الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ : جوابُ قسمٍ محذوف، وفي جملةِ هذا القسم مع جوابِه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُهما : أنها في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً لقوله " اللَّهُ "، و " لا إلهَ إلا هو " جملةُ خبر أول. والثاني : انها خبر لقوله :" الله " أيضاً، و " لا إله إلا هو " جملة اعتراضٍ بين المبتدأ وخبره. والثالث : أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب. وقد تقدم إعراب
﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [ الآية : ٢٥٥ ] و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [ الآية : ٣ ] في البقرة.
قوله :﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها : أنها على بابِها من انتهاءِ الغايةِ، قال الشيخ :" ويكونُ الجمعُ في القبور، أو تُضمِّن " ليجمعنَّكم " معنى ليحشرنَّكم " فيُعَدَّى ب " إلى " يعني أنه ضُمِّن الجمعُ معنى الحَشْر لم يَحْتج إلى تقدير مجموع فيه. وقال أبو البقاء - بعد أَنْ جَوَّز فيها أن تكونَ بمعنى " في " - " وقيل : هي على بابها أي : ليجمعنَّكم في القبور، فعلى هذا يجوز أن يكون مفعولاً به، ويجوز أن يكونَ حالاً أي : ليجمعنَّكم مُفْضِين إلى حساب يوم القيامة " يريد بقوله " مفعولاً به " أنه فَضْلَةٌ كسائرِ الفَضَلات نحو :" سرت إلى الكوفة " ولكن لا يَصِحُّ ذلك إلا بأَنْ يُضَمَّنَ الجمعُ معنى الحشر كما تقدم، وأمَّا تقديرُه الحالَ ب " مُفَضِين " فغيرُ جائزٍ لأنه كونٌ مقيِّدٌ. والثاني : أنها بمعنى " في " أي : في يوم القيامة، ونظيرُه قولُ النابغة :
فلا تَتْرُكَنِّي بالوعيدِ كأننيإلى الناسِ مَطْلِيُّ به القارُ أَجْرَبُ
أي : في الناس. والثالث : أنها بمعنى " مع "، وهذا غيرُ واضح المعنى. والقيامة بمعنى القِيام كالطَّلابة والطِّلاب، قالوا : ودَخَلَتْ التاءُ فيه للمبالغة كعَلاَّمة ونَسَّابة لشدةِ ما يقع فيه من الهَوْل، وسُمِّي بذلك لقيامِ الناس فيه للحسابِ، قال تعالى :﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. والجملةُ من قوله :" لا ريب فيه " فيها وجهان، أحدُهما : أنها في محلِّ نصب على الحال من " يوم " فالضمير في " فيه " يعودُ عليه، والثاني : أنها في محلِّ نصبٍ نعتاً لمصدرٍ محذوف دَلَّ عليه " ليجمعنَّكم " أي : جمعاً لا ريبَ فيه، والضميرُ يعود عليه والأولُ أظهرُ. " ومَنْ أصْدَقُ " تقدَّم نظيرُ هذه الجملة. و " حديثاً " نصبٌ على التمييز. وقرأ الجمهور " أَصْدَقُ " بصاد خالصة، وحمزة والكسائي بإشمامها زاياً، وهكذا كلُّ صادٍ ساكنةٍ بعدها دالٌ، نحو :" تَصْدُقون " و " تَصْدِيَةً " وهذا كما فعل حمزة في ﴿الصّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦] و ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] للمجانسةِ قَصْدَ الخِفَّةِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى