اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله - تعالى - :" فقاتل " : في هذه الفَاءِ خَمْسَةُ أوجه :
أحدها : أنَّها عاطفةٌ هذه الجُمْلَة على جُمْلة قوله :﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤].
الثاني : أنها عاطفتها على جُمْلَةِ قوله :﴿فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء: ٧٦].
الثالث : أنَّها عاطِفتُها على جُمْلَة قوله :﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ﴾ [النساء: ٧٥].
الرابع : أنها عاطفتها على جملة قوله :﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٧٤].
الخامس : أنها جوابُ شرط مُقَدَّر، أي : إنْ أرَدْت فقاتل، وأولُ هذه الأقْوَال هو الأظْهَر.

فصل


لما أمر بالجِهَاد في الآيات المُتقدِّمة ورغب فيه، وذكر قِلَّة رغبة المُنَافِقِين في الجِهَاد، عاد [ إلى ](١) الأمْر بالجِهَاد في هَذِه الآية.
قوله :﴿لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ في هذه الجُمْلَة قولان :
أحدهما : أنها في محلِّ نَصْب على الحَالِ من فاعل " فقاتِلْ " أي : فقاتِلْ غير مُكَلَّفٍ إلا نَفْسك وحدها.
والثاني : أنها مُسْتأنفة أخْبَرَه - تعالى - أنه لا يكلِّف غَيْرَ نَفْسِه.
والجمهور على " تُكَلَّفُ " بِتَاء الخِطَاب ورفْع الفعل مبنيّاً للمفعُول، و " نفسك " هو المفعُول الثاني، وقرأ عبد الله بن عُمَر(٢) :" لا تُكَلِّفْ " كالجَمَاعة إلا أنه جزمه، فقيل : على جَواب الأمْرِ، وفيه نظرٌ، والذي يَنْبَغِي أن يكُون نَهْياً، وهي جملة مُسْتأنفة، ولا يجُوز أن تكون حَالاً في قراءة عبد الله ؛ لأنَّ الطَّلَب لا يكون حالاً، وقرئ " لا نكلف " بنُون(٣) العَظَمَة ورفع الفِعْل، وهو يَحْتَمِل الحال والاستئنَاف المُتقدِّمَيْن.

فصل في سبب نزول الآية


روي أن رسُول الله ﷺ واعد أبا(٤) سُفيان بعد حَرْب أحد موسم بدر الصُّغْرى في ذِي القَعْدَة، فلما بلغ المِيعَادُ دعَا النَّاس إلى الخُرُوج فكرهه بَعْضُهُم ؛ فأنزل الله :﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ﴾(٥) أي : لا تَدَع جِهَاد العَدُوِّ ولو وحدك، فإن اللَّه قد وعدك بالنُّصْرة، و﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ أي : حثَّهُم(٦) ورغَّبْهم في الثَّواب، فَخَرَج رسُول الله ﷺ في سَبْعِين رَاكِباً فَكَفَاهُم اللَّه القِتَالَ.
والتَّحْرِيض : الحَثُّ على الشيءِ، قال الرَّاغِب(٧) : كأنه في الأصْل إزالةُ الحَرَض، نحو :" قَذَيْتُه " أي : أزَلْت قَذَاهُ وأحْرَضْتُه : أفسَدْتُه كأقذيته، أي : جَعَلْتُ فيه القَذَى، والحَرَضُ في الأصْل : ما لا يُعْتَدُّ به ولا خَيْر فيه، ولذلك يقال للمُشْرِف على الهَلاكِ :" حَرَض " ؛ قال - تعالى - :﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً﴾ [يوسف: ٨٥] وأحرصه كذا، قال :[ البسيط ]
إنِّي امْرؤٌ هَمٌّ فأحْرَضَنِيحَتَّى بلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ(٨)

فصل


دلَّت الآية على أنَّه لو لم يُساعده على القِتَالِ غيره، لم يجز له التَّخَلُّفُ عن الجِهادِ ألْبَتَّة، والمعنى : لا تؤاخذ [ إلا ](٩) بفعلك دون فِعْل غَيْرِك، فإذا أدَّيْت فرضك لا تُكَلِّف بِفَرْض غَيْرِك، واعْلَم : أنَّ الجِهَاد في حَقِّ الرَّسُول ﷺ واجِبٌ، فإنه على ثِقَة من النَّصْر والظَّفْرِ ؛ لقوله - [ تعالى ](١٠) - :﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
[المائدة: ٦٧]، وقوله هَهُنَا :﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وعسى من الله : جَزْمٌ وَاجِبٌ فلزمه الجِهَاد وإن كان وحده بِخِلاف أمَّته، فإنه فَرْضُ كِفَايَة، فما لَمْ يَغْلِب على الظَّنِّ أنه يُفيد، لم يَجِبْ.
وقوله :﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي : قِتَال المُشْركين والبَأس أصله المكرُوه، يقال : ما عَلَيْكَ من هذا الأمْر بَأسٌ، أي : مَكْرُوه، ويقال : بِئسَ الشَّيْء هذا إذا وُصِف بالرَّدَاءَة : قال - تعالى(١١) - :﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] والعَذَاب قد يُسَمَّى بأساً ؛ لكونه مَكْرُوهاً ؛ قال - تعالى - :﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾
[غافر: ٢٩]، ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾.
قوله :﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾ " بأساً " و " تنكيلاً " : تمييز، والتَّنْكِيل تفعيل من النَّكْل وهو القَيْد، ثم اسْتُعْمِل في كُلِّ عذاب يقال : نَكَلْت فُلاناً ؛ إذا عَاقَبْتَه عقوبَةً تَنْكِلُ غَيْره عن ارتِكَابِ مِثْله، من قَوْلِهِم : نَكَل الرَّجُل عن الشَّيءِ، إذا جَبُن عَنْه وامْتَنَع منه ؛ يُقَال : نَكَلَ فلان عن اليَمين ؛ إذا خَافَه(١٢) ولم يُقْدِم عَلَيْه، قال - تعالى - :﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] وقال في حَدِّ السَّرقَة(١٣) :﴿جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، فقوله :﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً﴾ أي : أشد صَوْلَةً وأعظم سُلْطَاناً، ﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾ أي : عُقُوبة، وبيان هذا التَّفَاوُت أنَّ عذاب الله دَائِم، وعذاب غَيْره لا يَدُوم، وعذاب الله لا يَقْدِر أحدٌ على التَّخَلُّص مِنْهُ، وعذاب غَيْره يتخلَّص مِنْه.
١ سقط في أ..
٢ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٢١، والدر المصون ٢/٤٠٤..
٣ ينظر: السابق..
٤ في ب: بني..
٥ تقدم..
٦ في أ: بينهم..
٧ ينظر: المفردات ص ١١٢..
٨ البيت للعرجي. ينظر القرطبي ٩/٢٥٠ وروح المعاني ٥/١٩ ومجاز القرآن ١/٣١٧ والطبري ١٦/٢٢٢ وأمالي ابن الشجري ١/٣٦٩ والصحاح ٣/١٠٧٠ واللسان (حرض) والدر المصون ٢/٤٠٤..
٩ سقط في أ..
١٠ سقط في أ..
١١ في أ: ثعلب..
١٢ في ب: خاف..
١٣ في ب: السارق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى