الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في ناس من قريش، قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فأسلموا فأقاموا بها ثم ندموا على ذلك وأرادوا الرجعة، فقال بعضهم لبعض : كيف نخرج ؟ قالوا : نخرج كهيئة البدو فإن فطن بنا قلنا : خرجنا نتنزّه، وإن غفل عنّا مضينا، فخرجوا بهيئة المتنزهين، حتى باعدوا من المدينة. ثم كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنّا على الذي فارقناك عليه من الإيمان والتصديق بالله وبرسوله، ولكنا [ اجتوينا ] المدينة، واشتقنا إلى أرضنا. ثم إنّهم خرجوا في تجارة لهم، على الشام، فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم : ما يمنعنا أن نخرج إلى هؤلاء الذين رغبوا عن ديننا، وتركوا هجرتنا، وظاهروا على عدوّنا، فنقتلهم ونأخذ مالهم وقالت طائفة منهم : كيف تقتلون قوماً على دينكم، إن لم يذروا ديارهم، وكان هذا بين يدي رسول الله ﷺ وهو ساكت لاينهى واحداً من الفريقين، حتى نزلت هذه الآية والآيات بعدها، فبين الله تعالى للنبي ﷺ شأنهم.
وقال زيد بن ثابت :" نزلت في ناس رجعوا يوم أحد عن النبي ﷺ وكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين فرقة تقول : نقتلهم، وفرقة تقول : لانقتلهم، فنزلت فيهم هذه الآية وقال رسول الله ﷺ " إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي النار خبث الفضة " يعني المدينة.
وقال قتادة : ذكرهما أنهما كانا رجلين من قريش بمكة تكلّما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبي ﷺ لقيهما ناس من أصحاب رسول الله ﷺ مقبلين إلى مكة فقال بعضهم : إنّ دماءهما وأموالهما حلال، وقال بعضهم : لا، [ جلَّ ذلك منا ] فأنزل الله تعالى ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ الآية.
وقال عكرمة : هم ناس ممن قد صبوا ليأخذوا أموالاً من أموال المشركين فانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم فنزلت فيهم هذه الآية.
وقال مجاهد : هم قوم خرجوا مع النبي ﷺ إلى المدينة ثمّ ارتدّوا بعد ذلك واستأذنوا رسول الله ﷺ ليأتوا بضائع لهم يتاجرون فيها، فخاف المسلمون منهم فقائل يقول : هم منافقون، وقائل يقول : هم مؤمنون، فبيّن الله تعالى نفاقهم.
وقال الضحاك : هم قوم أظهروا الإسلام بمكة فلما هاجر رسول الله ﷺ لم يهاجروا فاختلف المسلمون فيهم، فنزلت هذه الآية ( فمالكم ) يامعشر المؤمنين ( في المنافقين فئتين ) أي صرتم في المنافقين فئتين فمحلّ ومحرّم، ونصب فئتين على خبر صار، وقال بعضهم : نصب على إلاّ. ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ أي أهلكهم، ولكنهم تركوهم بكفرهم وضلالتهم بأعمالهم غير الزاكية يقال : أركست الشيء ركسته أي نكسته ورددته، وفي قراءة عبدالله : وإني والله أنكسهم، وقال ابن رواحة :
أركسوا في فتنة مظلمةكسواد الليل يتلوها فتن
﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ﴾ أي ترشدوا إلى الهدى ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ وقيل : معناه : أيقولون أنّ هؤلاء يهتدون والله قد أضلّهم ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عن الهدى ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي ديناً وطريقاً إلى الهدى

تفسير هذه الآية من كتب أخرى