اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله - تعالى - :" فما لكم " : مبتدأ وخَبَر، و " في المنافقين " فيه ثلاثة أوجُه :
أحدها : أنه متعلِّقٌ بما تعلَّق الخَبَرُ، وهو " لكم "، أي : أيُّ شَيْءٍ كائنٌ لكم - أو مُسْتَقِرٌّ لكم - في أمْر المُنَافِقِين.
والثاني : أنه مُتَعَلِّق بمعنى فئتين، فإنَّه في قُوَّة " مالكم تفترقون في أمور المنافقين " فحُذِف المُضافُ، وأُقيم المُضَافُ إليه مقامه.
والثالث : أنه مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ على أنه حالٌ من " فئتين " ؛ لأنه في الأصْل صفةٌ لها، تقديرُه : فئتين مُفْترِقَتَيْن في المُنَافِقِين، وصفةُ النكرة إذا قُدِّمت عليها، انتصبَتْ حَالاً.
وفي " فئتين " وجْهَان :
أحدُهما : أنها حالٌ من الكافِ والميم في " لَكُم "، والعَامِلُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به " لَكُم " ؛ ومثله :﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] وقد تقدَّم أنَّ هذه الحَال لازمةٌ ؛ لأن الكلامَ لا يَتِمُّ دونَها، وهذا مذهبُ البَصْرِيَِّين في كل ما جَاءَ من هذا التَّرْكِيب.
والثاني - وهو مذهب الكوفيين - : أنه نَصْبٌ على خَبَر " كان " مُضْمَرةً، والتقدير : ما لَكُم في المُنَافِقِين كنتم فئتين، وأجَازُوا :" ما لك الشاتم " أي : ما لك كُنْتَ الشَّاتِمَ، والبَصْرِيُّون لا يُجِيزُون ذلك ؛ لأنه حالٌ والحالُ لا تتعرَّف، ويدلُّ على كَونهِ حالاً التزامُ مَجِيئهِ في هذا التَّركِيب نَكِرةً، وهذا كما قالُوا في " ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً " : إنَّ " قائماً " لا يجُوز نصبُه على خَبَر " كان " المُقَدَّرةِ، بل على الحَالِ ؛ لالتزامِ تَنْكِيره. وقد تقدَّم اشتِقَاقُ " الفِئَة " في البقرة.
قال قوم : نَزَلت في الذين تخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُد من المُنَافِقِين، وقالوا :﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]. فاختلف أصْحَاب الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - : فقالَتْ مِنْهُم فرقة : كَفَرُوا، وآخَرُون قالوا : لَمْ يَكْفُرُوا، فنزلت الآية ؛ وهو قول زَيْد بْنِ ثَابِت(١) وطُعِن في هذا الوَجْهِ : بأن في نَسَقِ الآية ما يقْدَحُ فيه وأنَّهم من أهْل مكَّة ؛ وهو قوله :﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾.
وقال مُجَاهِد : هم قَوْم خَرَجُوا إلى المَدِينَة، وأسْلَمُوا ثم ارْتَدُّوا، واسْتَأذَنُوا رسُول الله ﷺ إلى مَكَّة ؛ ليأتوا بِبِضَائِع لَهُمْ يتَّجِرُون فيها، فَخَرَجُوا وأقَامُوا بمكَّة، فاختلف المسلمون فيهم(٢) : فقائل يَقُول : هم مُنَافِقُون، وقائل يَقُول : هُمْ مُؤْمِنُون.
وقيل : نزلت في نَاسٍ(٣) من قُرَيْش قَدِمُوا المَدِينَةَ، وأسْلَمُوا ثم نَدِمُوا على ذلك، فَخَرَجُوا كهيئة المُتَنَزِّهِين حتى بَعُدوا عن المدينة، فكتَبُوا إلى رسُول الله ﷺ : إنَّا عَلَى الَّذِي وافقْنَاك عليه من الإيمَانِ، ولَكِنَّا اجتوينا المدينة واشْتَقْنَا إلى أرْضِنا، ثم إنَّهُم خرجوا في تجارةٍ لَهُم نحو الشَّامِ فَبَلَغَ ذَلِك المُسْلِمِين، فقال بَعْضُهم(٤) : نخرج إليْهم فنقتلهم ونأخذ ما مَعَهُم ؛ لأنَّهم رَغِبُوا عن دِيننَا، وقالت طَائِفة : كيف تَقْتُلون قوماً على دينكُم إن لَمْ يَذَرُوا دِيَارَهم، وكان هَذَا بِعَيْن النَّبِيِّ ﷺ، وهو سَاكِتٌ لا يَنْهَى واحداً من الفَرِيقَيْن ؛ فنزلت الآية.
وقيل : هم العرنيون(٥) : وقال ابْن زَيْد : نزلت في أهل الإفكِ(٦)، وقال ابن عبَّاسٍ وقتادة : هم قَوْمٌ أسْلَمُوا بمكَّة ثم لم يُهَاجِرُوا وكانُوا يُظَاهِرُون المُشْرِكين، فاختلف المُسْلِمُون فيهم وتشاجروا، فنزلت :" فما لكم " يا معشر المؤمنين ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أي : صرتم فيهم فئتين، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ أي : نكَّسَهُم ورَدَّهم إلى الكُفْرِ وأحْكَامه من الذُّلِّ والصِّغَار والسَّبْي والقَتْل(٧).
قال الحسن : وإنما سَمَّاهم مُنَافِقِين وإن أظْهَرُوا الكُفْر ؛ لأنهم وُصِفُوا بالصِّفَةِ التي كَانُوا عَلَيْهَا من قَبْل(٨).
قوله :﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وفيها وجهان :
أظهرهما : أنها حالٌ، إمَّا من المُنَافِقِين - وهو الظَّاهِرُ -، وإمَّا من المُخَاطبين، والرابطُ الواوُ، كأنه أنكرَ عليهم اختلافهم في هؤلاء، والحالُ أنَّ الله قد ردَّهم إلى الكُفْر.
والثاني : أنها مُسْتَأنفةٌ أخبر - تعالى - عنهم بذلك. و " بما كسبوا " مُتَعَلِّقٌ ب " أركسهم " والبَاءُ سَبَبِيَّة، أي : بسبب كَسْبِهِم، و " ما " مصدريَّةٌ أو بمعنى الَّذِي، والعائدُ مَحْذُوفٌ على الثَّانِي، لا على الأوَّلِ على الصَّحِيح.
والإركاس : الردُّ والرَّجْعُ، ومنه الرِّكْس، قال - عليه السلام - في الرَّوْثة لمَّا أُتِيَ بها :" إنها ركس ". وقال أمَيَّة بن أبِي الصَّلْت :[ البسيط ]
أي : رُدُّوا، وقال الرَّاغِب :" الرِّكْس والنِّكْس : الرَّذْلُ، إلا أنَّ الرِّكْس أبلغُ ؛ لأن النِّكْسَ : ما جُعِل أعلاه أسْفَله، والرِّكْسَ : ما صَارَ رَجِيعاً بعد أن كَانَ طعاماً ".
وقال النَّضْر بن شميل والكَسَائي : الرَّكْس والنِّكْس : قلب الشَّيْء على رَأسِه، أو رَدُّ أوَّلِهِ على آخِره، والمَرْكُوس والمنكُوسُ وَاحِدٌ.
وقيل : أرْكسه أوْبقَه، قال :[ المتقارب ]
وقيل : الإركاس : الإضلال، ومنه :[ المتقارب ]
وقيل : هو التنكيسُ، ومنه :[ الرمل ]
وارتكَس فُلانٌ في أمْر كَانَ، أي : نَجَا مِنْهُ والرُّكُوسِيَّةُ : قوْمٌ بين النَّصَارى والصَّابِئِين، والرَّاكِس : الثَّور وسْط البَيْدَر(١٣) والثيران حوالَيه وقت الدياس.
ويقال : أرْكس ورَكَّس بالتَّشْدِيد ورَكَّس بالتَّخْفِيف : ثلاث لُغَات بمعنى واحد، وارتكَس هو، أي : رجع.
وقرأ(١٤) عبد الله :" ركسهم " ثلاثياً، وقرئ(١٥) " ركَّسهم -ركَّسوا " بالتشديد فيهما.
وقال أبو البقاء(١٦) :" وفيه لُغَةٌ أخرى :" ركسه الله " من غير همز ولا تشديد، ولا أعلم أحَداً قرأ به ".
قلت : قد تقدَّم أن عبد الله قَرَأ " والله ركسهم " من غير همز ولا تشديد [ ونقل ابن الخطيب أنَّها قراءة أبيِّ أيْضاً ] وكلام أبي البَقَاءِ مُخْلِّصٌ ؛ فإنه إنما ادَّعى عَدَمَ العلمِ بأنَّها قِرَاءةٌ، لا عدمَ القراءة بها.
قال الرَّاغب :" إلا أن " أركسه " أبلغُ من " ركسه " ؛ كما أنَّ أسْفَلَه أبلغُ من سُفْلَه " وفيه نظر.
قوله :﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ قالت المُعتزِلة : المُرَاد من قوله :" أضل الله " ليس أنَّه هو خلق الضَّلال فيه للوُجُوه المَشْهُورة ؛ لأنه قال قبل هذه الآية :﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ فبيَّن - تعالى - [ أنه ](١٧) إنَّمَا رَدَّهُم وطَرَدَهُم بسبب كَسْبِهِم وفِعْلِهِم، وذلك يَنْفِي القَوْل بأنَّ ضلالَهُم حصل بِخَلْق الله، وعند هذا حَمَلُوا قوله :" ومن أضل [ الله ](١٨) " على وُجُوه :
أحدُها : المُرَاد أنَّ الله حَكَم بضلالهم وكُفْرِهم ؛ كما يُقَال : فلان يكفر فُلاناً ويضَلِّلُه، بمعنى : أنه حَكَم به وأخبر(١٩) عنه.
وثانيها : أن المَعْنَى : أتُريدون أن تَهْدُوا إلى الجَنَّةِ من أضَلَّه الله عن طريق الجَنَّةِ ؛ وذلك لأنَّه - تعالى - يُضِلُّ الكُفَّار يوم القيامَة عن الاهْتِدَاء إلى طريق الجَنَّةِ.
وثالثها : أن يُفَسَّر الإضْلال بمعنى الألْطَاف، وقد تقدَّم ضَعْفُ هذه الوُجُوه، ثُمَّ نقول : هَبْ أنَّها صحيحة، ولكِنَّه - تعالى - أخْبَر عن كُفْرِهِم وضلالِهِم، وأنَّهم لا يَدْخُلون الجَنَّة، فقد تَوَجَّه الإشْكَال ؛ لأن انْقِلاب علم الله - تعالى - جهلا مُحَالٌ، والمُفْضِي إلى المُحَالِ مُحَالٌ، ويدل على أنَّ المُرَاد أنه - تعالى - أضَلَّهُم عن الدِّين - قوله - تعالى- :﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ والمَعْنى : أنه - تعالى - لمَّا أضلَّهُم عن الإيمَانِ امتنع أن يجد المَخْلُوق سَبِيلاً إلى إدْخَالِه في الإيمَانِ.
أحدها : أنه متعلِّقٌ بما تعلَّق الخَبَرُ، وهو " لكم "، أي : أيُّ شَيْءٍ كائنٌ لكم - أو مُسْتَقِرٌّ لكم - في أمْر المُنَافِقِين.
والثاني : أنه مُتَعَلِّق بمعنى فئتين، فإنَّه في قُوَّة " مالكم تفترقون في أمور المنافقين " فحُذِف المُضافُ، وأُقيم المُضَافُ إليه مقامه.
والثالث : أنه مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ على أنه حالٌ من " فئتين " ؛ لأنه في الأصْل صفةٌ لها، تقديرُه : فئتين مُفْترِقَتَيْن في المُنَافِقِين، وصفةُ النكرة إذا قُدِّمت عليها، انتصبَتْ حَالاً.
وفي " فئتين " وجْهَان :
أحدُهما : أنها حالٌ من الكافِ والميم في " لَكُم "، والعَامِلُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به " لَكُم " ؛ ومثله :﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] وقد تقدَّم أنَّ هذه الحَال لازمةٌ ؛ لأن الكلامَ لا يَتِمُّ دونَها، وهذا مذهبُ البَصْرِيَِّين في كل ما جَاءَ من هذا التَّرْكِيب.
والثاني - وهو مذهب الكوفيين - : أنه نَصْبٌ على خَبَر " كان " مُضْمَرةً، والتقدير : ما لَكُم في المُنَافِقِين كنتم فئتين، وأجَازُوا :" ما لك الشاتم " أي : ما لك كُنْتَ الشَّاتِمَ، والبَصْرِيُّون لا يُجِيزُون ذلك ؛ لأنه حالٌ والحالُ لا تتعرَّف، ويدلُّ على كَونهِ حالاً التزامُ مَجِيئهِ في هذا التَّركِيب نَكِرةً، وهذا كما قالُوا في " ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً " : إنَّ " قائماً " لا يجُوز نصبُه على خَبَر " كان " المُقَدَّرةِ، بل على الحَالِ ؛ لالتزامِ تَنْكِيره. وقد تقدَّم اشتِقَاقُ " الفِئَة " في البقرة.
فصل
قال قوم : نَزَلت في الذين تخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُد من المُنَافِقِين، وقالوا :﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]. فاختلف أصْحَاب الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - : فقالَتْ مِنْهُم فرقة : كَفَرُوا، وآخَرُون قالوا : لَمْ يَكْفُرُوا، فنزلت الآية ؛ وهو قول زَيْد بْنِ ثَابِت(١) وطُعِن في هذا الوَجْهِ : بأن في نَسَقِ الآية ما يقْدَحُ فيه وأنَّهم من أهْل مكَّة ؛ وهو قوله :﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾.
وقال مُجَاهِد : هم قَوْم خَرَجُوا إلى المَدِينَة، وأسْلَمُوا ثم ارْتَدُّوا، واسْتَأذَنُوا رسُول الله ﷺ إلى مَكَّة ؛ ليأتوا بِبِضَائِع لَهُمْ يتَّجِرُون فيها، فَخَرَجُوا وأقَامُوا بمكَّة، فاختلف المسلمون فيهم(٢) : فقائل يَقُول : هم مُنَافِقُون، وقائل يَقُول : هُمْ مُؤْمِنُون.
وقيل : نزلت في نَاسٍ(٣) من قُرَيْش قَدِمُوا المَدِينَةَ، وأسْلَمُوا ثم نَدِمُوا على ذلك، فَخَرَجُوا كهيئة المُتَنَزِّهِين حتى بَعُدوا عن المدينة، فكتَبُوا إلى رسُول الله ﷺ : إنَّا عَلَى الَّذِي وافقْنَاك عليه من الإيمَانِ، ولَكِنَّا اجتوينا المدينة واشْتَقْنَا إلى أرْضِنا، ثم إنَّهُم خرجوا في تجارةٍ لَهُم نحو الشَّامِ فَبَلَغَ ذَلِك المُسْلِمِين، فقال بَعْضُهم(٤) : نخرج إليْهم فنقتلهم ونأخذ ما مَعَهُم ؛ لأنَّهم رَغِبُوا عن دِيننَا، وقالت طَائِفة : كيف تَقْتُلون قوماً على دينكُم إن لَمْ يَذَرُوا دِيَارَهم، وكان هَذَا بِعَيْن النَّبِيِّ ﷺ، وهو سَاكِتٌ لا يَنْهَى واحداً من الفَرِيقَيْن ؛ فنزلت الآية.
وقيل : هم العرنيون(٥) : وقال ابْن زَيْد : نزلت في أهل الإفكِ(٦)، وقال ابن عبَّاسٍ وقتادة : هم قَوْمٌ أسْلَمُوا بمكَّة ثم لم يُهَاجِرُوا وكانُوا يُظَاهِرُون المُشْرِكين، فاختلف المُسْلِمُون فيهم وتشاجروا، فنزلت :" فما لكم " يا معشر المؤمنين ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أي : صرتم فيهم فئتين، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ أي : نكَّسَهُم ورَدَّهم إلى الكُفْرِ وأحْكَامه من الذُّلِّ والصِّغَار والسَّبْي والقَتْل(٧).
قال الحسن : وإنما سَمَّاهم مُنَافِقِين وإن أظْهَرُوا الكُفْر ؛ لأنهم وُصِفُوا بالصِّفَةِ التي كَانُوا عَلَيْهَا من قَبْل(٨).
قوله :﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وفيها وجهان :
أظهرهما : أنها حالٌ، إمَّا من المُنَافِقِين - وهو الظَّاهِرُ -، وإمَّا من المُخَاطبين، والرابطُ الواوُ، كأنه أنكرَ عليهم اختلافهم في هؤلاء، والحالُ أنَّ الله قد ردَّهم إلى الكُفْر.
والثاني : أنها مُسْتَأنفةٌ أخبر - تعالى - عنهم بذلك. و " بما كسبوا " مُتَعَلِّقٌ ب " أركسهم " والبَاءُ سَبَبِيَّة، أي : بسبب كَسْبِهِم، و " ما " مصدريَّةٌ أو بمعنى الَّذِي، والعائدُ مَحْذُوفٌ على الثَّانِي، لا على الأوَّلِ على الصَّحِيح.
والإركاس : الردُّ والرَّجْعُ، ومنه الرِّكْس، قال - عليه السلام - في الرَّوْثة لمَّا أُتِيَ بها :" إنها ركس ". وقال أمَيَّة بن أبِي الصَّلْت :[ البسيط ]
| فَأرْكِسُوا في جَحِيمِ النَّارِ إنَّهُمُ | كَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الإفْكَ وَالزُّورَا(٩) |
وقال النَّضْر بن شميل والكَسَائي : الرَّكْس والنِّكْس : قلب الشَّيْء على رَأسِه، أو رَدُّ أوَّلِهِ على آخِره، والمَرْكُوس والمنكُوسُ وَاحِدٌ.
وقيل : أرْكسه أوْبقَه، قال :[ المتقارب ]
| بِشُؤْمِكَ أرْكَسْتَنِي فِي الخَنَا | وأرْمَيْتَنِي بِضُرُوبِ الْعَنَا(١٠) |
| وأرْكَسْتَنِي عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى | وصَيَّرتَنِي مَثَلاً لِلْعِدَى(١١) |
| رُكِّسُوا في فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ | كَسَوَادِ اللَّيْلِ يَتْلُوهَا فِتَنْ(١٢) |
ويقال : أرْكس ورَكَّس بالتَّشْدِيد ورَكَّس بالتَّخْفِيف : ثلاث لُغَات بمعنى واحد، وارتكَس هو، أي : رجع.
وقرأ(١٤) عبد الله :" ركسهم " ثلاثياً، وقرئ(١٥) " ركَّسهم -ركَّسوا " بالتشديد فيهما.
وقال أبو البقاء(١٦) :" وفيه لُغَةٌ أخرى :" ركسه الله " من غير همز ولا تشديد، ولا أعلم أحَداً قرأ به ".
قلت : قد تقدَّم أن عبد الله قَرَأ " والله ركسهم " من غير همز ولا تشديد [ ونقل ابن الخطيب أنَّها قراءة أبيِّ أيْضاً ] وكلام أبي البَقَاءِ مُخْلِّصٌ ؛ فإنه إنما ادَّعى عَدَمَ العلمِ بأنَّها قِرَاءةٌ، لا عدمَ القراءة بها.
قال الرَّاغب :" إلا أن " أركسه " أبلغُ من " ركسه " ؛ كما أنَّ أسْفَلَه أبلغُ من سُفْلَه " وفيه نظر.
فصل
قوله :﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ قالت المُعتزِلة : المُرَاد من قوله :" أضل الله " ليس أنَّه هو خلق الضَّلال فيه للوُجُوه المَشْهُورة ؛ لأنه قال قبل هذه الآية :﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ فبيَّن - تعالى - [ أنه ](١٧) إنَّمَا رَدَّهُم وطَرَدَهُم بسبب كَسْبِهِم وفِعْلِهِم، وذلك يَنْفِي القَوْل بأنَّ ضلالَهُم حصل بِخَلْق الله، وعند هذا حَمَلُوا قوله :" ومن أضل [ الله ](١٨) " على وُجُوه :
أحدُها : المُرَاد أنَّ الله حَكَم بضلالهم وكُفْرِهم ؛ كما يُقَال : فلان يكفر فُلاناً ويضَلِّلُه، بمعنى : أنه حَكَم به وأخبر(١٩) عنه.
وثانيها : أن المَعْنَى : أتُريدون أن تَهْدُوا إلى الجَنَّةِ من أضَلَّه الله عن طريق الجَنَّةِ ؛ وذلك لأنَّه - تعالى - يُضِلُّ الكُفَّار يوم القيامَة عن الاهْتِدَاء إلى طريق الجَنَّةِ.
وثالثها : أن يُفَسَّر الإضْلال بمعنى الألْطَاف، وقد تقدَّم ضَعْفُ هذه الوُجُوه، ثُمَّ نقول : هَبْ أنَّها صحيحة، ولكِنَّه - تعالى - أخْبَر عن كُفْرِهِم وضلالِهِم، وأنَّهم لا يَدْخُلون الجَنَّة، فقد تَوَجَّه الإشْكَال ؛ لأن انْقِلاب علم الله - تعالى - جهلا مُحَالٌ، والمُفْضِي إلى المُحَالِ مُحَالٌ، ويدل على أنَّ المُرَاد أنه - تعالى - أضَلَّهُم عن الدِّين - قوله - تعالى- :﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ والمَعْنى : أنه - تعالى - لمَّا أضلَّهُم عن الإيمَانِ امتنع أن يجد المَخْلُوق سَبِيلاً إلى إدْخَالِه في الإيمَانِ.
١ أخرجه البخاري (٤/٨٣ ـ ٧/٢٧٥ ـ ٨/١٩٣ ـ فتح) ومسلم (١/٣٨٩ ـ ٣٩٠) والترمذي كتاب التفسير باب فما لكم في المنافقين والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/٢٢٢) والطبري في "تفسيره" (٩/٨ ـ ٩) من حديث زيد بن ثابت.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٤٠) وزاد نسبته للطيالسي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩/ ١٠٩) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٤٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٣ في ب: أناس..
٤ في ب: فقالت طائفة..
٥ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١٧٤)..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/١٣) من طريق ابن وهب عن ابن زيد..
٧ تقدم..
٨ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١٧٤) عن الحسن..
٩ ينظر البين في ديوانه (٢٣٦) والبحر المحيط ٣/٣٢٤ والدر المصون ٢/٤٠٧ وتفسير الطبري ٩/٧..
١٠ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٢٤ والدر المصون ٢/٤٠٧..
١١ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٢٥ والدر المصون ٢/٤٠٨..
١٢ البيت لعبد الله بن رواحة: ينظر البحر ٣/٣٢٥ والدر المصون ٢/٤٠٨ وتفسير القرطبي ٥/٣٠٧..
١٣ في ب: الدور..
١٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٢٦ والدر المصون ٢/٤٠٨..
١٥ ينظر: السابق..
١٦ ينظر: الإملاء ١/١٩٠..
١٧ سقط في ب..
١٨ سقط في أ..
١٩ في أ: والخبر..
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٤٠) وزاد نسبته للطيالسي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩/ ١٠٩) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٤٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٣ في ب: أناس..
٤ في ب: فقالت طائفة..
٥ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١٧٤)..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/١٣) من طريق ابن وهب عن ابن زيد..
٧ تقدم..
٨ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١٧٤) عن الحسن..
٩ ينظر البين في ديوانه (٢٣٦) والبحر المحيط ٣/٣٢٤ والدر المصون ٢/٤٠٧ وتفسير الطبري ٩/٧..
١٠ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٢٤ والدر المصون ٢/٤٠٧..
١١ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٢٥ والدر المصون ٢/٤٠٨..
١٢ البيت لعبد الله بن رواحة: ينظر البحر ٣/٣٢٥ والدر المصون ٢/٤٠٨ وتفسير القرطبي ٥/٣٠٧..
١٣ في ب: الدور..
١٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٢٦ والدر المصون ٢/٤٠٨..
١٥ ينظر: السابق..
١٦ ينظر: الإملاء ١/١٩٠..
١٧ سقط في ب..
١٨ سقط في أ..
١٩ في أ: والخبر..