معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به﴾، وذلك أن النبي ﷺ كان يبعث السرايا، فإذا غلبوا أو غُلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم، فيفشون ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله ﷺ، فيضعفون به قلوب المؤمنين، فأنزل الله تعالى ﴿وإذا جاءهم﴾ يعني : المنافقين ﴿أمر من الأمن﴾ أي : الفتح والغنيمة، ﴿أو الخوف﴾ القتل والهزيمة، ( أذاعوا به ) أشاعوه وأفشوه. قوله تعالى :﴿ولو ردوه إلى الرسول﴾ إلى رأيه، ولم يحدثوا به حتى يكون النبي ﷺ هو الذي يحدث به.
قوله تعالى :﴿وإلى أولي الأمر منهم﴾، أي : ذوي الرأي من الصحابة مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
قوله تعالى :﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾، أي : يستخرجونه، وهم العلماء، أي : علموا ما ينبغي أن يكتم وما ينبغي أن يفشى، والاستنباط : الاستخراج. يقال : استنبط الماء إذا استخرجه. وقال عكرمة :( يستنبطونه ) أي : يحرصون عليه ويسألون. وقال الضحاك : يتبعونه، يريد الذين سمعوا تلك الأخبار من المؤمنين والمنافقين، لو ردوه إلى الرسول ﷺ وإلى ذوي الرأي والعلم، ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ أي يحبون أن يعلموه على حقيقته كما هو.
قوله تعالى :﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان﴾، كلكم.
قوله تعالى :﴿إلا قليلاً﴾، فإن قيل : كيف استثنى القليل ولولا فضله لاتبع الكل الشيطان ؟ قيل : هو راجع إلى ما قبله، قيل : معناه أذاعوا به إلا قليلاً لم يفشه، وعنى بالقليل المؤمنين، وهذا قول الكلبي، واختيار الفراء، وقال : لأن علم السر إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض، قيل : لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلاً، ثم قوله :﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان﴾ كلام تام. وقيل : فضل الله الإسلام، ورحمته : القرآن، يقول : لولا ذلك لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً، وهم قوم اهتدوا قبل مجيء الرسول ﷺ، ونزول القرآن، مثل : زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وجماعة سواهما. وفي الآية دليل على جواز القياس، فإن من العلم ما يدرك بالتلاوة، والرواية، وهو النص، ومنه ما يدرك بالاستنباط، وهو القياس على المعاني المودعة في النصوص.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى