جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أذاعوا بِهِ وَلَوْ رَدّوهُ إِلَى الرّسُولِ وَإِلَىَ أُوْلِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتّبَعْتُمُ الشّيْطَانَ إِلاّ قَلِيلاً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ إذَاعُوا بِه﴾ وإذا جاء هذه الطائفة المبيتة غير الذي يقول رسول الله ﷺ أمر من الأمن. فالهاء والميم في قوله :﴿وَإذَا جاءَهُمْ﴾ من ذكر الطائفة المبيتة. يقول جلّ ثناؤه : وإذا جاءهم خبر عن سرية للمسلمين غازية بأنهم قد أمنوا من عدوّهم بغلبتهم إياهم ﴿أو الخَوْفِ﴾ يقول : أو تخّوفهم من عدوّهم بإصابة عدوّهم منهم ﴿أذَاعُوا بِهِ﴾ يقول : أفشوه وبثوه في الناس قبل رسول الله ﷺ وقبل أمراء سرايا رسول الله ﷺ. والهاء في قوله :﴿أذَاعُوا بِهِ﴾ من ذكر الأمر وتأويله : أذاعوا بالأمر من الأمن أو الخوف الذي جاءهم، يقال : منه أذاع فلان بهذا الخبر وأذاعه، ومنه قول أبي الأسود :
| أذَاعَ بِه في النّاسِ حتى كأنّهُ | بعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بثَقُوبِ |
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ إذَاعُوا بِهِ﴾ يقول : سارعوا به وأفشوه.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ إذَاعُوا بِهِ﴾ يقول : إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوّهم، أو أنهم خائفون منهم، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوّهم أمرهم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ إذَاعُوا بِهِ﴾ يقول : أفشوه وشنعوا به.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ إذَاعُوا بِهِ﴾ قال : هذا في الأخبار إذا غزت سرية من المسلمين خُبّر الناس عنها، فقالوا : أصاب المسلمون من عدوّهم كذا وكذا، وأصاب العدوّ من المسلمين كذا وكذا. فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبيّ ﷺ هو الذي يخبرهم به. قال ابن جريج : قال ابن عباس : قوله ﴿أذاعوا بِهِ﴾ قال : أعلنوه وأفشوه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿أذَاعُوا بِهِ﴾ قال : نشروه. قال : والذين أذاعوا به قوم، إما منافقون، وإما آخرون ضعفاء.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أفْشَوْه وشنعوا به، وهم أهل النفاق.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرّسُولِ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ولو ردّوه : الأمر الذي نالهم من عدوّهم والمسلمين إلى رسول الله ﷺ، وإلى أولي أمرهم، يعني : وإلى أمرائهم، وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر، حتى يكون رسول الله ﷺ أو ذوو أمرهم هم الذين يقولون الخبر عن ذلك، بعد أن ثبتت عندهم صحته أو بُطُوله، فيصححوه إن كان صحيحا، أو يبطلوه إن كان باطلاً. ﴿لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يقول : لعلم حقيقة ذلك الخبر الذي جاءهم به الذين يبحثون عنه، ويستخرجونه منهم، يعني : أولي الأمر. والهاء والميم في قوله :﴿مِنْهُمْ﴾ من ذكر أولي الأمر. يقول : لعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه. وكل مستخرج شيئا كان مستترا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب، فهو له مستنبط، يقال : استنبطت الركية : إذا استخرجت ماءها، ونَبَطتها أنبطها، والنبط : الماء المستنبط من الأرض، ومنه قول الشاعر :
| قَرِيبٌ ثراهُ ما يَنالُ عَدُوّهُ | لَهُ نَبَطا آبي الهَوَانِ قَطُوبُ |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرّسُولِ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ﴾ يقول : ولو سكتوا وردّوا الحديث إلى النبيّ ﷺ وإلى أولى أمرهم حتى يتكلم هو به، ﴿لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يعني عن الأخبار، وهم الذين ينقّرون عن الأخبار.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرّسُولِ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ﴾ يقول : إلى علمائهم، ﴿لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ لعلمه الذين يَفْحصُون عنه، ويهمهم ذلك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرّسُولِ﴾ حتى يكون هو الذي يخبرهم، ﴿وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ﴾ : أولي الفقه في الدين والعقل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية :﴿وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرّسُولِ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ : يتتبعونه ويتحسسونه.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا ليث، عن مجاهد :﴿لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ قال : الذين يسألون عنه ويتحسسونه.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله :﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ قال : قولهم : ما كان ؟ ماذا سمعتم ؟
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية :﴿الّذِينَ يسْتَنبِطونَهُ﴾ قال : يتحسسونه.
حدثني محمد بن سيعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : حدثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس :﴿لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يقول : لعلمه الذين يتحسسونه منهم.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ قال : يتتبعونه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أو الخَوْفِ أذَاعُوا بِه﴾. . . حتى بلغ :﴿وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ﴾ قال : الولاة الذين يكونون في الحرب عليهم الذين يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر أصدق أم كذب ؟ أباطل فيبطلونه، أو حقّ فيحقونه ؟ قال : وهذا في الحرب، وقرأ :﴿أذَاعُوا بِهِ وَلَوْ﴾ فعلوا غير هذا و﴿رَدّوهُ﴾ إلى الله و﴿إلى الرّسُولِ وإلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ﴾. . . الآية.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتّبَعْتُمْ الشّيْطانَ إلاّ قَلِيلاً﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ولولا إنعام الله عليكم أيها المؤمنون بفضله وتوفيقه ورحمته، فأنقذكم مما ابتلى هؤلاء المنافقين به، الذين يقولون لرسول الله ﷺ إذا أمرهم بأمر : طاعة، فإذا برزوا من عنده بيّت طائفة منهم غير الذي تقول، لكنتم مثلهم، فاتبعتم الشيطان إلا قليلاً، كما اتبعه الذين وصف صفتهم. وخاطب بقوله تعالى ذكره :﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتّبَعْتُمْ الشّيْطانَ﴾ الذين خاطبهم بقوله جلّ ثناؤه :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعا﴾.
ثم اختلف أهل التأويل في القليل الذي استثناهم في هذه الاَية، من هم، ومن أيّ شيء من الصفات استثناهم ؟ فقال بعضهم : هم المستنبطون من أولي الأمر، استثناهم من قوله :﴿لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ونفي عنهم أن يعلموا بالاستنباط ما يعلم به غيرهم من المستنبطين من الخبر الوارد عليهم من الأمن أو الخوف. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : إنما هو لعلمه الذين يستنبطونه منهم، إلا قليلاً منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتّبَعْتُمْ الشّيْطانَ إلاّ قَلِيلاً﴾ يقول : لاتبعتم الشيطان كلكم. وأما قوله :﴿إلاّ قَلِيلاً﴾ فهو كقوله :﴿لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ إلا قليلاً.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك قراءة عن سعيد، عن قتادة :﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتّبَعْتُمْ الشّيْطانَ إلاّ قَلِيلاً﴾ قال : يقول : لاتبعتم الشيطان كلكم¹ وأما ﴿إلاّ قَلِيلاً﴾ فهو كقوله :﴿لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. . . إلاّ قَلِيلاً﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج نحوه، يعني نحو قول قتادة، وقال : لعلموه إلا قليلاً.
وقال آخرون : بل هم الطائفة الذين وصفهم الله أنهم يقولون لرسول الله ﷺ طاعة، فإذا برزوا من عنده بيتوا غير الذي قالوا. ومعنى الكلام : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، إلا قليلاً منهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتّبَعْتُمْ الشّيْطانَ﴾ فانقطع الكلام، وقوله :﴿إلاّ قَلِيلاً﴾ فهو في أوّل الاَية يخبر عن المنافقين، قال :﴿وَإذَا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذَاعُوا بِهِ﴾ إلا قليلاً، يعني بالقليل المؤمنين، يقول الحَمْدُ لله الّذِي أنْزَلَ الكِتَابَ عدلاً قِيما، ولم يجعل له عوجا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : هذه الاَية مقدمة ومؤخرة، إنما هي : أذاعوا به إلا قليلاً منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير.
وقال آخرون : بل ذلك استثناء من قوله :﴿لاتّبَعْتُمُ الشّيْطانَ﴾ وقالوا : الذين استثنوا هم قوم لم يكونوا همّوا بما كان الآخرون همّوا به من اتباع الشيطان، فعرّف الله الذين أنقذهم من ذلك موقع نعمته منهم، واستثنى الآخرين الذين لم يكن منهم في ذلك ما كان من الاَخرين. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
٩٩٨٩ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قوله:"أفلا يتدبرون القرآن"، قال:"يتدبرون"، النظر فيه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به"، وإذا جاء هذه الطائفة المبيّتة غير الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم="أمرٌ من الأمن"، فالهاء والميم في قوله:"وإذا جاءهم"، من ذكر الطائفة المبيتة= يقول جل ثناؤه: وإذا جاءهم خبرٌ عن سريةٍ للمسلمين غازية بأنهم قد أمِنوا من عدوهم بغلبتهم إياهم="أو الخوف"، يقول: أو تخوّفهم من عدوهم بإصابة عدوهم منهم="أذاعوا به"، يقول: أفشوه وبثّوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل مأتَى سرايا رسول الله ﷺ (٢) = و"الهاء" في قوله:"أذاعوا به"، من ذكر"الأمر". وتأويله أذاعوا بالأمر من الأمن أو الخوف الذي جاءهم.
* * *
يقال منه:"أذاع فلان بهذا الخبر، وأذاعه"، ومنه قول أبي الأسود:
| أَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ | بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوبِ (٣) |
(٢) في المطبوعة: "وقبل أمراء سرايا رسول الله" وفي المخطوطة: "وقبل أمانا" وجر مع الميم شبه الراء، فاختلطت الكلمة، ورجحت صواب قراءتها ما أثبت.
(٣) ديوانه (في نفائس المخطوطات: ٢) : ٤٤، والأغاني ١٢: ٣٠٥، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٣٣، اللسان (ذيع)، من أبيات قالها أبو الأسود الدؤلي لما خطب امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد، فأسر أمرها إلى صديق له، فحدث الصديق ابن عم لها كان يخطبها، فمشى ابن عمها إلى أهلها وسألهم أن يمنعوها من نكاحه، ففعلوا، وضاروها حتى تزوجت ابن عمها، فقال أبو الأسود:
| أَمِنْتُ امْرءَا فِي السَّرِّ لَمْ يَكُ حَازِمًا | ولكِنَّهُ فِي النُّصْحِ غَيْرُ مُرِيبِ |
| أَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ، حَتَّى كأنَّهُ | بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثُقوبِ |
| وَكُنْتَ مَتَى لَمْ تَرْعَ سِرَّكَ تَلْتَبِسْ | قَوَارِعُهُ مِنْ مُخْطِئٍ وَمُصِيبِ |
| فَمَا كُلُّ ذِي نُصْحٍ بِمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ | وَمَا كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ |
| وَلكِنْ إِذَا مَا اسْتُجْمِعَا عِنْدَ وَاحِدٍ، | فَحُقَّ لهُ مِنْ طَاعَةٍ بِنَصِيبِ |
*ذكر من قال ذلك:
٩٩٩٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به"، يقول: سارعوا به وأفشوه.
٩٩٩١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به"، يقول: إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم، أو أنهم خائفون منهم، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوَّهم أمرُهم.
٩٩٩٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به"، يقول: أفشوه وسعَوْا به. (١)
٩٩٩٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أذاعوا به"، قال: نشروه. قال: والذين أذاعوا به، قوم: إمّا منافقون، وإما آخرون ضعفوا. (٣)
٩٩٩٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أفشوه وسَعَوْا به، (٤) وهم أهل النفاق.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ولو ردوه"، الأمر الذي نالهم من عدوهم [والمسلمين]، إلى رسول الله ﷺ وإلى أولي أمرهم (٥) = يعني:
(٢) في المطبوعة: "هو الذي يخبرهم به"، لا أدري لم غير ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "وإما آخرون ضعفاء" وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) في المطبوعة: "وشنعوا به" كما سلف في ص٥٦٩ تعليق: ١.
(٥) قوله: "والمسلمين" هكذا في المخطوطة والمطبوعة، ولم أدر ما هو، فتركته على حاله، ووضعته بين القوسين، وأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء. وبحذف ما بين القوسين يستقيم الكلام على وجهه.
* * *
وكل مستخرج شيئًا كان مستترًا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب، فهو له:"مستنبط"، يقال:"استنبطت الركية"، (٣) إذا استخرجت ماءها،"ونَبَطتها أنبطها"، و"النَّبَط"، الماء المستنبط من الأرض، ومنه قول الشاعر: (٤)
| قَرِيبٌ ثَرَاهُ، ما يَنَالُ عَدُوُّه | لَهُ نَبَطًا، آبِي الهَوَانِ قَطُوبُ (٥) |
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
(٢) في المطبوعة: "ثبتت عندهم" أساء قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة. و"البطول" مصدر"بطل الشيء" ومثله"البطلان".
(٣) "الركية": البئر تحفر.
(٤) هو كعب بن سعد الغنوي، أو: غريقة بن مسافع العبسي، وانظر تفصيل ذلك في التعليق على الأصمعيات، وتخريج الشعر هناك.
(٥) الأصمعيات: ١٠٣، وتخريجه هناك. وقوله: "قريب الثرى"، يريدون كرمه وخيره. و"الثرى": التراب الندي، كأنه خصيب الجناب. وقوله: "ما ينال عدوه له نبطًا"، أي لا يرد ماءه عدو، من عزه ومنعته، / إذا حمى أرضًا رهب عدوه بأسه."آبى الهوان" لا يقيم على ذل. و"قطوب": عبوس عند الشر
٩٩٩٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم"، يقول: إلى علمائهم = (لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، لعلمه الذين يفحصون عنه ويهمّهم ذلك. (١)
٩٩٩٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"ولو ردوه إلى الرسول"، حتى يكون هو الذي يخبرهم ="وإلى أولي الأمر منهم"، الفقه في الدين والعقل. (٢)
٩٩٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:"ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم"، العلم (٣) ="الذين يستنبطونه منهم"، يتتبعونه ويتحسسونه.
١٠٠٠٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا ليث، عن مجاهد:"لعلمه الذين يستنبطونه منهم"، قال: الذين يسألون عنه ويتحسسونه.
١٠٠٠١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى،
(٢) في المطبوعة: "أولى الفقه" زاد"أولى"، والذي في المخطوطة صواب أيضًا، على طريقة قدماء المفسرين في الاختصار، كما سلف آلافًا من المرات.
(٣) في المطبوعة: "لعلمه" مكان"العلم"، والذي في المخطوطة صواب، كما سلف في التعليق السابق، وهو طريقتهم في الاختصار، ويعني"أولي العلم".
١٠٠٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٠٠٠٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:"الذين يستنبطونه"، قال: يتحسسونه.
١٠٠٠٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"لعلمه الذين يستنبطونه منهم"، يقول: لعلمه الذين يتحسسونه منهم.
١٠٠٠٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"يستنبطونه منهم"، قال، يتتبعونه.
١٠٠٠٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به" حتى بلغ"وإلى أولي الأمر منهم"، قال: الولاة الذين يَلُون في الحرب عليهم، (١) الذين يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر: أصدق، أم كذب؟ أباطل فيبطلونه، أو حق فيحقونه؟ قال: وهذا في الحرب، وقرأ:"أذاعوا به"، ولو فعلوا غير هذا: وردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، الآية.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولولا إنعام الله عليكم، أيها المؤمنون، بفضله وتوفيقه ورحمته، (١) فأنقذكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين = الذين يقولون لرسول الله ﷺ إذا أمرهم بأمر:"طاعة"، فإذا برزوا من عنده بيت طائفة منهم غير الذي يقول = لكنتم مثلهم، فاتبعتم الشيطان إلا قليلا كما اتبعه هؤلاء الذين وصف صفتهم.
* * *
وخاطب بقوله تعالى ذكره:"ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان"، الذين خاطبهم بقوله جل ثناؤه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) [سورة النساء: ٧١].
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في"القليل"، الذين استثناهم في هذه الآية: من هم؟ ومن أيّ شيء من الصفات استثناهم؟
فقال بعضهم: هم المستنبطون من أولي الأمر، استثناهم من قوله:"لعلمه الذين يستنبطونه منهم"، ونفى عنهم أن يعلموا بالاستنباط ما يعلم به غيرهم من المستنبطين من الخبر الوارد عليهم من الأمن أو الخوف. (٢)
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٠٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد،
(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٧٩، ويعني أن الاستثناء من"الاستنباط" لا من"الإذاعة".
١٠٠٠٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا"، يقول: لاتبعتم الشيطان كلّكم = وأما قوله:"إلا قليلا"، فهو كقوله:"لعلمه الذين يستنبطونه منهم"، إلا قليلا.
١٠٠٠٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك قراءة، عن سعيد، عن قتادة:"ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا"، قال يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم. وأما"إلا قليلا "، فهو كقوله: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا.
١٠٠١٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج نحوه = يعني نحو قول قتادة = وقال: لعلموه إلا قليلا.
وقال آخرون: بل هم الطائفة الذين وصفهم الله أنهم يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"طاعة"، فإذا برزوا من عنده بيتوا غير الذي قالوا. ومعنى الكلام: وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به = إلا قليلا منهم.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠١١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا"، فهو في أول الآية لخبر المنافقين، قال:"وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به"، يعني بـ "القليل"، المؤمنين، [كقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ
١٠٠١٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: هذه الآية مقدَّمة ومؤخرة، إنما هي: أذاعوا به إلا قليلا منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك استثناء من قوله:"لاتبعتم الشيطان". وقالوا: الذين استثنوا هم قوم لم يكونوا همّوا بما كان الآخرون همّوا به من اتباع الشيطان. فعرَّف الله الذين أنقذهم من ذلك موقع نعمته منهم، واستثنى الآخرين الذين لم يكن منهم في ذلك ما كان من الآخرين.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠١٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: في قوله:"ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا"، قال: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا حدّثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان، إلا طائفة منهم.
* * *
وقال آخرون معنى ذلك: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعًا.
| "يقول الحمد لله الذي أنزل الكتاب عدلا قيما | " إلى آخر الكلام. |
وقوله: "فهو في أول الآية لخبر المنافقين"، يعني أنه مردود إلى أول الآية في خبرهم. ثم عقب على ذلك بذكر آية سورة الكهف، وبين ما فيها من التقديم والتأخير. وكأن الذي رجحت هو الصواب.
| أَشَمُّ كَثِيرُ يُدِيِّ النَّوَالِ، | قَلِيلُ المَثَالِبِ وَالقَادِحَةْ (٢) |
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قولُ من قال: عنى باستثناء"القليل" من"الإذاعة"، وقال: معنى الكلام: وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا ولو ردوه إلى الرسول.
* * *
وإنما قلنا إن ذلك أولى بالصواب، لأنه لا يخلو القولُ في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا، وغير جائز أن يكون من قوله:"لاتبعتم الشيطان"، لأن من تفضل الله عليه بفضله ورحمته، فغير جائز أن يكون من تُبَّاع الشيطان.
* * *
(٢) ديوانه: ١٣٩."الأشم": السيد ذو الأنفة والكبرياء، من"الشمم" وهو ارتفاع في قصبة الأنف، مع استواء أعلاه، وإشراف الأرنبة قليلا. وهو من صفات الكرم والعتق. وقوله"يدي" (بضم الياء وكسر الدال، والياء المشددة) أو (بفتح الياء وكسر الدال وتشديد الياء)، جمع"يد" الأول جمعها على وزن"فعول"، مثل فلس وفلوس، والثاني جمعها على وزن"فعيل" مثل عبد وعبيد. كأنه قال: كثير أيدي النوال. وفي ديوانه: "يدي" بفتح الياء والدال وهو خطأ. وفي المخطوطة: "برى النوادي"، وهو خطأ لا معنى له. و"المثالب" جمع"مثلبة"، وهي العيوب الجارحة. و"القادحة" يعني بها: العيوب التي تقدح في أصله وخلائقه، سماها بالقادحة، وهي الدودة التي تأكل الأسنان، أو الأشجار، ووضعها اسما للجمع.
* * *
وكذلك لا وجه لتوجيه ذلك إلى الاستثناء من قوله:"لعلمه الذين يستنبطونه منهم"، لأن علم ذلك إذا رُدَّ إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، فبيَّنه رسول الله ﷺ وأولو الأمر منهم بعد وضوحه لهم، استوى في علم ذلك كلّ مستنبطٍ حقيقتَه، (٣) فلا وجه لاستثناء بعض المستنبطين منهم، وخصوص بعضهم بعلمه، مع استواء جميعهم في علمه.
وإذْ كان لا قول في ذلك إلا ما قلنا، ودخَل هذه الأقوال الثلاثة ما بيّنا من الخلل، (٤) فبيِّنٌ أن الصحيح من القول في ذلك هو الرابع، وهو القول الذي قضينا له بالصواب من الاستثناء من"الإذاعة". (٥)
* * *
(٢) في المطبوعة: "... من تأويل أهل التأويل، لا وجه له"، فحذفت هذه الكلمة التي زادها الناشر، ليستقيم له قراءة الكلام. وانظر التعليق السالف.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "كل مستنبط حقيقة"، والسياق يقتضي ما أثبت.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "فدخل"، ولا معنى للفاء هنا، والصواب ما أثبته.
(٥) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٧٩، ٢٨٠.