محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
ثم أشار تعالى إلى أن التحريض على القتال شفاعة تكفير الكبائر ورفع الدرجات فقال :( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا٨٥ ).
( من يشفع شفاعة حسنة ) أي يتوسط في أمر فيترتب عليه خير من دفع ضر، أو جلب نفع، ابتغاء لوجه الله تعالى. ومنه حمل المؤمنين على قتال الكفار ( يكن له نصيب منها ) وهو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير الواقع بها ( ومن يشفع شفاعة سيئة ) وهي ما كانت بخلاف الحسنة، بأن كانت في أمر غير مشروع ( يكن له كفل منها ) أي : نصيب من وزرها الذي ترتب على سعيه، مساو لها في المقدار من غير أن ينقص منه شيء.
فوائد
الأولى : قال السيوطي في ( الاكليل ) : في الآية مدح الشفاعة وذم السعاية. وهي الشفاعة السيئة، وذكر الناس عند السلطان بالسوء. وهي معدودة من الكبائر.
الثانية : روي في فضل الشفاعة أحاديث كثيرة. منها ما أخرجه الشيخان(١) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال :" كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال : اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب ". وعن ابن عباس(٢) رضي الله عنهما في قصة بريرة وزوجها قال :" قال لها النبي ﷺ : لو راجعته ! قالت : يا رسول الله ! تأمرني ؟ قال : إنما أنا أشفع. قالت : لا حاجة لي فيه ". رواه البخاري.
الثالثة : قال مجاهد والحسن والكلبي وابن زيد : نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. فما يجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة. وما لا يجوز أن يشفع فيه، فهو شفاعة سيئة. ثم قال الحسن : من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر، وان لم يشفع. لأن الله تعالى يقول :( من يشفع ). ولم يقل : من يشفّع. ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام(٣) :" اشفعوا تؤجروا ". نقله الرازي.
الرابعة : قال الزمخشري : الشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من الحقوق. يعني الواجبة عليه. والسيئة ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروق : أنه شفع شفاعة. فأهدى إليه المشفوع جارية. فغضب وردها. وقال : لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك. ولا أتكلم فيما بقي منها. انتهى.
وروى أبو داود(٤) : أن رسول الله ﷺ قال :" ثم شفع لأخيه بشفاعة، فأهدى له هدية عليها، فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الكبائر ". وهذا الحديث أورده أيضا المنذري في ( كتاب الترغيب والترهيب ) في ترجمة ( الترغيب في قضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم، وما جاء فيمن شفع فأهدي إليه ) ثم ساق حديث الشيخين(٥) وغيرهما عن أبن عمر ان رسول الله ﷺ قال :" المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يسلمه. ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كرب الدنيا يوم القيامة. ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ". وروى الطبراني بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ :" ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه، ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرم، فقد عرض تلك النعمة للزوال ". وروي نحوه عن عائشة وابن عمر وابن عمرو. وروى الطبراني وابن حبان في ( صحيحه ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله ﷺ :" من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر أو تيسير عسير، أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام ". وفي رواية للطبراني عن أبي الدرداء :" رفعه الله في الدرجات العلا من الجنة ". وروى الطبراني عن الحسن بن علي رضي الله عنهما عن النبي ﷺ :" ان من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم ". ورواه عن عمر مرفوعا بلفظ :" أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن ". ورواه بنحو ذلك أيضا عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم. انظر الترغيب.
الخامسة : نكتة اختيار النصيب في ( الحسنة ) والكفل في ( السيئة ) ما أشرنا إليه. وذلك أن النصيب يشمل الزيادة. لأن جزاء الحسنات يضاعف. وأما الكفل فأصله المركب الصعب. ثم استعير للمثل المساوي. فلذا اختير، إشارة إلى لطفه بعباده. إذا لم يضاعف السيئات كالحسنات. ويقال : انه وان كان معناه المثل لكنه غلب في الشر وندر في غيره. كقوله تعالى :( يؤتكم كفلين من رحمته ) (٦) فلذا خص به السيئة تطرية وهربا من التكرار. و ( من ) بيانية أو ابتدائية. أفاده الخفاجي ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) أي : مقتدرا. من ( أقات على الشيء ) إذا اقتدر عليه كما قال(٧) :
وذي ضغن كففت النفس عنهوكنت على مساءته مقيتا
أي رب ذي حقد علي كففت السوء عنه مع القدرة عليه. أو شهيدا حافظا. واشتقاقه من ( القوت ) فإنه يقوي البدن ويحفظه.
١ أخرجه موسى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، اذا جاءه سائل، أو طلبت اليه حاجة قال: "اشفعوا تؤجروا. ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء"..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٨ –كتاب الطلاق، ١٦ –باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة، حديث ٢١٥٤. ونصه: عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث. كأني أنظر اليه يطوف خلفها يبكي. ودموعه تسيل على لحيته. فقال النبي ﷺ لعباس: "يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا؟".
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو راجعته!" قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: "انما أنا أشفع".
قالت: لا حاجة لي فيه..

٣ أخرجه البخاري في: ٢٤ –كتاب الزكاة، ٢١ –باب التحريض على الصداقة والشفاعة فيها، حديث ٧٦٥ ونصه:
عن أبي موسى رضي الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، اذا جاءه السائل، أو طلبت اليه حاجة، قال: "اشفعوا تؤجروا. ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء"..

٤ أخرجه أبو داود في: ٢٢ –كتاب البيوع، ٨٢ –باب الهدية لقضاء الحاجة، حديث ٣٥٤١، عن أبي أمامة..
٥ أخرجه البخاري في: ٤٦ –كتاب المظالم، ٣ –باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، حديث ١٢٠٢..
٦ |٥٧/ الحديد/ ٢٨| ونصها: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم٢٨)..
٧ البيت استشهد به الطبري في (ج ٨ ص ٥٨٤)، والطبرسي في (ج ٣ ص ٨٤)، ومقاييس اللغة وفيه: على اساءته، و الزمخشري (ج ١ ص ٣٧٨) ونصه فيه:
وذي ضغن نفيت السوء عنه وكنت على اساءته مقيتا
وجاء في اللسان حسب رواية الكتاب. ولكن قال في الحاشية ما يأتي:
قوله: (على مساءته مقيتا) تبع الجوهري. وقال في التكملة: الرواية (أقيت) قال: والقافية مضمونة وبعده:
يبيت الليل مرتفقا ثقيلا على فرش القناة وما أبيت
تعن الي منه مؤذيات كما تبري الجذامير البروت
والبروت جمع برت، فاعل تبري كترمي. والجذامير مفعوله على حسب ضبطه. اه.
والبرت: الفأس (يمانية) والجذمور: بقية كل شيء مقطوع، عن ابن الأعرابي.
وجاء في حماسة ابن الشجري ص ٢٥: وقائله هو أبو قيس ابن رفاعة ونصه فيها:
وذي ضغن نفيت السوء عنه وكنت على اساءته مقيتا
وكذا في طبقات الشعراء للجمحي ص ٢٤٣ وفيها: وكنت، على مساءته مقيت.
وانظر تعليق السيد محمود محمد شاكر على هذا البيت..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى