فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
الاستفهام في قوله :﴿مَالَكُمْ﴾ للإنكار، واسم الاستفهام مبتدأ، وما بعده خبره. والمعنى : أي شيء كائن لكم ﴿فِى المنافقين﴾ أي : في أمرهم وشأنهم حال كونكم ﴿فِئَتَيْنِ﴾ في ذلك. وحاصله الإنكار على المخاطبين أن يكون لهم شيء يوجب اختلافهم في شأن المنافقين. وقد اختلف النحويون في انتصاب فئتين، فقال الأخفش، والبصريون على الحال، كقولك : مالك قائماً. وقال الكوفيون انتصابه على أنه خبر لكان، وهي مضمرة، والتقدير : فما لكم في المنافقين كنتم فئتين. وسبب نزول الآية ما سيأتي وبه يتضح المعنى. وقوله :﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ معناه ردّهم إلى الكفر ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ وحكى الفراء، والنضر بن شميل، والكسائي أركسهم وركسهم، أي : ردّهم إلى الكفر، ونكسهم، فالركس والنكس : قلب الشيء على رأسه، أو ردّ أوله إلى آخره، والمنكوس المركوس، وفي قراءة عبد الله بن مسعود وأبيّ ﴿والله ركسهم﴾ ومنه قول عبد الله بن رواحة :
اركسوا في فئة مظلمةكسواد الليل يتلوها فتن
والباء في قوله :﴿بِمَا﴾ سببية، أي أركسهم بسبب كسبهم، وهو لحوقهم بدار الكفر. والاستفهام في قوله :﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الله﴾ للتقريع والتوبيخ، وفيه دليل على أن من أضله الله لا تنجع فيه هداية البشر ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَآء﴾ [القصص: ٥٦] قوله :﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي : طريقاً إلى الهداية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم، وفرقة تقول لا، فأنزل الله :﴿فَمَا لَكُمْ فِى المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ الآية كلها. فقال رسول الله ﷺ :«وإنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة» هذا أصح ما روي في سبب نزول الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ يقول : أوقعهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال : ردهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق﴾ قال : نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه عنه في قوله :﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ﴾ الآية، قال : نسختها براءة ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السديّ :﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ يقول : ضاقت صدورهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السلم﴾ قال : الصلح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ الآية، قال : نسختها :﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وعكرمة في هذه الآية قال : نسختها براءة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآية، قال : ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قومهم، فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة أنهم ناس كانوا بتهامة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ أنها نزلت في نعيم ابن مسعود.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى