البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الإذاعةُ : إظهار الشيء وإفشاؤه يقال : ذاع، يذيع، وأذاع، ويتعدى بنفسه وبالباء، فيكون إذ ذاك أذاع في معنى الفعل المجرّد.
قال أبو الأسود :
أذاعوا به في الناس حتى كأنهبعلياء نار أوقدت بثقوب
الاستنباط : الاستخراج، والنبط الماء يخرج من البئر أول ما تحفر، والانباط والاستنباط إخراجه.
وقال الشاعر :
نعم صادقاً والفاعل القائل الذيإذا قال قولاً انبط الماء في الثرى
وقال ابن الأعرابي : يقال للرّجل إذا كان بعيد العز والمنعة ما يجد عدوه له : نبطاً.
قال كعب :
قريب تراه لا ينال عدوّهله نبطاً آبى الهوان قطوب
والنبط الذين يستخرجون المياه والنبات من الأرض.
وقال الفراء : نبط مثل استنبط، ونبط الماء ينبُط بضم الباء وفتحها.
﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به﴾ روى مسلم من حديث ابن عباس عن عمر :« أنّ رسول الله ﷺ لما اعتزل نساءه، فدخل عمر المسجد فسمع الناس يقولون : طلق رسول الله ﷺ نساءه، فدخل على النبي ﷺ فسأله : أطلقت نساءك ؟ قال : لا.
فخرج فنادى : ألا إنّ رسول الله ﷺ لم يطلق نساءه، فنزلت «.
وكان هو الذي استنبط الأمر، وروى أبو صالح عن ابن عباس : أن الرسول كان إذا بعث سرية من السرايا فغلبت، أو غلبت، تحدثوا بذلك وأفشوه ولم يصبروا حتى يكون هو المحدث به، فنزلت.
والضمير في : جاءهم على المنافقين، قاله ابن عباس والجمهور.
أو على ناس من ضعفة المؤمنين قاله : الحسن والزجاج.
ولم يذكر الزمخشري غيره أو عليهما نقله ابن عطية، أو على اليهود قاله بعضهم.
والأمر من الأمن أو الخوف فوز السرية بالظفر والغنيمة، أو الخيبة والنكبة، فيبادرون بإفشائه قبل أن يخبر الرسول بذلك.
أو ما كان ينزل من الوحي بالوعظ بالظفر، أو بتخفيف من جهة الكفار، كان يسر النبي عليه السلام ذلك إليهم فيفشونه، وكان في ذلك مضرّة على المسلمين، أو ما يعزم عليه النبي من الوداعة والأمان لقوم، والخوف الخبر يأتي أنّ قوماً يجمعون للنبي ﷺ فيخاف المسلمون منهم قاله : الزجاج، والماوردي، وأبو سليمان الدمشقي.
وقال ابن عطية : المعنى أنّ المنافقين كانوا يشرئبون إلى سماع ما يسوء النبي ﷺ في سراياه، فإذا طرأت لهم شبهة أمن للمسلمين، أو فتح عليهم، حقروها وصغروا شأنها انتهى.
والضمير في به عائد على الأمر، قيل : ويجوز أن يعود على الأمن أو الخوف، ووحد الضمير لأن، أو تقتضي أحدهما.
﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ أي : ولو ردُّوا الأمر الذي بلغهم إلى الرسول وأولي الأمر وهم : الخلفاء الأربعة ومن يجري على سننهم، قاله : ابن عباس، أو أبو بكر، وعمر خاصة، قاله : عكرمة.
أو أمراء السرايا قاله : السدي، ومقاتل، وابن زيد.
أو العلماء من الصحابة قاله : الحسن، وقتادة، وابن جريج.
والمعنى : لو أمسكوا عن الخوض فيما بلغهم، واستقصوا الأمر من الرسول وأولي الأمر، لعلم حقيقة ذلك الأمر الوارد من له بحث ونظر وتجربة، فأخبروهم بحقيقة ذلك، وأنّ الأمر ليس جارياً على أول خبر يطرأ.
قال الزمخشري : هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال والاستبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﷺ من أمن وسلامة أو خوفٍ وخللٍ أذاعوا به، وكانت إذاعتهم مفسدة.
ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله، وإلى أولي الأمر منهم وهم : كبار الصحابة البصراء بالأمور، أو الذين كانوا يؤمرون منهم لعلمه، لعلم تدبير ما أخبروا به الذين يستنبطونه أي : الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها.
وقيل : كانوا يقفون من رسول الله ﷺ وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار، فيذيعونه فينشر، فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة، ولو ردوه إلى رسول الله ﷺ وإلى أولي الأمر وفوضوه إليهم، وكانوا كأن لم يسمعوا لعلمه الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه، وما يأتون ويدرون فيه.
وقيل : كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنوناً غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود ذلك وبالأعلى المؤمنين.
ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر، وقالوا : نسكت حتى نسمعه منهم، ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع ؟ لعلمه الذين يستنبطونه منهم لعلم صحته، وهل هو مما يذيع هؤلاء المذيعون وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي : يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم انتهى كلامه.
وهذه كلها تأويلات حسنة، وأجراها على نسق الكلام هذا التأويل الأخير وهو : أنّ المعنى إذا طرأ خبر بأمن المسلمين أو خوف، فينبغي أن لايشاع، وأن يردّ إلى الرسول وأولي الأمر، فإنهم يخبرون عن حقيقة الأمر فيعلمه من يسألهم، ويستخرج ذلك من جهتهم، لأنّ ما أخبر به الرسول وأولوا الأمر إذ هم مخبرون عنه حق لا شك فيه.
وقال أبو بكر الرازي : في هذه الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أحكام الحوادث، لأنه أمر بردّ الحوادث إلى الرسول في حياته إذ كانوا بحضرته، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته، والمنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه، فثبت بذلك أنَّ من الأحكام ما هو مودع في النص قد كلف الوصول إلى علمه بالاستدلال والاستنباط.
وطوَّل الرازي في هذه المسألة اعتراضاً وانفصالاً واستقرأ من الآية أحكاماً.
قال : ويدل على بطلان قول القائل بالإمامة : لأنه لو كان كل شيء من الأحكام منصوصاً عليه يعرفه الإمام لزال موضع الاستنباط، وسقط الرد إلى أولي الأمر، بل كان الواجب الرّد إلى الإمام الذي يعرف صحة ذلك من باطله من جهة النص.
وقال الشيخ جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن النقيب وهو جامع كتاب التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير ما نصه في ذلك الكتاب : وقد لاح لي في هذه الآية أنّ في الكلام حذفاً وتقديماً وتأخيراً وأنَّ هذا الكلام متعلق بالذي قبله مردود إليه، ويكون التقدير : أفلا يتدبرون القرآن، ولو تدبروه لعلموا أنه من كلام الله، والمشكل عليهم من متشابهه لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم يعني : لعلم معنى ذلك المتشابه الذين يستنبطونه منهم من أهل العلم بالكتاب إلا قليلاً، وهو ما ستأثر الله به من علم كتابه ومكنون خطابه.
ثم قال : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، والذي حسن لهم ذلك وزينه الشيطان، ثم التفت إلى المؤمنين فقال :﴿ولولا فضل الله عليكم﴾ الآية وقد أشار إلى شيء من هذا أبو طالب المكي في كتابه المعروف بقوت القلوب، وقال : إن قوله :﴿إلا قليلاً﴾ متصل بقوله ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ وعلى هذا يكون الاستنباط استخراجاً من معنى اللفظ المتشابه بنوع من النظرة والاجتهاد والتفكر انتهى كلامه.
وهو كما ترى تركيب ونظم غير تركيب القرآن ونظمه، وكثيراً ما يذكر هذا الرجل في القرآن تقديماً وتأخيراً، وأغرب من ذلك أنه يجعله من أنواع علم البيان، وأصحابنا وحذاق النحويين يجعلونه من باب ضرائر الأشعار، وشتان ما بين القولين.
وقرأ أبو السمال : لعلمه بسكون اللام.
قال ابن عطية : وذلك مثل شجر بينهم انتهى.
وليس مثله لأنّ تسكين علم قياس مطرد في لغة تميم، وشجر ليس قياساً مطرداً، إنما هو على سبيل الشذوذ.
وتسكين علم مثل التسكين في قوله :
فإن تبله يضجر كما ضجر بازلمن الادم دبرت صفحتاه وغاربه
﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً﴾ هذا خطاب للمؤمنين باتفاق من المتأولين قاله : ابن عطية.
قال : والمعنى لولا هداية الله لكم وإرشاده لبقيتم على كفركم وهو اتباع الشيطان.
وقيل : الفضل الرسول.
وقيل : الإسلام.
وقيل : القرآن.
وقيل : في الرحمة أنها الوحي.
وقيل : اللطف.
وقيل : النعمة.
وقيل : التوفيق.
والظاهر أنّ الاستثناء هو من فاعل اتبعتم.
قال الضحاك : هدى الكل منهم للإيمان، فمنهم من تمكن فيه حتى لم يخطر له قط خاطر شك، ولا عنت له شبهة ارتياب، وذلك هو القليل، وسائر من أسلم من العرب لم يخل من الخواطر، فلولا فضل الله بتجريد الهداية لهم لضلوا واتبعوا الشيطان، ويكون الفضل معيناً أي : رسالة محمد ﷺ والقرآن، لأن الكل إنما هدي بفضل الله على الإطلاق.
وقال قوم : إلا قليلاً إشارة إلى من كان قبل الإسلام غير متبع للشيطان على ملة إبراهيم، أدركوا بعقولهم معرفة الله ووحدوه قبل أن يبعث الرسول، كزيد بن عمرو بن نفيل أدرك فساد ما عليه اليهود والنصارى والعرب، فوحد الله وآمن به، فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً إذ ليس مندرجاً في المخاطبين بقوله : لاتبعتم.
وقال قوم : الاستثناء إنما هو من الاتباع، فقدره الزمخشري : إلا اتباعاً قليلاً، فجعله مستثنى من المصدر الدال عليه الفعل وهو لاتبعتم.
وقال ابن عطية : في تقدير أن يكون استثناء من الاتباع قال : أي لاتبعتم الشيطان كلكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها، ففسره في الاستثناء بالمتبع فيه، فيكون استثناء من المتبع فيه المحذوف لا من الاتباع، ويكون استثناء مفرّعاً، والتقدير : لاتبعتم الشيطان في كل شيء إلا قليلاً من الأشياء فلا تتبعونه فيه.
فإن كان ابن عطية شرح من حيث المعنى فهو صحيح، لأنه يلزم من الاستثناء الاتباع القليل أن يكون المتبع فيه قليلاً، وإن كان شرح من حيث الصناعة النحوية فليس بجيد، لأن قوله : إلا اتباعاً قليلاً، لا يرادف إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها.
وقال قوم : قوله إلا قليلاً عبارة عن العدم، يريد : لاتبعتم الشيطان كلكم.
قال ابن عطية : وهذا قول قلق، وليس يشبه ما حكى سيبويه من قولهم : أرض قلما تنبت كذا، بمعنى لا تنبته.
لأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي حصولها، ولكن ذكره الطبري انتهى.
وهذا الذي ذكره ابن عطية صحيح، ولكن قد جوزه هو في قوله :﴿ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾ ولم يقلق عنده هناك ولا رده، وقد رددناه عليه هناك فيطالع ثمة.
وقيل : إلا قليلاً مستثنى من قوله : أذاعوا به، والتقدير : أذاعوا به إلا قليلاً، قاله : ابن عباس وابن زيد، واختاره : الكسائي، والفراء، وأبو عبيد، وابن حرب، وجماعة من النحويين، ورجحه الطبري.
وقيل : مستثنى من قوله : لعلمه الذين يستنبطونه منهم، قاله : الحسن، وقتادة، واختاره ابن عيينة.
وقال مكي : ولولا فضل الله عليكم أي : رحمته ونعمته إذ عافاكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين الذين وصفهم بالتبييت، والخلاف لاتبعتم الشيطان هو خطاب للذين قال لهم :﴿خذوا حذركم فانفروا ثبات﴾ وقيل : الخطاب عام، والقليل المستثنى هم أمة الرسول، لأنهم قليل بالنسبة إلى الكفار.
وفي الحديث الصحيح :« ما أنتم إلا كالرقمة البيضاء في الثور الأسود »
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع أنواعاً الالتفات في قوله : فما أرسلناك.
والتكرار في : من يطع فقد أطاع، وفي : بيت ويبيتون، وفي : اسم الله في مواضع، وفي : أشد، وفي : من يشفع شفاعة.
والتجنيس المماثل في : يطع وأطاع، وفي : بيت ويبيتون، وفي : حييتم فحيوا.
والمغاير في : وتوكل ووكيلاً، وفي : من يشفع شفاعة، وفي : وإذا حييتم بتحية.
والاستفهام المراد به الإنكار في : أفلا يتدبرون.
والطباق في : من الأمن أو الخوف، وفي : شفاعة حسنة وشفاعة سيئة.
والتوجيه في : غير الذي تقول.
والاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في : ولو كان من عند غير الله.
وخطاب العين والمراد به الغير في : فقاتل.
والاستعارة في : في سبيل الله، وفي : أن يكف بأس.
وافعل في : غير المفاضلة في أشد.
وإطلاق كل على بعض في : بأس الذين كفروا واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى.
والحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى