الرسُول، وإن كان ذَلِك الخَبَر خَوْفاً، تشوَّشَ الأمر على ضُعَفَاء المُسْلِمين بسبَبِه، ووقعوا في الحَيْرَة والاضْطراب، فكان ذلك سَبَباً للفِتْنَة.
وثالثها : أن العَداوَة الشَّدِيدة كانت قَائِمَةً بين المُسْلِمين وبين الكُفَّار، فكان(٦) كلّ وَاحِد من الفريقين مُجدًّا في إعْداد آلات الحَرْب وانْتِهَاز الفُرْصَة، فكل ما كان [ أمْناً ](٧) لأحد الفَرِيقَيْن، كان خَوْفاً للفَريقِ الثَّانِي، وإن [ وقع خَبر الأمْن للمُسْلِمين، أرجَفَ بذلك المُنَافِقُون، فوصل الخَبَر في أسْرَع مُدَّة إلى الكُفَّار ؛ فاحترزوا وتحصَّنُوا من المُسْلمين، وإن ](٨) وَقَعَ خبر الخَوْف للمُسْلِمِين بالَغوا في ذلك وزادوا فيه، وألْقوا الرُّعب في قُلُوب الضَّعْفَة، فظهر أن الإرْجَافَ مَنْشَأ الفِتَنِ والآفَاتِ(٩).
قوله :﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ : جواب إذا، وعَيْنُ أذَاعَ ياء ؛ لقولهم : ذاع الشَّيء يذِيع، ويُقال : أذاع الشَّيْء، أيضاً بمعنى المُجَرَّد، ويكونُ متعدِّياً بنفسه وبالبَاءِ، وعليه الآيةُ الكريمة، وقيل : ضَمَّن " أذاع " مَعْنَى " تَحَدَّثَ " فعدَّاه تعديتَه، أي : تحدَّثوا به مُذيعين له، والإذاعة : الإشاعةُ، قال أبو الأسْوَد :[ الطويل ]
| ب- أذَاعُوا بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأنَّهُ | بِعَلْيَاءَ نَارٌ أوقِدَتْ بِثُقُوبِ(١٠) |
قوله :" لو ردوه " أي الأمْر، " إلى الرسول " أي :[ لَمْ ](١١) يحدِّثوا به حَتَّى يكُون النَّبي(١٢) ﷺ هو الذِي يُحدِّث به، و " إلى أولي الأمر [ منهم ](١٣) " أي : ذَوِي الرأي(١٤) من الصَّحَابة ؛ مثل أبي بكْر وعُمر وعُثْمَان وعلي، وقيل : أمَرَاء السَّرَايا ؛ لأنَّهم الَّذِين لَهُم أمر على النَّاسِ، وأهل العِلْم لَيْسوا كذلِك.
وأجيب عن هَذَا : بأن العُلَمَاء يجبُ على غَيْرِهم قُبُول قولِهِم ؛ لقوله - تعالى - :
﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فأوجب الحَذَر بإنْذَارِهِم، وألزَم المُنْذرين قُبُول قولهم، فجاز لهذا المَعْنَى إطْلاق اسم أولي الأمْرِ عَلَيهم.
قوله :﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي : يستخْرِجُونه، وهُم العُلَماء عَلِمُوا ما يَنْبَغِي أنْ يُكْتَم، وما يَنْبَغِي أن يُفْشَى، والاستِنْبَاط في اللُّغَةِ : الاستِخْراج، وكذا " الإنباط " يقال : استَنْبَطَ الفَقِيهُ : إذا استَخْرَجَ الفِقْهَ البَاطِنَ باجْتِهَادِهِ وفهمه، وأصله من النّبط وهو الماءُ الذي يَخْرج من البَئْرِ أوّلَ حَفْرها قال :[ الطويل ]
| نَعَمْ صَادِقاً والفَاعِلُ القَائِلُ الذي | إذَا قَالَ قَوْلاً أنْبَطَ المَاءَ في الثَّرَى(١٥) |
والنبط أيضاً : جِيلٌ من الناس سُمُّوا بذلك ؛ لأنهم يستخرجون المياه والنبات. ويقال في الرَّجُل الذي يكُونَ بعيد العِزِّ والمنعة :" ما يجِدُ عَدُوُّه لَهُ نَبَطاً ". قال كَعْبٌ :[ الطويل ]
| قَرِيبٌ ثَرَاهُ مَا يَنَالُ عَدُوُّهُ | لَهُ نَبَطاً، آبِي الْهَوَانِ قَطُوبُ(١٦) |
وقرأ أبو السَّمال(١٧) :" لَعَلْمه " بسُكُون اللام، قال ابن عَطِيَّة(١٨) : هو كتَسْكِين ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] وليس مِثْله ؛ لأنَّ تسْكِين فعل بكَسْر العين مَقِيسٌ، وتسكينَ مَفْتُوحها شاذٌّ ؛ ومثلُ تسكين " لَعَلْمَهُ " قوله :[ الطويل ]
| فَإنْ تَبْلُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ | مِنَ الأدمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وغَارِبُهْ(١٩) |
فصل معنى " يستنبطونه "
[ قيل المراد ب " يستنبطونه " : يَسْتَخْرِجونَهُ، وقال عِكْرمة : يَحْرِصُون عليه(٢٠) ويسألون عنه ](٢١)، وقال الضَّحَّاك : يتتبّعونه(٢٢)، يريد : الذين سَمِعُوا تلك الأخْبَار من المُؤمنين والمُنَافِقين، لو رَدُّوه(٢٣) إلى الرَّسُول ﷺ وإلى ذَوِي الرَّأي والعِلْم، لعلمه الذين يَسْتَنْبِطُونه، أي : يُحِبون أي يَعْلَمُوه على حَقِيقَتِهِ كما هُو.
وقيل : المُراد ب " الذين يستنبوطه " أولئك المُنَافِقُون المُذِيعُونَ، والتقدير : ولو أن هؤلاء المُنَافِقِين المُذِيعِينَ رَدُّوا أمر الأمْنِ والخَوْف إلى الرَّسُول وإلى أولي الأمْر، وطلبوا مَعْرِفَة الحَالِ [ فيه ](٢٤) من جهتِهِم، لعلمه الَّذين يستَنْبِطُونه مِنْهُم و [ هم ](٢٥) هؤلاء المُنَافِقُون المُذِيعُون منهم، أي : من جَانب الرَّسُول، ومن جَانب أولي الأمْر [ منهم ](٢٦).
فإن قِيلَ : إذا كَان الَّذين أمَرَهُم الله - تعالى - برد هذه الأخْبَارِ إلى الرَّسُول وإلى أولي [ الأمر مِنْهُم وهم المُنَافِقُون، فكَيف جَعَل أولي الأمْر منهم في قوله :﴿وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾.
الجواب : إنما جَعَل أولي ](٢٧) الأمْر مِنْهُم على حَسَب الظَّاهِر ؛ لأن المُنَافِقين يظْهِرُون من أنْفسهم أنَّهم مؤمِنُون، ونَظِيرُه :﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ وقوله :﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦].
قوله :﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾
قال أبو العَباس [ المُقْرِئ ](٢٨) : وَرَدَت(٢٩) الرَّحْمَة [ في القُرْآن ](٣٠) عَلَى سَبْعَة أوجه :
الأوّل : القُرْآن، قال - تعالى - :﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أراد بالفَضْلِ الإسْلام(٣١)، وبالرَّحْمَة القُرْآن.
الثاني : بمعنى الإسْلام ؛ قال - تعالى - :﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] أي : في الإسلام [ ومثله ﴿وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨] أي : في دين الإسلام ](٣٢).
الثالث :[ بمعنى ](٣٣) : الجنة ؛ قال - تعالى - :﴿أُوْلَئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] أي : من جَنَّتِي.
الرَّابع : المَطَر ؛ قال - تعالى - :﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾
[الأعراف: ٥٧].
الخامس : النِّعمة ؛ قال - تعالى - :﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾.
السادس : النبوة ؛ قال - تعالى - :﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، أي : النُّبُوَّة.
السابع : الرِّزْق ؛ قال - تعالى - :﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] : من الرِّزْقِ ؛ ومثله ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ أي : رِزْقاً.
فصل
اعلم : أن ظَاهِر هذا الاسْتِثْنَاء يوهِمُ أنَّ ذلك القليل وَقَع لا بِفَضْل الله ولا بِرَحْمَتِه، وذلك محال.
قوله :" إلا قليلاً " ذكر المفسَِّرُونَ فيها عشرة أوجه :
الأول : قال بعضهم : إنه مُسْتَثْنَى من فَاعِل " اتبعتم " أي : لاتَّبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم، فإنه لم يتَّبع الشَّيْطَان، على تقدِير كَوْن فَضْل الله لم يأته، ويكونُ أرادَ بفضل الله الإسلام وإرسَالَ محمَّد ﷺ، ويكون قوله :﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ كلام تامٌّ، [ وذلك القَلِيلُ ؛ كقِسٍّ بن سَاعِدة الإيَادِي، وزَيْد بن عَمْرو بن نُفَيْل، وورقة بن نوفل، وجماعة سِوَاهم مِمَّن كان على دِين المَسِيحِ قَبل بَعْثَةِ الرسول ].
وقال أبو مُسِلم(٣٤) : المراد بِفَضْل اللَّه ورحمته في هذه الآية : هو نُصْرتهُ ومعُونتهُ اللَّذان تمنَّاهُما المُنَافِقُون ؛ بقولهم :﴿فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [النساء: ٧٣] بيَّن - تعالى - أنَّه لولا حُصُول النَّصْر والظّفَرِ على سبيل التَّتَابُع، لاتَّبَعْتُم الشَّيْطَان وتركتم الدين إلاَّ قليلاً مِنْكُم، وهم أهْل البَصَائِر النَّافِذة، والنِّيَّات القويَّة(٣٥)، والعَزَائم المُتَمكِّنَةِ من أفَاضِل المُؤمِنِين، الذين يَعْلَمُون أنه لَيْس من شَرْطِ كونه حَقّاً هو الدَّوْلَة في الدُّنْيَا، فلأجل تَوَاتُر الفَتْح(٣٦) والظَّفر في الدُّنْيَا يدل على كَوْنه حَقاً ؛ ولأجل تواتر الهَزِيمَة والانكِسَار يدلُّ على كونه بَاطِلاً، بل الأمْر في كونه حَقاً وباطلاً على الدَّلِيل، وهو أحْسَن الوُجُوه.
[ وقيل : المُرَادُ مَنْ مَنْ لم يَبْلغ التكْلِيف، وعلى ذها التَّأويل قيل : فالاستثْنَاء مُنْقَطِع ؛ لأن المُسْتَثْنَى لم يَدْخُل تحت الخِطَاب، وفيه نظر يظهر في الوَجْهِ العَاشِر.
الثاني : أنه مُسْتَثْنى من فَاعِل " أذاعوا " أي : أظْهَرُوا أمرَ الأمْن أو الخَوْف إلا قَليلاً فأخرج بعض المُنَاقِقِين من هَذِه الإذاعَة.
الثالث : أنه مُسْتَثْنى من فَاعِل " عَلِمه " أي : لعلمه المُسْتَنْبِطُون منهم إلا قَلِيلاً ].
قال الفرَّاء والمبرد(٣٧) :[ وأما ](٣٨) القَوْل بأنَّه مستَثْنى من فاعل " أذاعوا " أوْلى من هَذَا ؛ لأن ما يُعْلَم بالاسْتِنْبَاطِ ؛ فالأقلُّ(٣٩) يعلمُه والأكْثَر يجهله، وصرف الاسْتِِثْنَاء إلى المسْتَنْبِطِين يَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِك.
قال الزَّجَّاج(٤٠) : هذا غَلَطٌ ؛ لأنه لَيْسَ المراد من هَذَا الاستِثْنَاء(٤١) شيئاً يَسْتَخْرِجُه بنظر دَقيق وفكْرٍ غَامِضٍ، إنما هو استِنْبَاط خَبَر، وإذا كَانَ كَذَلِك فالأكثرون يَعْرِفُونه إنَّما البالغ في البَلاَدة والجَهَالة هُو الَّذي لا يَعْرِفُه، ويمكن أن يُقَال : كلام الزَّجَّاج إنما يَصِحُّ لو حَمَلْنا الاستِنْبَاطَ(٤٢) على مُجَرَّد تعرُّف الأخْبَارِ والأرَاجِيف، [ أمَّا ](٤٣) إذا حملناه على الاستِ
١ في ب: بادروا..
٢ في ب: الفشل..
٣ في ب: أمنا زادوا..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: يردون..
٦ في ب: وكان..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في أ..
٩ في ب: الآلات..
١٠ ينظر البيت في ديوانه (٩٨) والكشاف ١/٥٤١ والدر المصون ٢/٤٠٢، والمحرر الوجيز ٢/٨٤..
١١ سقط في أ..
١٢ في ب: الرسول..
١٣ سقط في أ..
١٤ في أ: وقالوا أي..
١٥ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣١٦ والدر المصون ٢/٤٠٢..
١٦ ينظر البيت في المعصيات (١٠٣) والبحر ٣/٣١٦ والدر المصون ٢/٤٠٢ والطبري ٨/٥٧١ والمحرر الوجيز ٢/٨٥..
١٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٨٤، والبحر المحيط ٣/٣١٩، والدر المصون ٢/٤٠٢..
١٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٨٤..
١٩ اختلف في نسبة هذا البيت فنسب لأبي الغمر الكلابي لعبد الرحمن بن حسان ولأبي الجراح وللأخطل ينظر الإنصاف (١٢٣)، والخزانة ٢/٢٧٧، والأشموني ٢/٢٤٣، وابن يعيش ٧/١٢٩، واللسان: (ضجر)، والدر المصون ٢/٤٠٢..
٢٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٧٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٣٤) وزاد نسبته لابن المنذر..
٢١ سقط في ب..
٢٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٧٣) عن الضحاك..
٢٣ في ب: ردوا..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ سقط في أ..
٢٩ في ب: ودوا..
٣٠ سقط في أ..
٣١ في أ: الإنسان..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ سقط في أ..
٣٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦١..
٣٥ في أ: القوفية..
٣٦ في أ: النسخ..
٣٧ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦١..
٣٨ سقط في ب..
٣٩ في ب: في الأدل..
٤٠ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦١..
٤١ في أ: الاستنباط..
٤٢ في أ: الاستثناء..
٤٣ سقط في أ..
٢ في ب: الفشل..
٣ في ب: أمنا زادوا..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: يردون..
٦ في ب: وكان..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في أ..
٩ في ب: الآلات..
١٠ ينظر البيت في ديوانه (٩٨) والكشاف ١/٥٤١ والدر المصون ٢/٤٠٢، والمحرر الوجيز ٢/٨٤..
١١ سقط في أ..
١٢ في ب: الرسول..
١٣ سقط في أ..
١٤ في أ: وقالوا أي..
١٥ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣١٦ والدر المصون ٢/٤٠٢..
١٦ ينظر البيت في المعصيات (١٠٣) والبحر ٣/٣١٦ والدر المصون ٢/٤٠٢ والطبري ٨/٥٧١ والمحرر الوجيز ٢/٨٥..
١٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٨٤، والبحر المحيط ٣/٣١٩، والدر المصون ٢/٤٠٢..
١٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٨٤..
١٩ اختلف في نسبة هذا البيت فنسب لأبي الغمر الكلابي لعبد الرحمن بن حسان ولأبي الجراح وللأخطل ينظر الإنصاف (١٢٣)، والخزانة ٢/٢٧٧، والأشموني ٢/٢٤٣، وابن يعيش ٧/١٢٩، واللسان: (ضجر)، والدر المصون ٢/٤٠٢..
٢٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٧٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٣٤) وزاد نسبته لابن المنذر..
٢١ سقط في ب..
٢٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٥٧٣) عن الضحاك..
٢٣ في ب: ردوا..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ سقط في أ..
٢٩ في ب: ودوا..
٣٠ سقط في أ..
٣١ في أ: الإنسان..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ سقط في أ..
٣٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦١..
٣٥ في أ: القوفية..
٣٦ في أ: النسخ..
٣٧ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦١..
٣٨ سقط في ب..
٣٩ في ب: في الأدل..
٤٠ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٦١..
٤١ في أ: الاستنباط..
٤٢ في أ: الاستثناء..
٤٣ سقط في أ..