فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿من يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا﴾ أصل الشفاعة والشفعة ونحوهما من الشفع وهو : الزوج، ومنه الشفيع ؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعاً، ومنه ناقة شفوع : إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة، وناقة شفيع : إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع : ضمّ واحد إلى واحد، والشفعة : ضم ملك الشريك إلى ملكك، فالشفاعة : ضمّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، واتصال منفعة إلى المشفوع له. والشفاعة الحسنة هي : في البرّ والطاعة. والشفاعة السيئة في المعاصي، فمن شفع في الخير ؛ لينفع فله نصيب منها، أي : من أجرها، ومن شفع في الشر، كمن يسعى بالنميمة والغيبة كان له كفل منها، أي : نصيب من وزرها. والكفل : الوزر والإثم، واشتقاقه من الكساء الذي يجعله الراكب على سنام البعير لئلا يسقط، يقال اكتفلت البعير : إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه ؛ لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيباً منه، ويستعمل في النصيب من الخير والشرّ.
ومن استعماله في الخير قوله تعالى :﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] ﴿وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً﴾ أي : مقتدراً، قاله الكسائي. وقال الفراء : المقيت الذي يعطي كل إنسان قوته يقال : قته أقوته قوتاً، وأقته أقيته إقاتة، فأنا قائت ومقيت، وحكى الكسائي أقات يقيت. وقال أبو عبيدة : المقيت الحافظ. قال النحاس : وقول أبي عبيدة أولى ؛ لأنه مشتق من القوت، والقوت معناه : مقدار ما يحفظ الإنسان. وقال ابن فارس في المجمل : المقيت المقتدر، والمقيت : الحافظ والشاهد. وأما قول الشاعر :
ألي الفضل أم عليّ إذا حوسبت إني على الحساب مقيت
فقال ابن جرير الطبري إنه من غير هذا المعنى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي سنان في قوله :﴿وَحَرّضِ المؤمنين﴾ قال : عظهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً﴾ الآية، قال : شفاعة الناس بعضهم لبعض. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا﴾ قال : حظ منها. وقوله :﴿كِفْلٌ منْهَا﴾ قال : الكفل هو الإثم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال : الكفل الحظ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله :﴿وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً﴾ قال : حفيظاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن رواحة : أنه سأله رجل، عن قول الله :﴿وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً﴾ قال : يقيت كل إنسان بقدر عمله. وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿مُّقِيتاً﴾ قال : شهيداً. وأخرج ابن جرير عنه ﴿مُّقِيتاً﴾ قال : شهيداً حسيباً حفيظاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله :﴿مُّقِيتاً﴾ قال : قادراً. وأخرج ابن جرير، عن السدّي قال : المقيت القدير. وأخرج أيضاً، عن ابن زيد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال : المقيت الرزاق. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : من سلم عليك من خلق الله، فاردد عليه، وإن كان يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً، ذلك بأن الله يقول :﴿وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي بسند حسن عن سلمان الفارسي قال :«جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال : السلام عليك يا رسول الله، فقال :" وعليك ورحمة الله "، ثم أتى آخر، فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال : وعليك ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر، فقال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال له :
«وعليك»، فقال له الرجل : يا نبي الله، بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي ؟ فقال :«إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله :﴿وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فرددناها عليك»
وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي هريرة : أن رجلاً مرّ على رسول الله ﷺ، وهو في مجلس، فقال : سلام عليكم، فقال :«عشر حسنات»، فمرّ رجل آخر، فقال : السلام عليكم ورحمة الله، فقال : عشرون حسنة، فمرّ رجل آخر، فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال :«ثلاثون حسنة» وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج البيهقي، عن سهل بن حنيف مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي، عن عمران بن حصين مرفوعاً نحوه أيضاً، وزاد بعد كل مرّة أن النبي ﷺ ردّ عليه، ثم قال :«عشر» إلى آخره. وأخرج أبو داود، والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني مرفوعاً نحوه. وزاد بعد قوله وبركاته : ومغفرته، فقال :«أربعون»، يعني حسنة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى