معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ اختلفوا في سبب نزولها فقال قوم : نزلت في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين، فلما رجعوا قال بعض الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله ﷺ : اقتلهم، فإنهم منافقون. وقال بعضهم : اعف عنهم فإنهم تكلموا بالإسلام.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو الوليد، أنا شعبة، عن عدي بن ثابت قال : سمعت عبد الله بن زيد يحدث عن زيد بن ثابت قال : لما خرج النبي ﷺ إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي ﷺ فرقتين، فرقة تقول نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم، فنزلت :﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا﴾، وقال : إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة. وقال مجاهد : قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا، ثم ارتدوا واستأذنوا رسول الله ﷺ إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا، وأقاموا بمكة، فاختلف المسلمون فيهم فقائل يقول : هم منافقون، وقائل يقول : هم مؤمنون. وقال بعضهم : نزلت في ناس من قريش قدموا المدينة وأسلموا ثم ندموا على ذلك فخرجوا كهيئة المتنزهين، حتى تباعدوا من المدينة فكتبوا إلى رسول الله ﷺ : إنا على الذي فارقناك عليه من الإيمان، ولكنا اجتوينا المدينة، واشتقنا إلى أرضنا، ثم إنهم خرجوا في تجارة لهم نحو الشام فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم : نخرج إليهم فنقتلهم، ونأخذ ما معهم لأنهم رغبوا عن ديننا.
وقالت طائفة : كيف تقتلون قوماً على دينكم إن لم يذروا ديارهم ؟ وكان هذا بعين النبي ﷺ وهو ساكت لا ينهى واحداً من الفريقين، فنزلت هذه الآية. وقال بعضهم : هم قوم أسلموا بمكة ثم لم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين، فنزلت ﴿فما لكم﴾ يا معشر المؤمنين ﴿في المنافقين فئتين﴾ أي : صرتم فيهم فئتين، أي : فرقتين.
قوله تعالى :﴿والله أركسهم﴾ أي : نكسهم وردهم إلى الكفر.
قوله تعالى :﴿بما كسبوا﴾ بأعمالهم غير الزاكية.
قوله تعالى :﴿أتريدون أن تهدوا﴾ أي : أن ترشدوا.
قوله تعالى :﴿من أضل الله﴾ ومعناه أتقولون أن هؤلاء مهتدون وقد أضلهم الله.
قوله تعالى :﴿ومن يضلل الله﴾ أي : من يضلل الله عن الهدى.
قوله تعالى :﴿فلن تجد له سبيلاً﴾ أي : طريقاً إلى الحق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى