فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿من يشفع شفاعة حسنة﴾ أصل الشفاعة والشفعة ونحوهما من الشفع وهو الزوج ومنه الشفيع لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا، ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة، وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها، والشفع ضم واحد إلى واحد، والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك فالشفاعة ضم غيرك إلى جاهلك ووسيلتك فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعة إلى المشفوع له، والشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة فمن شفع في الخير لينفع(١).
﴿يكن له نصيب﴾ حظ ﴿منها﴾ أي من أجرها، وقد بين النصيب في حديث من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك آمين ولك مثل " هذا(٢) " فهذا بيان لمقدار النصيبب الموعود به قاله أبو السعود، وعن أبي موسى قال : كان رسول الله ﷺ جالسا فجاء رجل يسأل فأقبل علينا بوجهه وقال : اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسول ما شاء أخرجه الشيخان.
﴿ومن يشفع شفاعة سيئة﴾ الظاهر أن إطلاق الشفاعة هنا من قبيل المشاكلة لأن حقيقتها اللغوية تقتضي أنها لا تكون إلا في الخير، قال الخازن : هي النميمة والغيبة ونقل الحديث لإيقاع العداوة بين الناس، وقيل المراد دعاء اليهود على المسلمين وقيل معناه من يشفع كفره بقتال المؤمنين.
﴿يكن له كفل منها﴾ أي من وزرها والكفل الوزر، واشتقاقه من الكساء الذي يجعله الراكب على سنام البعير لئلا يسقط، يقال اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيبا منه، ويستعمل في النصيب من الخير والشر، ومن استعماله في الخير قوله تعالى ﴿يؤتكم كفلين من رحمته﴾.
﴿وكان الله على كل شيء مقيتا﴾ أي مقتدرا قاله الكسائي، وقال الفراء : المقيت الذي يعطي كل إنسان قوته، يقال قته أقوته قوتا وأقته قوتا إقاتة فأنا قائت ومقيت، وحكى الكسائي : أقات يقيت وقال أبو عبيدة : المقيت الحافظ، قال النحاس : وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان، وقال ابن فارس في المجمل : المقيت المقتدر والحفظ والشاهد، قوال مجاهد : مقيتا أي شهيدا حسيبا حفيظا، وقال سعيد ابن جرير وابن زيد قادرا قديرا وعن الضحاك المقيت الرزاق(٣).
١ القرطبي٥/٢٩٦..
٢ القرطبي٥/٢٩٦..
٣ والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يشفع، لأنه تعالى قال: ﴿من يشفع﴾ ولم يقل يشفع. وفي صحيح مسلم "اشفعوا تؤجروا وليقض الله علس لسان نبيه ما أحب".
وجاء في الحديث: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" و"يقيت" ذكره الثعلبي: وحكى ابن فارس في المجمل: المقيت المقتدر، والمقيت الحافظ، وما عنده قيت ليلة وقوت ليلة. والله أعلم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى