محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٨٨ من سورة النساء في ١٢٧ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٦ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٨٨ من سورة النساء

١٢٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوَاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ : فما شأنكم أيها المؤمنون في أهل النفاق فئتين مختلفتين، ﴿وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ يعني بذلك : والله ردّهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم وسبي ذراريهم. والإركاس : الردّ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
فأُرْكِسُوا فِي حَمِيمِ النّارِ إنّهُمُكانُوا عُصَاةً وقالوا الإفْكَ وَالزّورَا
يقال منه : أركسهم وركسهم. وقد ذُكر أنها في قراءة عبد الله وأبيّ :«والله ركسهم » بغير ألف.
واختلف أهل التأويل في الذين نزلت فيهم هذه الآية، فقال بعضهم : نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ يوم أُحد، وانصرفوا إلى المدينة، وقالوا لرسول الله عليه الصلاة والسلام ولأصحابه :﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتّبَعْنَاكُمْ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثني الفضل بن زياد الواسطي، قال : حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال : سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاريّ يحدّث عن زيد بن ثابت : أن النبيّ ﷺ لما خرج إلى أُحد، رجعت طائفة ممن كان معه، فكان أصحاب النبيّ ﷺ فيهم فرقتين، فرقة تقول : نقتلهم، وفرقة تقول : لا. فنزلت هذه الاَية :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا﴾. . . الاَية، فقال رسول الله ﷺ في المدينة :«أنّها طَيّبَةٌ وإنّها تَنْفِي خبثها كمَا تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضّةِ ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو أسامة، قال : حدثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت، قال : خرج رسول الله ﷺ فذكر نحوه.
حدثني زريق بن السخت، قال : حدثنا شبابة، عن عديّ بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت، قال : ذكروا المنافقين عند النبيّ ﷺ، فقال فريق : نقتلهم، وقال فريق : لا نقتلهم فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. . . إلى آخر الاَية.
وقال آخرون : بل نزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله ﷺ في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة، فأظهروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة وأظهروا لهم الشرك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْن﴾ قال : قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدّوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبيّ ﷺ إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها. فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول : هم منافقون، وقائل يقول : هم مؤمنون. فبين الله نفاقهم، فأمر بقتالهم. فجاءوا ببضائعهم يريدون المدينة، فلقيهم هلال بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين النبيّ ﷺ حلف، وهو الذي حصِر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه، فدفع عنهم بأنهم يؤمنون هلالاً، وبينه وبين النبيّ ﷺ عهد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله بنحوه، غير أنه قال : فبين الله نفاقهم، وأمر بقتالهم فلم يقاتلوا يومئذ، فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين رسول الله ﷺ حلف.
وقال آخرون : بل كان اختلافهم في قوم من أهل الشرك كانوا أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْن﴾ وذلك أن قوما كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، فليس علينا منهم بأس ! وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين : اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوّكم ! وقالت فئة أخرى من المؤمنين : سبحان الله أو كما قالوا أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به ؟ من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحلّ دماؤهم وأموالهم لذلك ! فكانوا كذلك فئتين، والرسول عليه الصلاة والسلام عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء¹ فنزلت :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَنْ أضَلّ اللّهُ﴾. . . الاَية.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْن﴾. . . الاَية، ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلما بالإسلام، ولم يهاجرا إلى النبيّ ﷺ. فلقيهما ناس من أصحاب نبيّ الله وهما مقبلان إلى مكة، فقال بعضهم : إن دماءهما وأموالهما حلال، وقال بعضهم : لا تحلّ لكم. فتشاجروا فيهما، فأنزل الله في ذلك :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ حتى بلغ :﴿وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَسَلّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُم﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر بن راشد، قال : بلغني أن ناسا من أهل مكة كتبوا إلى النبيّ ﷺ أنهم قد أسلموا، وكان ذلك منهم كذبا. فلقوهم، فاختلف فيهم المسلمون، فقالت طائفة : دماؤهم حلال، وقالت طائفة : دماؤهم حرام¹ فأنزل الله :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، يقول : أخبرنا عبيد بن سلمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْن﴾ هم ناس تخلفوا عن نبيّ الله ﷺ، وأقاموا بمكة، وأعلنوا الإيمان، ولم يهاجروا. فاختلف فيهم أصحاب رسول الله ﷺ، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، وتبرأ من ولايتهم آخرون، وقالوا : تخلفوا عن رسول الله ﷺ ولم يهاجروا. فسماهم الله منافقين، وبرأ المؤمنين من ولايتهم، وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا.
وقال آخرون : بل كان اختلافهم في قوم كانوا بالمدينة أرادوا الخروج عنها نفاقا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ قال : كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين : إنا قد أصابنا أوجاع في المدينة واتّخَمْناها، فلعلنا أن نخرج إلى الظّهْر حتى نتماثل ثم نرجع، فإنا كنا أصحاب برية. فانطلقوا¹ واختلف فيهم أصحاب النبيّ ﷺ، فقالت طائفة : أعداء الله المنافقون، وددنا أن رسول الله ﷺ أذن لنا فقاتلناهم ! وقالت طائفة : لا، بل إخواننا تخمتهم المدينة فاتخم وها. فخرجوا إلى الظهر يتنزّهون، فإذا برءوا رجعوا. فقال الله :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ يقول : ما لكم تكونون فيهم فئتين ﴿والله أرْكَسَهُمْ بمَا كَسبوا﴾.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الاَية في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في أمر أهل الإفك. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ حتى بلغ :﴿فَلا تَتّخِذُوا مِنْهُمْ أوْلِياءَ حتى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ قال : هذا في شأن ابن أبيّ حين تكلم في عائشة بما تكلم. فقال سعد بن معاذ : فإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه ! يريد عبد الله بن أبيّ ابن سلول.
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال : نزلت هذه الاَية في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في قوم كانوا ارتدّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب¹ لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين : التأويل في أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر أنهم قوم كانوا من أهل المدينة، وفي قول الله تعالى ذكره :﴿فَلا تَتّخِذُوا مِنْهُمْ أوْلِياءَ حتى يُهاجِرُوا﴾ أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله ﷺ إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرض هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه.
واختلف أهل العربية في نصب قوله :﴿فِئَتَيْنِ﴾ فقال بعضهم : هو منصوب على الحال، كما تقول : ما لك قائما، يعني ما لك في حال القيام. وهذا قول بعض البصريين¹ وقال بعض نحويي الكوفيين : هو منصوب على فعل «ما لك »، قال : ولا يُبالَى كان المنصوب في مالك معرفة أو نكرة. قال : ويجوز في الكلام أن يقول : ما لك السائر معنا، لأنه كالفعل الذي ينصب بكان وأظنّ وما أشبههما. قال : وكل موضع صلحت فيه «فعل » و«يفعل » من المنصوب جاز نصب المعرفة منه والنكرة، كما ينصب كان وأظنّ لأنهنّ نواقص في المعنى وإن ظننت أنهنّ تامات. وهذا القول أولى بالصواب في ذلك، لأن المطلوب في قول القائل :«ما لك قائما » القيام، فهو في مذهب كان وأخواتها وأظنّ وصواحباتها.

القول في تأويل قوله عزّ وجلّ :﴿وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.


اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ فقال بعضهم : معناه : ردّهم¹ كما قلنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس :﴿وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ ردّهم.
وقال آخرون : معنى ذلك : والله أوقعهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : ثني عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ يقول : أوقعهم.
وقال آخرون : معنى ذلك : أضلّهم وأهلكهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة :﴿وَاللّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ قال : أهلكهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فما لكم في المنافقين فئتين"، فما شأنكم، أيها المؤمنون، في أهل النفاق فئتين مختلفتين (١) ="والله أركسَهم بما كسبوا"، يعني بذلك: والله رَدّهم إلى أحكام أهل الشرك، في إباحة دمائهم وسَبْي ذراريهم.
* * *
و"الإركاس"، الردُّ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
فَأُرْكِسُوا فِي حَمِيمِ النَّارِ، إِنَّهُمُكَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الإفْكَ وَالزُّورَا (٢)
يقال منه:"أرْكَسهم" و"رَكَسَهم".
* * *
وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله وأبي: (وَاللَّهُ رَكَسَهُمْ)، بغير"ألف". (٣)
* * *
(١) انظر تفسير"فئة" فيما سلف ٥: ٣٥٢، ٣٥٣ / ٦: ٢٣٠.
(٢) ديوانه: ٣٦، وليس هذا البيت بنصه هذا في الديوان، بل جاء في شعر من بحر آخر، هو:
أُرْكِسُوا فِي جَهَنَّمٍ، أَنَّهُمْ كَانُواعُتَاةً تَقُولُ إفْكًا وَزُورَا
ولم أجده برواية أبي جعفر في مكان آخر.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٨١ = ثم انظر تفسير"أركسهم" فيما يلي ص: ١٥، ١٦
واختلف أهل التأويل في الذين نزلت فيهم هذه الآية.
فقال بعضهم: نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في الذين تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ يوم أحد وانصرفوا إلى المدينة، وقالوا لرسول الله عليه السلام ولأصحابه: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ) [سورة آل عمران: ١٦٧].
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٤٩- حدثني الفضل بن زياد الواسطي قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن عدي بن ثابت قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدّث، عن زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ لما خرج إلى أحد، رجعت طائفة ممن كان معه، فكان أصحاب النبيّ ﷺ فيهم فرقتين، فرقة تقول:"نقتلهم"، وفرقة تقول:"لا". فنزلت هذه الآية:"فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا" الآية، فقال رسول الله ﷺ في المدينة: إنها طَيْبَة، وإنها تَنْفي خَبَثها كما تنفي النار خبثَ الفِضَّة. (١)
١٠٠٥٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه. (٢)
١٠٠٥١- حدثني زريق بن السخت قال، حدثنا شبابة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت قال: ذكروا المنافقين عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال فريق:"نقتلهم"، وقال فريق:"لا نقتلهم". فأنزل
(١) الحديث: ١٠٠٤٩ - الفضل بن زياد الواسطي: لا أدري من هو؟ والترجمة الوحيدة التي وجدتها بهذا الاسم هي"الفضل بن زياد الطساس البغدادي". وهو من هذه الطبقة. فلعله هو. مترجم في الجرح ٣ / ٢ / ٦٢. وتاريخ بغداد ١٢: ٣٦٠. وله ترجمة غير محررة، في لسان الميزان ٤: ٤٤١.
أبو داود: هو الطيالسي.
وقد روى الطبري هذا الحديث بثلاثة أسانيد، سيأتي تخريجه في آخرها، إن شاء الله.
(٢) الحديث: ١٠٠٥٠ - أبو أسامة: هو حماد بن أسامة.
الله تبارك وتعالى:"فما لكم في المنافقين فئتين" إلى آخر الآية (١)
وقال آخرون: بل نزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله ﷺ في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة، فأظهروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة وأظهروا لهم الشرك.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٥٢- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فما لكم في المنافقين فئتين"، قال: قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا
(١) الحديث: ١٠٠٥١ - زريق- بتقديم الزاي - بن السخت، شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة ولا ذكرا، إلا في المشتبه للذهبي، ص: ٢٢٢، قال: "زريق بن السخت، عن إسحاق الأزرق. وهو الصحيح، ويقال بتقديم الراء".
شبابة: هو ابن سوار. مضت ترجمته في: ٣٧.
ويجب أن يكون هنا سقط في الإسناد، بين شبابة وعدي بن ثابت، لأن شبابة بن سوار مات سنة ٢٠٤ أو ٢٠٥، أو ٢٠٦، وهو الذي جزم به البخاري في الصغير، ص: ٢٢٨. وعدي بن ثابت مات سنة ١١٦، فبينهما ٩٠ سنة. والظاهر أنه سقط من الإسناد هنا [عن شعبة].
عدي بن ثابت الأنصاري: ثقة معروف. أخرج له الجماعة. وهو ابن بنت عبد الله بن يزيد - شيخه في هذا الإسناد.
عبد الله بن يزيد الخطمي - بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة: صحابي معروف، شهد الحديبية صغيرا.
والحديث رواه الإمام أحمد في المسند ٥: ١٨٤، عن بهز، عن شعبة، كالرواية الأولى هنا المطولة: ١٠٠٤٩.
وكذلك رواه البخاري ٤: ٨٣، و٧: ٢٧٥، و ٨: ١٩٣ - من طريق شعبة، به. ورواه مسلم ١: ٣٨٩ - ٣٩٠، من طريق شعبة أيضا، ولكنه روى آخره: "إنها طيبة... " فقط.
وذكره ابن كثير ٢: ٥٢٩، من رواية المسند. ثم قال: "أخرجاه في الصحيحين من طريق شعبة".
وذكره السيوطي ٢: ١٨٩-١٩٠، وزاد نسبته للطيالسي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الدلائل.
وليس في مسند الطيالسي المطبوع، لأنه ناقص كما هو معروف.
النبيّ ﷺ إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتّجرون فيها. فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول:"هم منافقون"، وقائل يقول:"هم مؤمنون". فبين الله نفاقهم فأمر بقتالهم، فجاؤوا ببضائعهم يريدون المدينة، فلقيهم علي بن عويمر، أو: هلال بن عويمر الأسلمي، (١) وبينه وبين النبي ﷺ حلف= وهو الذي حَصِر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يُقاتل قومه، فدفع عنهم= بأنهم يَؤُمُّون هلالا (٢) وبينه وبين النبي ﷺ عهد.
١٠٠٥٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله بنحوه= غير أنه قال: فبيّن الله نفاقهم، وأمر بقتالهم، فلم يقاتلوا يومئذ، فجاؤوا ببضائعهم يريدون هلالَ بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين رسول الله ﷺ حِلْف. (٣)
* * *
وقال آخرون: بل كان اختلافهم في قوم من أهل الشرك كانوا أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٥٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"فما لكم في المنافقين فئتين"، وذلك أن قوما كانوا بمكة قد تكلّموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحابَ محمد"عليه السلام"، فليس علينا منهم بأس! وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من
(١) أسقط المطبوعة: "علي بن عويمر، أو: " وساق الخبر"فلقيهم هلال.." وأثبته من المخطوطة. والأثر التالي من رواية أبي جعفر، هو الذي فيه إسقاط علي بن عويمر" من الخبر.
(٢) في المطبوعة: "يؤمنون هلالا"، والصواب من المخطوطة والدر المنثور ٢: ١٩٠
(٣) الأثران: ١٠٠٥٢، ١٠٠٥٣ - انظر الأثر التالي: ١٠٠٧١.
المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم! وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله = أو كما قالوا =، أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلَّمتم به؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارَهم، تستحلّ دماؤهم وأموالهم لذلك! فكانوا كذلك فئتين، والرسول عليه السلام عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء، فنزلت:"فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله"، الآية.
١٠٠٥٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"فما لكم في المنافقين فئتين" الآية، ، ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلّما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيهما ناس من أصحاب نبي الله وهما مقبلان إلى مكة، فقال بعضهم: إن دماءهما وأموالهما حلال! وقال بعضهم: لا يحلُّ لكم! فتشاجروا فيهما، فأنزل الله في ذلك:"فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا" حتى بلغ"ولو شاء الله لسلَّطهم عليكم فلقاتلوكم".
١٠٠٥٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر بن راشد قال: بلغني أنّ ناسًا من أهل مكة كتبوا إلى النبي ﷺ أنهم قد أسلموا، وكان ذلك منهم كذبا، فلقوهم، فاختلف فيهم المسلمون، فقالت طائفة: دماؤهم حلال! وقالت طائفة: دماؤهم حرام! فأنزل الله:"فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا".
* * *
١٠٠٥٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"فما لكم في المنافقين فئتين"، هم ناس تخلّفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا، فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ من وَلايتهم آخرون،
وقالوا: تخلفوا عن رسول الله ﷺ ولم يهاجروا! فسماهم الله منافقين، وبرّأ المؤمنين من وَلايتهم، وأمرهم أن لا يتولَّوهم حتى يهاجروا.
* * *
وقال آخرون: بل كان اختلافهم في قوم كانوا بالمدينة، أرادوا الخروج عنها نفاقًا.
* ذكر من قال ذلك:
١٠٠٥٨- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا"، قال: كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنّا قد أصابنا أوجاعٌ في المدينة واتَّخَمْناها، (١) فلعلنا أن نخرج إلى الظَّهر حتى نتماثل ثم نرجع، (٢) فإنا كنا أصحاب برّيّة. فانطلقوا، واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة: أعداءٌ لله منافقون! (٣) وددنا أن رسول الله ﷺ أذن لنا فقاتلناهم! وقالت طائفة: لا بل إخواننا غَمَّتهم المدينة فاتّخموها، (٤)
(١) "اتخمناها"، "افتعل" من"الوخم"، يقال: "أرض وخمة ووخيمة"، وبيئة، لا يوافق المرء سكنها فيجتويها. و"استوخم القوم المدينة": استثقلوها، ولم يوافق هواؤها أبدانهم. والذي ذكرته كتب اللغة بناء"استوخم""استفعل" متعديا من"الوخم"، ولم يذكروا"اتخم""افتعل"، وهو صحيح في قياس العربية. وهذا شاهده.
(٢) "الظهر": ما غلظ وارتفع من الأرض، و"البطن": ما لان منها وسهل ورق واطمأن. ومثله"ظاهر الأرض"، فسموا ما بعد عن القرية وارتفع في البرية: "ظهر البلدة وظاهرها".
(٣) في المطبوعة: "أعداء الله المنافقون"، وفي المخطوطة: أعداء الله منافقون"، والصواب ما أثبت.
(٤) في المطبوعة والدر المنثور ٢: ١٩١: "تخمتهم المدينة فاتخم وها"، وليس صوابا. وفي المخطوطة: "عمهم المدينة" غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها، من"الغم": وهو الكرب وكل ما يكرهه الإنسان فيورثه الضيق والهم. والدليل على صحة هذه القراءة ما جاء في معاني القرآن ١: ٢٨٠"ضجروا منها واست وخموها" وانظر ما سلف تعليق: ١، في تفسير"اتخم".
فخرجوا إلى الظهر يتنزهون، (١) فإذا بَرَؤوا رجعوا. فقال الله:"فما لكم في المنافقين فئتين"، يقول: ما لكم تكونون فيهم فئتين ="والله أركسهم بما كسبوا".
* * *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في أمر أهل الإفك.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٥٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا"، حتى بلغ"فلا تتّخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله"، قال: هذا في شأن ابن أُبيّ حين تكلم في عائشة بما تكلم.
١٠٠٦٠- وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: إن هذه الآية حين أنزلت:"فما لكم في المنافقين فئتين"، فقرأ حتى بلغ"فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله"، فقال سعد بن معاذ: فإنّي أبرأ إلى الله وإلى رسوله من فئته! = يريد عبد الله بن أبيّ ابن سلول. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في قوم كانوا ارتدُّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة.
(١) "يتنزهون" أي: يتباعدون عن الأرض التي استوخموها، حتى يبرأوا. و"التنزه" التباعد عن الأرياف والمياه، حيث لا يكون ماء ولا ندى ولا جمع ناس، وذلك شق البادية، وهو أصح للأبدان.
(٢) الأثر: ١٠٠٥٩، ١٠٠٦٠ - في المطبوعة، ساق هذين الأثرين، أثرا واحدا، فجعله هكذا: "حين تكلم في عائشة بما تكلم، فقال سعد بن معاذ.." وأسقط صدر الأثر: ١٠٠٦٠، فرددته إلى الصواب من المخطوطة. والذي أوقع الناشر في هذا، سوء صنيع السيوطي في نقله عن ابن جرير، وذلك في الدر المنثور ٢: ١٩١.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة، على ما قد ذكرنا الرواية عنهم.
والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة.
= وفي قول الله تعالى ذكره:"فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا"، أوضح الدّليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة. لأنّ الهجرة كانت على عهد رسول الله ﷺ إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر. فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرضُ هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنُه ومُقامه.
* * *
واختلف أهل العربية في نصب قوله:"فئتين".
فقال بعضهم: هو منصوب على الحال، كما تقول:"ما لَك قائما"، يعني: ما لك في حال القيام. وهذا قول بعض البصريين.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفيين: هو منصوب على فعل"ما لك"، قال: ولا تُبالِ أكان المنصوب في"ما لك" معرفة أو نكرة. (١). قال: ويجوز في الكلام أن تقول:"ما لك السائرَ معنا"، لأنه كالفعل الذي ينصب بـ"كان" و"أظن" وما أشبههما. قال: وكل موضع صلحت فيه"فعل" و"يفعل" من المنصوب، جاز نصب المعرفة منه والنكرة، كما تنصب"كان" و"أظن"، لأنهن نواقصُ في المعنى، وإن ظننت أنهنّ تَامّاتٍ. (٢)
(١) في المطبوعة: "ولا تبالي كان المنصوب.." وفي المخطوطة: "ولا تبال كان المنصوب" ورجحت قراءتها كما أثبتها، استظهارًا من نص الفراء في معاني القرآن.
(٢) هذا مختصر نص الفراء في معاني القرآن ١: ٢٨١.
وهذا القول أولى بالصواب في ذلك، لأن المطلوب في قول القائل:"ما لك قائمًا"،"القيام"، فهو في مذهب"كان" وأخواتها، و"أظن" وصواحباتها. (١)
* * *

القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"والله أركسهم".
فقال بعضهم: معناه: ردَّهم، كما قلنا.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٦١- حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس:"والله أركسهم بما كسبوا"، ردَّهم.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: والله أوْقَعهم.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٦٢- حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"والله أركسهم بما كسبوا"، يقول: أوقعهم.
وقال آخرون: معنى ذلك: أضلهم وأهلكهم.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٦٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة:"والله أركسهم"، قال: أهلكهم.
١٠٠٦٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة:"والله أركسهم بما كسبوا"، أهلَكَهم بما عملوا.
(١) في المخطوطة: "والظن وصواحباتها"، والصواب ما في المطبوعة.
١٠٠٦٥- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والله أركسهم بما كسبوا"، أهلكهم.
* * *
وقد أتينا على البيان عن معنى ذلك قبل، بما أغنى عن إعادته. (١)
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا (٨٨)﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله"أتريدون أن تهدوا من أضل الله"، أتريدون، أيها المؤمنون، أن تهدوا إلى الإسلام فتوفقوا للإقرار به والدخول فيه، من أضله الله عنه= يعني بذلك: من خَذَله الله عنه، فلم يوفقه للإقرار به؟ (٢)
وإنما هذا خطاب من الله تعالى ذكره للفئة التي دافعت عن هؤلاء المنافقين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية. يقول لهم جل ثناؤه: أتبغون هداية هؤلاء الذين أضلَّهم الله فخذلهم عن الحق واتباع الإسلام، بمدافعتكم عن قتالهم من أراد قتالَهم من المؤمنين؟ ="ومن يُضلل الله فلن تجد له سبيلا"، يقول: ومَن خذله عن دينه واتباع ما أمره به، من الإقرار به وبنبيه محمد ﷺ وما جاء به من عنده، فأضلَّه عنه="فلن تجد له"، يا محمد،"سبيلا"، يقول: فلن تجد له طريقًا تهديه فيها إلى إدراك ما خذله الله [عنه]، (٣) ولا منهجًا يصل منه إلى الأمر الذي قد حرمه الوصول إليه.
* * *
(١) انظر ما سلف ص: ٧
(٢) انظر معنى"هدى"، ومعنى"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٣) هذه الزيادة بين القوسين، يقتضيها السياق اقتضاء. وانظر تفسير"السبيل" فيما سلف. من فهارس اللغة.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى منكرا على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين، واختلف في سبب ذلك، فقال الإمام أحمد :
حدثنا بَهْز، حدثنا شعبة، قال عدي بن ثابت : أخبرني عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت : أن رسول الله ﷺ خرج إلى أُحُد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين : فرقة تقول : نقتلهم. وفرقة تقول : لا(١) فأنزل الله :﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فقال رسول الله ﷺ :" إنها طَيْبة، وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة ".
أخرجاه في الصحيحين، من حديث شعبة(٢).
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يَسار في وقعة أحد أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة وبقي النبي ﷺ في سبعمائة.
وقال العوفي، عن ابن عباس : نزلت في قوم كانوا بمكة، قد تكلموا بالإسلام، كانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون(٣) حاجة لهم، فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين : اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين : سبحان الله ! أو كما قالوا : أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به ؟ أمِنْ أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم. فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين(٤) عن شيء فأنزل الله :﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾
رواه ابن أبي حاتم، وقد رُوي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا.
وقال زيد بن أسلم، عن ابنٍ لسعد بن معاذ : أنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبيّ، حين استعذر منه رسول الله ﷺ على المنبر في قضية الإفك.
وهذا غريب، وقيل غير ذلك.
وقوله :﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي : ردهم وأوقعهم في الخطأ.
قال ابن عباس :﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أي : أوقعهم. وقال قتادة : أهلكهم. وقال السدي : أضلهم.
وقوله :﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي : بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ أي : لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه.
١ في د: "غير ذلك"..
٢ المسند (٥/١٨٤) وصحيح البخاري برقم (١٨٨٤، ٤٠٥٠) وصحيح مسلم برقم (١٣٨٤)..
٣ في د: "يريدون"..
٤ في ر: "منهم".
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
الْمُسْلِمُ غَايَةَ مَا شُرِعَ فِي السَّلَامِ؛ رُدَّ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا قَالَ، فَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فلا يُبْدؤون (١) بِالسَّلَامِ وَلَا يُزَادُونَ، بَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُّ عَلَيْكَ فَقُلْ: وَعَلَيْكَ" (٢).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "لا تبدؤوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ" (٣).
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: السَّلَامُ تَطَوُّعٌ، وَالرَّدُّ فَرِيضَةٌ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً: أَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ، فَيَأْثَمُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ (٤).
وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ إِخْبَارٌ بِتَوْحِيدِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وتضمَّن قَسَمًا، لِقَوْلِهِ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وَهَذِهِ اللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ خَبَرٌ وقَسَم أَنَّهُ سَيَجْمَعُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أَيْ: لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ فِي حَدِيثِهِ وَخَبَرِهِ، وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ.
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٨٩) إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمُنَافِقِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ، فقال الإمام أحمد:
(١) في ر: "يبتدئون".
(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٢٥٧) ومسلم في صحيحه برقم (٢١٦٤).
(٣) صحيح مسلم برقم (٢١٦٧).
(٤) بياض بجميع النسخ، وفي نسخة مساعدة [أبو داود بسنده إلى أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم].
حَدَّثَنَا بَهْز، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى أُحُد، فَرَجَعَ نَاسٌ خَرَجُوا مَعَهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ. وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: لَا (١) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهَا طَيْبة، وَإِنَّهَا تَنْفِي الخَبَث كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ (٢).
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ رَجَعَ يَوْمَئِذٍ بِثُلُثِ الْجَيْشِ، رَجَعَ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَبَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعِمِائَةٍ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا بِمَكَّةَ، قَدْ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ، كَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ، فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ يَطْلُبُونَ (٣) حَاجَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنْ لَقِينَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْهُمْ بَأْسٌ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أُخْبِرُوا أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ، قَالَتْ فِئَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: ارْكَبُوا إِلَى الْجُبَنَاءِ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ عَدُوَّكُمْ. وَقَالَتْ فِئَةٌ أُخْرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَوْ كَمَا قَالُوا: أَتَقْتُلُونَ قَوْمًا قَدْ تَكَلَّمُوا بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمْتُمْ بِهِ؟ أمِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا وَلَمْ يَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ تُسْتَحَلُّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ. فَكَانُوا كَذَلِكَ فِئَتَيْنِ، وَالرَّسُولُ عِنْدَهُمْ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ (٤) عَنْ شَيْءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَقَدْ رُوي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمْ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنِ ابنٍ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَقَاوُلِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، حِينَ اسْتَعْذَرَ مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي قَضِيَّةِ الْإِفْكِ.
وَهَذَا غَرِيبٌ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ أَيْ: رَدَّهُمْ وَأَوْقَعَهُمْ فِي الْخَطَأِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أَيْ: أَوْقَعَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَهْلَكَهُمْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَضَلَّهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أَيْ: بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمُ الرَّسُولَ وَاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ أَيْ: لَا طَرِيقَ لَهُ إِلَى الْهُدَى وَلَا مَخْلَصَ لَهُ إِلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أَيْ: هُمْ يَوَدُّونَ لَكُمُ الضَّلَالَةَ لِتَسْتَوُوا أَنْتُمْ وَإِيَّاهُمْ فِيهَا، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِشِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ وَبُغْضِهِمْ لَكُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: تَرَكُوا الْهِجْرَةَ، قَالَهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَظْهَرُوا كُفْرَهُمْ ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ أي: لا توالوهم
(١) في د: "غير ذلك".
(٢) المسند (٥/١٨٤) وصحيح البخاري برقم (١٨٨٤، ٤٠٥٠) وصحيح مسلم برقم (١٣٨٤).
(٣) في د: "يريدون".
(٤) في ر: "منهم".
وَلَا تَسْتَنْصِرُوا بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ مَا دَامُوا كَذَلِكَ.
ثُمَّ اسْتَثْنَى اللَّهُ، سُبْحَانَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ فَقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: إلا الذين لجؤوا وَتَحَيَّزُوا إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مُهَادَنَةٌ أَوْ عَقْدُ ذِمَّةٍ، فَاجْعَلُوا حُكْمَهُمْ (١) كَحُكْمِهِمْ. وَهَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وَابْنِ زَيْدٍ، وَابْنِ جَرِيرٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعان، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ: لَمَّا ظهر -يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وأُحُد، وَأَسْلَمَ مَنْ حَوْلَهُمْ قَالَ سُرَاقَةُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى قَوْمِي -بَنِي مُدْلج -فَأَتَيْتُهُ (٢) فَقُلْتُ: أَنْشُدُك النِّعْمَةَ. فَقَالُوا: صَهٍ (٣) فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دَعُوهُ، مَا تُرِيدُ؟ ". قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَبْعَثَ إِلَى قَوْمِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنَّ تُوَادِعَهُمْ، فَإِنْ أَسْلَمَ قَوْمُكَ أَسْلَمُوا وَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا لَمْ تَخْشُن (٤) قُلُوبُ قَوْمِكَ عَلَيْهِمْ. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَالَ: "اذْهَبْ مَعَهُ فَافْعَلْ مَا يُرِيدُ". فَصَالَحَهُمْ خَالِدٌ عَلَى أَلَّا يُعِينُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أَسْلَمُوا مَعَهُمْ، [وَمَنْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّاسِ كَانُوا عَلَى مِثْلِ عَهْدِهِمْ] (٥) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَقَالَ (٦) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فكان من وَصَلَ إِلَيْهِمْ كَانُوا مَعَهُمْ عَلَى عَهْدِهِمْ (٧) وَهَذَا أَنْسَبُ لِسِيَاقِ الْكَلَامِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فَكَانَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي صُلْحِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي صُلْحِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَعَهْدِهِمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ]﴾ [التَّوْبَةِ: ٥].
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ] (٨)﴾ الْآيَةَ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ المُسْتَثنَين عَنِ الْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يَجِيئُونَ إِلَى الْمَصَافِّ وَهُمْ حَصِرَةٌ صُدُورُهُمْ أَيْ: ضَيِّقَةٌ صُدُورُهُمْ مُبْغضين (٩) أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ، وَلَا يَهُونُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا أَنْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ مَعَكُمْ، بَلْ هُمْ لَا لَكُمْ وَلَا عَلَيْكُمْ. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ لُطْفِهِ بِكُمْ أَنْ كَفَّهُمْ عَنْكُمْ ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أَيِ: الْمُسَالَمَةَ ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ أَيْ: فَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَقْتُلُوهُمْ، مَا دَامَتْ حَالُهُمْ (١٠) كَذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ كَالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا يَوْمَ بِدْرٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَحَضَرُوا الْقِتَالَ وَهُمْ كَارِهُونَ، كَالْعَبَّاسِ وَنَحْوِهِ، وَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ عن قتل العباس وعبّر (١١) بأسره.
(١) في أ: "حكمكم".
(٢) في د: فأتيت".
(٣) في أ: "مه".
(٤) في د: "لم تحزن" وفي ر: "لم يحسن".
(٥) زيادة من أ.
(٦) في د: "وفيه".
(٧) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤/٢٣٢) حدثنا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ به.
(٨) زيادة من د.
(٩) في د: "منقبضين"
(١٠) في أ: "حالتهم".
(١١) في د، أ: "وأمر".
وَقَوْلُهُ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ [كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا] (١)﴾ الْآيَةَ، هَؤُلَاءِ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ كَمَنْ تَقَدَّمَهُمْ، وَلَكِنْ نِيَّةُ هَؤُلَاءِ غَيْرُ نِيَّةِ أُولَئِكَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مُنَافِقُونَ يُظْهِرُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَصْحَابِهِ الْإِسْلَامَ؛ لِيَأْمَنُوا بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ وَيُصَانِعُونَ الْكَفَّارَ فِي الْبَاطِنِ، فَيَعْبُدُونَ مَعَهُمْ مَا يَعْبُدُونَ، لِيَأْمَنُوا بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ مَعَ أُولَئِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ] (٢)﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أَيْ: انْهَمَكُوا فِيهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْفِتْنَةُ هَاهُنَا: الشِّرْكُ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسَلِّمُونَ رِيَاءً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى قُرَيْشٍ فَيَرْتَكِسُونَ فِي الْأَوْثَانِ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أَنْ يَأْمَنُوا هَاهُنَا وَهَاهُنَا، فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ إِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا وَيُصْلِحُوا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أَيْ: عَنِ الْقِتَالِ ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أَيْ: أَيْنَ لَقِيتُمُوهُمْ ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أَيْ: بيِّنا وَاضِحًا.
(١) زيادة من د، ر، أ.
(٢) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
(١)المراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات : المنافقون المظهرون إسلامهم، ولم يهاجروا مع كفرهم، وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم فيهم اشتباه، فبعضهم تحرج عن قتالهم، وقطع موالاتهم بسبب ما أظهروه من الإيمان، وبعضهم علم أحوالهم بقرائن أفعالهم فحكم بكفرهم. فأخبرهم الله تعالى أنه لا ينبغي لكم أن تشتبهوا فيهم ولا تشكوا، بل أمرهم واضح غير مشكل، إنهم منافقون قد تكرر كفرهم،
١ - في هامش أ: (وقد ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: "فما لكم في المنافقين فئتين" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد". وليس هناك علامة تدل على محل هذه الزيادة..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ إخبار بأن حديثه وأخباره وأقواله في أعلى مراتب الصدق، بل أعلاها. فكل ما قيل في العقائد [والعلوم] (١) والأعمال مما يناقض ما أخبر الله به، فهو باطل لمناقضته للخبر الصادق اليقين، فلا يمكن أن يكون حقًّا. -[١٩٢]-
{٨٨ - ٩١} ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
(٢) المراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات: المنافقون المظهرون إسلامهم، ولم يهاجروا مع كفرهم، وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم فيهم اشتباه، فبعضهم تحرج عن قتالهم، وقطع موالاتهم بسبب ما أظهروه من الإيمان، وبعضهم علم أحوالهم بقرائن أفعالهم فحكم بكفرهم. فأخبرهم الله تعالى أنه لا ينبغي لكم أن تشتبهوا فيهم ولا تشكوا، بل أمرهم واضح غير مشكل، إنهم منافقون قد تكرر كفرهم، وودوا مع ذلك كفركم وأن تكونوا مثلهم. فإذا تحققتم ذلك منهم ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وهذا يستلزم عدم محبتهم لأن الولاية فرع المحبة.
ويستلزم أيضا بغضهم وعداوتهم لأن النهي عن الشيء أمر بضده، وهذا الأمر موقت بهجرتهم فإذا هاجروا جرى عليهم ما جرى على المسلمين، كما كان النبي ﷺ يجري أحكام الإسلام لكل مَنْ كان معه وهاجر إليه، وسواء كان مؤمنا حقيقة أو ظاهر الإيمان.
وأنهم إن لم يهاجروا وتولوا عنها ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: في أي وقت وأي محل كان، وهذا من جملة الأدلة الدالة على نسخ القتال في الأشهر الحرم، كما هو قول جمهور العلماء، والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة، محمولة على تقييد التحريم في الأشهر الحرم.
ثم إن الله استثنى من قتال هؤلاء المنافقين ثلاث فِرَق:
فرقتين أمر بتركهم وحتَّم [على] ذلك، إحداهما (٣) : من يصل إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق بترك القتال فينضم إليهم، فيكون له حكمهم في حقن الدم والمال.
والفرقة الثانية: قوم ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي: بقوا، لا تسمح أنفسهم بقتالكم، ولا بقتال قومهم، وأحبوا ترك قتال الفريقين، فهؤلاء أيضا أمر بتركهم، وذكر الحكمة في ذلك في قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ فإن الأمور الممكنة ثلاثة أقسام:
إما أن يكونوا معكم ويقاتلوا أعداءكم، وهذا متعذر من هؤلاء، فدار الأمر بين قتالكم مع قومهم وبين ترك قتال الفريقين، وهو أهون الأمرين عليكم، والله قادر على تسليطهم عليكم، فاقبلوا العافية، واحمدوا ربكم الذي كف أيديهم عنكم مع التمكن من ذلك.
﴿فَـ﴾ هؤلاء ﴿إن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾.
الفرقة الثالثة: قوم يريدون مصلحة أنفسهم بقطع النظر عن احترامكم، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ أي: من هؤلاء المنافقين. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ أي: خوفا منكم ﴿وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أي: لا يزالون مقيمين على كفرهم ونفاقهم، وكلما عرض لهم عارض من عوارض الفتن أعماهم ونكسهم على رءوسهم، وازداد كفرهم ونفاقهم، وهؤلاء في الصورة كالفرقة الثانية، وفي الحقيقة مخالفة لها.
فإن الفرقة الثانية تركوا قتال المؤمنين احترامًا لهم لا خوفا على أنفسهم، وأما هذه الفرقة فتركوه خوفا لا احتراما، بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين، فإنهم مستعدون (٤) لانتهازها، فهؤلاء إن لم يتبين منهم ويتضح اتضاحًا عظيمًا اعتزال المؤمنين وترك قتالهم، فإنهم يقاتلون، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: المسالمة والموادعة ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجة بينة واضحة، لكونهم معتدين ظالمين لكم تاركين للمسالمة، فلا يلوموا إلا أنفسهم.
(١) زيادة من هامش ب.
(٢) في هامش أ: (وقد ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: "فما لكم في المنافقين فئتين" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد". وليس هناك علامة تدل على محل هذه الزيادة.
(٣) كذا في ب، وفي أ: أحدها.
(٤) في ب: سيقدمون.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أَرْكَسَهُم
أَوْقَعَهُمْ، وَرَدَّهُمْ.

إعراب الآية ٨٨ من سورة النساء

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة النساء (٤) : آية ٨٦]

وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦)
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها لم ينصرف لأنه أفعل وهو صفة أي بتحية أحسن منها. قال ابن عباس: إذا قال سلام عليكم قلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فهذا أحسن منها. أَوْ رُدُّوها وعليكم وهذا للكفار يعني الثاني، وقال غيره:
لا يجوز أن يقال للكفار: وعليكم السلام كما لا يجوز أن يترحّم على ميتهم ولا حيّهم. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً قيل محاسبا كما قال: أكيل بمعنى مواكل، وقال مجاهد: «حسيبا» حفيظا، وقال أبو عبيدة «١» : كافيا. قال أبو جعفر: وهذا أبينها يقال:
أحسبني الشيء أي كفاني ومنه حَسْبَكَ اللَّهُ [الأنفال: ٦٤] وقد بيّنت أن هذا خطأ في الكتاب الآخر.

[سورة النساء (٤) : آية ٨٧]

اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧)
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ابتداء وخبر. لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لأن الناس يقومون فيها لرب العالمين جل وعز، وقيل: لأن الناس يقومون من قبورهم إليها. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً على البيان.

[سورة النساء (٤) : آية ٨٨]

فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨)
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ روى شعبة عن عديّ بن ثابت عن عبد الله بن زيد عن زيد بن ثابت قال: تخلّف رجال عن أحد فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت فرقة: اقتلهم وقالت فرقة: اعف عنهم فأنزل الله جلّ وعزّ فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ.
قال الضحاك: هؤلاء قوم تخلّفوا بمكّة وأظهروا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم الإسلام وقالوا إن ظهر محمد فقد عرفنا وإن ظهر قومنا فهو أحبّ إلينا، فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولونهم وقوم يتبرؤون منهم فقال الله جلّ وعزّ فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا فبين الله جلّ وعزّ كفرهم وأوجب البراءة منهم، وقال الأخفش «فئتين» على الحال «٢» كما يقال: مالك قائما، وقال الكوفيون «٣» : هو خبر ما لكم كخبر كان وظننت وأجازوا إدخال الألف واللام فيه، وحكى الفراء «٤» : أركسهم أي ردّهم إلى الكفر. قال
(١) انظر مجاز القرآن ١/ ١٣٥.
(٢) عند البصريين كما في البحر المحيط ٣/ ٣٢٦.
(٣) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٢٦.
(٤) قاله ابن عباس واختاره الفراء والزجاج، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٢٦. [.....]
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٨٨ من سورة النساء

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآية. [٨٨].
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو عمرو إسماعيل بن نَجِيد، قال: حدَّثنا يوسف بن يعقوب القاضي، قال: حدَّثنا عمرو بن مَرْزُوق، قال: حدَّثنا شُعْبَة، عن عَدِيّ بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد بن ثابت:
أن قوماً خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أُحد، فرجعوا. فاختلف فيهم المسلمون: فقالت فرقة: نقتلهم، وقالت فرقة: لا نقتلهم. فنزلت هذه الآية.
رواه البخاري عَنْ بُنْدار، عن غُنْدَر.
ورواه مسلم عن عبد الله بن معاذ، عن أبيه؛ كلاهما عن شُعْبة.
أخبرنا عبد الرحمن بن حَمْدَان العدل، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك، قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا الأسود بن عامر، قال: حدَّثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد عن عبد الله بن قُسَيْط، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه:
أن قوماً من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا، وأصابوا وباء المدينة وحُمّاها فأُرْكِسوا، فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما لكم رجعتم؟ فقالوا: أصابنا وباء المدينة فاجْتَوَيْنَاها فقالوا: ما لكم في رسول الله أسوة [حسنة؟] فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا هم مسلمون، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ الآية.
وقال مجاهد في هذه الآية: هم قوم خرجوا من مكة حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبي عليه السلام [أن يخرُجُوا] إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون: فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون. فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية، وأمر بقتلهم في قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ فجاءوا ببضائعهم يريدون هِلالَ بن عُوَيمر الأَسْلَمي وبَيْنَه وبين النبي صلى الله عليه وسلم حلف، وهو الذي حَصِرَ صَدْرُه أن يقاتل المؤمنين، فرفع عنهم القتل بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ﴾ الآية.

القراءات في الآية ٨٨ من سورة النساء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

فِئَتَيْنِ

(فِئَتَيْن) بهمزة مفتوحة بعد الفاء

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع

(فِيَتَيْن) بياء مفتوحة بعد الفاء

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٨٨ من سورة النساء

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٦ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

٩ أقوال
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿أركسهم بما كسبوا﴾، قال: أهلكهم بما عملوا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٦٧ بلفظ: أهلكهم بما كسبوا، وابن جرير ٧‏/‏٢٨٨-٢٨٩، وابن المنذر (٢٠٨٩).
٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿أركسهم﴾، قال: أضلَّهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٨٩، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٢٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ عطية (٢/٦٢١) قول قتادة والسدي، فقال: «ومَن قال من المتأولين: أهلكهم، أو أضلهم. فإنما هي بالمعنى، لأن ذلك كله يتضمنه ردهم إلى الكفر».
٣
عن عطاء الخراساني -من طريق ابنه عثمان- قوله: ﴿أركسهم بما كسبوا﴾، فيقال: ردَّهم بما كسبوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٢٥.
٤
قال مقاتل بن سليمان: قال الله عز وجل: ﴿فما لكم﴾ صرتم ﴿في المنافقين فئتين﴾ تختصمون، ﴿والله أركسهم﴾ يعني: أضلهم فردهم إلى الكفر ﴿بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله﴾ عن الهدى ﴿فلن تجد له سبيلا﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٩٤-٣٩٥.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿والله أركسهم﴾، يقول: أوقعهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٨٨، وابن المنذر (٢٠٨٦)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٢٥.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخراساني- ﴿أركسهم﴾، قال: ردَّهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٨٨، وابن المنذر ٢‏/‏٨٢١.
٧
عن الضحاك بن مزاحم، كذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن المنذر ٢‏/‏٨٢١.
٨
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قول: ﴿أركسهم﴾. قال: حبسهم في جهنم بما عملوا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول أمية: أركسوا في جهنم أنهم كانوا عتاة يقولوا مَيْنًا١ وكذبًا وزورًا٢
التخريج
  1. ١المين: الكذب. النهاية (مين).
  2. ٢أخرجه الطستي في مسائله -كما في الإتقان ٢‏/‏٩١-.
٩
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر- ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾، قال: فرقتين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر ٢‏/‏٨٢١.

نزول الآية

١٧ قولًا
١
عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن: أنّ نفرًا من طوائف العرب هاجروا إلى رسول الله ﷺ، فمكثوا معه ما شاء الله أن يمكثوا، ثم ارتكسوا، فرجعوا إلى قومهم، فلقوا سرية من أصحاب رسول الله ﷺ، فعرفوهم، فسألوهم: ما ردَّكم؟ فاعتلُّوا لهم، فقال بعض القوم لهم: نافقتم. فلم يزل بعض ذلك حتى فشا فيهم القول؛ فنزلت هذه الآية: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٢٤ من وجه آخر.
٢
عن زيد بن أسلم، عن ابنٍ لسعد بن معاذ الأنصاري: أنّ هذه الآية أنزلت فينا: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا﴾، خطب رسول الله ﷺ الناس، فقال: «مَن لي بمن يؤذيني ويجمع لي في بيته مَن يؤذيني؟». فقام سعد بن معاذ، فقال: إن كان مِنّا يا رسول الله قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا فأطعناك. فقام سعد بن عبادة، فقال: ما بك يا ابنَ معاذ طاعةُ رسول الله ﷺ، ولكن عرفت ما هو منك. فقام أسيد بن حضير: فقال: إنك يا ابن عبادة منافق تحب المنافقين. فقام محمد بن مسلمة، فقال: اسكتوا، أيها الناس، فإنّ فينا رسول الله ﷺ، وهو يأمرنا فَنَنفُذُ لأمره. فأنزل الله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في التفسير من سننه ٤‏/‏١٣١٣-١٣١٤ (٦٦٣)، وابن المنذر ٢‏/‏٨١٩ (٢٠٨٢) واللفظ له، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٢٣ (٥٧٤٠). قال ابن كثير في تفسيره ٢‏/‏٣٧١: «وهذا غريب». ومثله العيني في عمدة القاري ١٨‏/‏١٨٠.
٣
عن زيد بن أسلم -من طريق ابنه عبد الرحمن- أنّ رسول الله ﷺ خطب الناس، فقال: «كيف ترون في رجل يجادل بين أصحاب رسول الله، ويسيء القول لأهل رسول الله وقد برَّأهم الله؟» ثم قرأ ما أنزل الله في براءة عائشة، فقال سعد بن معاذ: إن كان مِنّا قتلناه، وإن كان من غيرنا جاهدناه. فقال سعد بن عبادة: إنك -واللهِ- لا تقدر على ذلك، وما تستطيعه. فقال محمد بن مسلمة: أتتكلم دون منافقٍ، عدوَّ الله؟! فقال أسيد بن الحضير: فيما تكثرون، دعونا من هذا بيننا وبينه، إن يأمرنا به رسول الله لم ننظر هل تمنعه. فلم تبرح المقالة بهم حتى تَداعوا بالأوس والخزرج، فنزل عليه القرآن في ذلك: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله﴾. فلم يكن بعد هذه الآية ينصره أحد، ولا يتكلم فيه أحد، قال: فلقد كان رجل من بني ثعلبة يأتيه وهو جالس في المسجد، فيأخذ بلحيته، ويقول: اخرج؛ منافق، خبيث. فيقول: أما أحد ينصرني من أسيد بني ثعلبة هذا، فما يتكلم فيه أحد١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١‏/‏١٥٠ (٣٥١)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٢٥ مختصرًا. وإليه عزاه السيوطي، وفي آخره: فلم يكن بعد هذه الآية ينطق، ولا يتكلم فيه أحد.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: إنّ قومًا كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يُظاهِرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا فيهم بأس. وإنّ المؤمنين لَمّا أُخْبِروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء، فاقتلوهم؛ فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله! أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم؟! فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحد من الفريقين عن شيء؛ فنزلت: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ إلى قوله: ﴿حتى يهاجروا في سبيل الله﴾. يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم، ﴿فإن تولوا﴾ قال: عن الهجرة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٨٣-٢٨٤، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٢٣ (٥٧٤١) من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، قال: حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده عطية العوفي، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾، قال: قوم خرجوا من مكة حتى جاؤوا المدينة، يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتَدُّوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبي ﷺ إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يَتَّجِرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون؛ فقائل يقول: هم منافقون. وقائل يقول: هم مؤمنون. فبيَّن الله نفاقهم، فأمر بقتلهم، فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين محمد عليه السلام حلف، وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه، فدفع عنهم بأنهم يؤمُّون هلالًا وبينه وبين النبي ﷺ عهد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٨٢-٢٨٣، وابن المنذر (٢٠٨٣)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٢٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد- في الآية، قال: هم ناس تخلَّفوا عن نبي الله ﷺ، وأقاموا بمكة، وأعلنوا الإيمان، ولم يُهاجِروا، فاختلف فيهم أصحابُ رسول الله ﷺ، فتولّاهم ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، وتبَرَّأ من ولايتهم آخرون، وقالوا: تخلفوا عن رسول الله ﷺ، ولم يهاجروا. فسماهم الله منافقين، وبرأ المؤمنين من ولايتهم، وأمرهم أن لا يَتَوَلَّوهم حتى يهاجروا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢٨٤.
٧
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عمران بن حُدَيْر- في الآية، قال: أخذ ناس من المسلمين أموالًا من المشركين، فانطلقوا بها تُجّارًا إلى اليمامة، فاختلف المسلمون فيهم، فقالت طائفة: لو لقيناهم قتلناهم، وأخذنا ما في أيديهم. وقال بعض: لا يصلح لكم ذلك، إخوانكم انطلقوا تجارًا. فنزلت هذه الآية: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٢٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾، قال: ذُكِر لنا: أنّهما كانا رجلين من قريش، كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلما بالإسلام، ولم يهاجرا إلى النبي ﷺ، فلقيهما ناس من أصحاب رسول الله ﷺ وهما مقبلان إلى مكة، فقال بعضهم: إنّ دماءهما وأموالهما حلال. وقال بعضهم: لا يحل ذلك لكم. فتشاجروا فيهما؛ فأنزل الله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ حتى بلغ: ﴿ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٨٤، وابن المنذر (٢٠٨٤). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٩
عن محمد بن كعب القرظي أنّه قال في هذه الآية: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا﴾: أتى رهْطٌ إلى رسول الله، فقالوا: يا رسول الله، إنّ المدينة قد ضاق علينا ترابها وسِباخُها١، فأْذَنْ لنا نخرج إلى هذه الحَرَّة، فنكون منك قريبًا، [...] إلى حَرَّتنا هذه، فقعد رَهْطٌ من أصحاب النبي فيهم محمد بن مسلمة الأنصاري [...] هم، فقال بعضهم: ما تقولون في هؤلاء الذين خرجوا إلى هذه الحرة؟ فقالوا: اسأل [...] وهم إخواننا، وقد أذن لهم نبينا. فقالت طائفة من القوم لعمر: والله، ما [...] خير حين تركوا مجالستنا ومسجدنا، وأن يحضروا معنا، وخرجوا إلى [...] الحَرَّة ليس بيننا وبينهم إلا دعوة، فأكثروا القول في ذلك، الطائفتان جميعًا [... ﴿فما لكم] في المنافقين فئتين﴾، وذلك: تريدون أن تقتتلوا فيهم فأنا أخبركم خبرهم، فإنّ الله ﴿أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ودوا﴾ للذين كفروا، ﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله﴾٢
التخريج
  1. ١السباخ: جمع سَبَخة، وهي الأرض ذات الملح. اللسان (سبخ).
  2. ٢أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٢‏/‏٧٧-٧٨ (١٤٩).
١٠
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنا قد أصابنا أوجاع في المدينة، واتَّخَمْناها١، فلعلنا أن نخرج إلى الظَّهْر٢ حتى نتماثل، ثم نرجع، فإنّا كُنّا أصحاب بَرِّيَّة. فانطلقوا، واختلف فيهم أصحاب النبي ﷺ، فقالت طائفة: أعداء الله منافقون، وددنا أنّ رسول الله ﷺ أذن لنا فقاتلناهم. وقالت طائفة: لا، بل إخواننا، تَخَمَتْهُم المدينةُ فاتَّخَمُوها، فخرجوا إلى الظَّهْر يتنزهون، فإذا برئوا رجعوا. فأنزل الله في ذلك: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾٣
التخريج
  1. ١اتخم القوم البلدة، أي: لم يُوافِق هواؤها أبدانَهُم. اللسان (وخم).
  2. ٢الظهر: يطلق على ما شرُف من الأرض وارتفع. النهاية (ظهر).
  3. ٣أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٨٦.
١١
عن مَعْمَر بن راشد -من طريق أبي سفيان- قال: بلغني أنّ ناسًا من أهل مكة كتبوا إلى النبي ﷺ أنهم قد أسلموا، أو كان ذلك منهم كذبًا، فلقوهم، فاختلف فيهم المسلمون؛ فقالت طائفة: دماؤهم حلال. وقالت طائفة: دماؤهم حرام. فأنزل الله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٨٤.
١٢
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق معمر- أنّ ناسا من أهل مكة كتبوا إلى أصحاب النبي ﷺ أنهم قد أسلموا، وكان منهم كذبًا، فلقوهم، فاختلف فيهم المسلمون؛ فقالت طائفة: دماؤهم حلال. وقالت طائفة: دماؤهم حرام. فأنزل الله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٦٧.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فما لكم﴾ صرتم ﴿في المنافقين﴾، نزلت في تسعة نفر، منهم: مخرمة بن زيد القرشي، هاجروا من مكة إلى المدينة، فقدموا وأرادوا الرجعة، فقال بعضهم: نخرج كهيئة البداة، فإذا غُفل عنا مضينا إلى مكة. فجعلوا يتحولون مَنقَلةً مَنقَلةً١، حتى تباعدوا من المدينة، ثم إنهم أدلجوا حتى أصبحوا قد قطعوا أرضًا بعيدة، فلحقوا بمكة، فكتبوا إلى النبي ﷺ: إنا على ما فرقناك عليه، ولكنا اشتقنا إلى بلادنا وإخوتنا بمكة. ثم إنهم خرجوا تجارًا إلى الشام، واستبضعهم أهل مكة بضائعهم، فقالوا لهم: أنتم على دين محمد ﷺ وأصحابه، فلا بأس عليكم، فساروا، وبلغ المسلمين أمرُهم، فقال بعضهم لبعض: اخرجوا إلى هؤلاء، فنقاتلهم، ونأخذ ما معهم، فإنهم تركوا دار الهجرة، وظاهروا عدوَّنا. وقال آخرون: ما حلَّت دماؤهم ولا أموالهم، ولكنهم فُتنوا، ولعلهم يرجعوا للتوبة. والنبي ﷺ ساكت؛ فأنزل الله عز وجل يخبر عن التسعة رهط، ويعظ المؤمنين ليكون أمرهم جميعًا عليهم٢٣
التخريج
  1. ١المَنقَلَة: المرحلة من مراحل السفر. لسان العرب (نقل).
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٩٤-٣٩٥.
تعليقات المحققين
  1. ٣أفادت الآثار اختلاف المفسرين فيمن نزل قوله تعالى: ﴿فَما لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ على أقوال: الأول: في الذين تخلَّفُواْ عن رسول الله ﷺ يوم أحد، وقالوا: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم. وهو قول زيد بن ثابت. الثاني: في قوم قَدِمُوا المدينة فأسلموا، ثم رجعوا إلى مكة فارتدوا وأظهروا الشرك. وهو قول مجاهد. الثالث: في قوم أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يُعينون المشركين على المسلمين. وهو قول ابن عباس، وقتادة، ومعمر، والضحاك. الرابع: في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها نفاقًا. وهو قول السدي، ومحمد القرظي. الخامس: أنها نزلت في قوم من أهل الإفك. وهو قول ابن زيد. ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٢٨٦) مستندًا إلى ظاهر القرآن القول الثاني، وعلَّل ذلك، فقال: «لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة. والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة. وفي قول الله -جلَّ ثناؤه-: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهُمْ أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة؛ لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله ﷺ إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرض هجرة؛ لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه». وعلَّق ابنُ عطية (٢/٦٢٠) على قول ابن عباس، ومجاهد، فقال: «وهذان القولان يعضدهما ما في آخر الآية من قوله تعالى: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾». ثم انتَقَد(٢/٦٢٠-٦٢١) القول بأنهم كانوا من أهل المدينة، فقال: «وكل مَن قال في هذه الآية: إنها في مَن كان بالمدينة. يردُّ عليه قوله: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾». ثم التمس له توجيهًا، فقال: «لكنهم يخرجون المهاجرة إلى هجر ما نهى الله عنه، وترك الخلاف والنفاق، كما قال عليه الصلاة والسلام: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»».
١٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾، قال: هذا في شأن ابن أُبَيٍّ حين تكلم في عائشة ما تكلم؛ فنزلت إلى قوله: ﴿فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله﴾. فقال سعد بن معاذ: فإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه. يريد: عبد الله بن أبي بن سلول١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٨٦.
١٥
عن زيد بن ثابت: أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناسٌ خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم. وفرقة تقول: لا. فأنزل الله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ الآية كلها. فقال رسول الله ﷺ: «إنّها طَيْبَة، وإنّها تنفي الخَبَث كما تنفي النارُ خَبَث الفِضَّة»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٢٢ (١٨٨٤)، ٥‏/‏٩٦ (٤٠٥٠)، ٦‏/‏٤٧ (٤٥٨٩)، ومسلم ٤‏/‏٢١٤٢ (٢٧٧٦)، وعبد بن حميد كما في قطعة من تفسيره (٢٤٢)، وابن جرير ٧‏/‏٢٨١-٢٨٢، وابن المنذر ٢‏/‏٨١٩ (٢٠٨١)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٢٢-١٠٢٣ (٥٧٣٩). وأورده الثعلبي ٣‏/‏٣٥٥ واللفظ له.
١٦
عن زيد بن ثابت، قال: كان المنافقون وأصحاب النبي ﷺ في بيت، فقال طائفة: لوددنا أنهم برزوا لنا فقاتلناهم. وكرهت طائفة ذلك، حتى علت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ، فقال لزيد: «اكتبها: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا﴾»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ٥‏/‏١٢٠ (٤٨٠٥)، وأبو نعيم في صفة النفاق ص٨٩ (٥٨)، وابن جرير ٧‏/‏١٨١-١٨٢ من طرقٍ عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت به. إسناده صحيح.
١٧
عن عبد الرحمن بن عوف -من طريق ابنه أبي سلمة-: أنّ قومًا من العرب أتَوْا رسول الله ﷺ بالمدينة، فأسلموا، وأصابهم وباء المدينة -حُمّاها-، فأُرْكِسوا، خرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من الصحابة، فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة. فقالوا: ما لكم في رسول الله أسوة حسنة؟! فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا، إنهم مسلمون. فأنزل الله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣‏/‏٢٠٣-٢٠٤ (١٦٦٧). قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٧ (١٠٩٣٩): «رواه أحمد، وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وأبو سلمة لم يسمع من أبيه». وقال السيوطي في لباب النقول ص٦٤: «في إسناده تدليس وانقطاع».
التفسير بالمأثور لسورة النساء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٨٨ من سورة النساء

٧ وقفات في هذه الآية

  • "فمالكم في المنافقين فئتين" ليس العجب من مرض المنافقين ولكن العجب من اختلاف أهل الحق فيهم

    — عبدالله بلقاسم

  • أحزن إذ أرى عدداً من الرفقاء يصيرون فرقاء؛ لاختلافهم في طريقة التعامل مع الأعداء، والله يقول(فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا)"

    — خباب مروان الحمد

  • "فما لكم في المنافقين فئتين " لمّا كان للمنافق وجهان ، كان من الطّبيعي أنْ يكون للصّالحين فيه رأيان متباينان

    — صالح العبودي

  • (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ)، عَتِبَ الله على الصحابة اختلافهم في المنافقين؛ فاحذر أن تختلف مع إخوانك مدافعًا عن منافقين.

    — عبدالمحسن المطيري

  • مجالس في تدبر القرآن تدبر آية 88 سورة النساء

    — خالد السبت

  • الأصل في موقف أهل الإيمان من المنافقين أن يكون واضحًا وموحدًا وغير متردد.. { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ...}!

    — مجالس التدبر

  • خفْ من ذنوبك .. وخاصة تلك التي تراوحها بين الفينة والأخرى .. فقد تكون سبب انتكاستك {... وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ ...}

    — مجالس التدبر

فتاوى متعلقة بالآية ٨٨ من سورة النساء

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٨٨ من سورة النساء

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(88) What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,[206] while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.[207] Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].[208]
[206]- i.e., divided between two viewpoints - whether or not they should be fought and killed.
[207]- As the result of their disobedience and disloyalty.
[208]- Allāh (subḥānahu wa taʿālā) leaves or sends astray those who choose to reject His guidance.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال