البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الكفل : النصيب، والنصيب في الخير أكثر استعمالاً.
والكفل في الشر أكثر منه في الخير.
المقيت : المقتدر.
قال الزبير بن عبد المطلب :
وذي ضغن كففت النفس عنهوكان على إساءته مقيتاً
أي مقتدراً.
وقال السموءل :
ليت شعري واشعرت إذا ماقربوها منشورة ودعيت
أتى الفصل ثم عليّ إذا حوسبت أني على الحساب مقيت
وقال أبو عبيدة : المقيت الحاضر.
وقال ابن فارس : المقيت المقتدر، والمقيت : الحافظ والشاهد.
وقال النحاس : هو مشتق من القوت، والقوت مقدار ما يحفظ به الإنسان من التلف.
﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها﴾ قال قوم : من يكن شفيعاً لوتر أصحابك يا محمد في الجهاد فيسعفهم في جهاد عدوّهم يكن له نصيب من الجهاد أو من يشفع وتر الإسلام بالمعونة للمسلمين، فتلك حسنة، وله نصيب منها.
وحملهم على هذا التأويل ما تقدم من ذكر القتال والأمر به، وقال قريباً منه الطبري.
وقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم : هي في حوائج الناس، فمن يشفع لنفع فله نصيب، ومن يشفع لضر فله كفل.
وقال الزمخشري : الشفاعة الحسنة هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع عنه بها شر، أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله، ولم يؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله، ولا حق من الحقوق.
والسيئة ما كان بخلاف ذلك انتهى.
وهذا بسط ما قاله الحسن، قال : الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي.
وقيل : الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم لأنها في معنى الشفاعة إلى الله تعالى.
وعن النبي ﷺ :« من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك : ولك مثل ذلك النصيب » ولدعوة على المسلم بضد ذلك.
وقال ابن السائب ومقاتل : الشفاعة الحسنة هنا الصلح بين الاثنين، والسيئة الإفساد بينهما والسعي بالنميمة.
وقيل : الشفاعة الحسنة أن يشفع إلى الكافر حتى يوضح له من الحجج لعله يسلم، والسيئة أن يشفع إلى المسلم عسى يرتد أو ينافق.
والظاهر أنّ من للسبب أي : نصيب من الخير بسببها، وكفل من الشر بسببها.
وتقدم في المفردات أن الكفل النصيب.
وسمي المجازي.
وقال أبان بن تغلب : الكفل المثل.
وقال الحسن وقتادة : هو الوزر والإثم، وغاير في النصيب فذكره بلفظ الكفل في الشفاعة السيئة، لأنه أكثر ما يستعمل في الشر، وإن كان قد استعمل في الخير لقوله :﴿يؤتكم كفلين من رحمته﴾ قالوا : وهو مستعار من كفل البعير، وهو كساء يدار على سنامه ليركب عليه، وسمي كفلاً لأنه لم يعم الظهر، بل نصيباً منه.
﴿وكان الله على كل شيء مقيتاً﴾ أي : مقتدراً قاله السدّي وابن زيد والكسائي.
وقال ابن عباس ومجاهد : حفيظاً وشهيداً.
وقال عبد الله بن كثير : واصباً قيماً بالأمور.
وقيل : المحيط.
وقيل : الحسيب.
وقيل : المجازي.
وقيل : المواظب للشيء الدائم عليه.
قال ابن كثير : وهو قول ابن عباس أيضاً.
وهذه أقوال متقاربة لاستلزام بعضها معنى بعض.
وقال الطبري في قوله : إني على الحساب مقيت، إنه من غير هذه المعاني المتقدّمة، وإنه بمعنى موقوت.
وهذا يضعفه أن يكون بناء اسم الفاعل بمعنى بناء اسم المفعول.
وقال غيره : معناه مقتدر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع أنواعاً الالتفات في قوله : فما أرسلناك.
والتكرار في : من يطع فقد أطاع، وفي : بيت ويبيتون، وفي : اسم الله في مواضع، وفي : أشد، وفي : من يشفع شفاعة.
والتجنيس المماثل في : يطع وأطاع، وفي : بيت ويبيتون، وفي : حييتم فحيوا.
والمغاير في : وتوكل ووكيلاً، وفي : من يشفع شفاعة، وفي : وإذا حييتم بتحية.
والاستفهام المراد به الإنكار في : أفلا يتدبرون.
والطباق في : من الأمن أو الخوف، وفي : شفاعة حسنة وشفاعة سيئة.
والتوجيه في : غير الذي تقول.
والاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في : ولو كان من عند غير الله.
وخطاب العين والمراد به الغير في : فقاتل.
والاستعارة في : في سبيل الله، وفي : أن يكف بأس.
وافعل في : غير المفاضلة في أشد.
وإطلاق كل على بعض في : بأس الذين كفروا واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى.
والحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى