المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي عليه السلام وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي ﷺ دون الأمة مدة ما، المعنى - والله أعلم - أنه خطاب للنبي عليه السلام في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له ﴿قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك﴾ ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي عليه السلام «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي »(١) وقول أبي بكر وقت الردة :«ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي »، وخلط قوم في تعلق الفاء من قوله ﴿فقاتل﴾ بما فيه بعد(٢)، والوجه أنها عاطفة جملة كلام على جملة، وهي دالة على اطراح غير ما أمر به، ثم خص النبي عليه السلام بالأمر بالتحريض أي الحث على المؤمنين في القيام بالفرض الواجب عليهم. و ﴿عسى﴾ إذا وردت من الله تعالى فقال عكرمة وغيره : إنها واجبة، لأنها من البشر متوقعة مرجوة ففضل الله تعالى يوجب وجوبها، وفي هذا وعد للمؤمنين بغلبتهم للكفرة، ثم قوى بعد ذلك، قلوبهم بأن عرفهم شدة بأس الله، وأنه أقدر على الكفرة، ﴿وأشد تنكيلاً﴾ لهم، التنكيل : الأخذ بأنواع العذاب وترديده عليهم.
١ - أي: حتى أموت، والسالفة: صفحة العنق، وقد كنى بانفرادها عن الموت لأنها لا تنفرد عما يليها إلا به..
٢ - من ذلك قول من يقول: إن وجه العطف بالفاء أن يكون متصلا بقوله: ﴿وما لكم لا تقاتلون﴾، أو بقوله: ﴿فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾، وهو محمول على المعنى على تقدير شرط، أي: إن أردت الفوز فقاتل، وكذلك قول من يقول: إنها معطوفة على قوله: ﴿فقاتلوا أولياء الشيطان﴾..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى