محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
وقوله تعالى :
( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا٨٨ ).
( فما لكم في المنافقين ) أي : فما لكم تفرقتم في أمر المنافقين ( فئتين ) أي : فرقتين ولم تتفقوا على التبرؤ منهم. والاستفهام للإنكار. والنفي والخطاب لجميع المؤمنين. لكن ما فيه من معنى التوبيخ متوجه إلى بعضهم. وذلك أن فرقة من المؤمنين كانت تميل إليهم وتذب عنهم وتواليهم. وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم. فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبرؤ منهم. لأن دلائل نفاقهم وكفرهم ظاهرة جلية. فليس لكم أن تختلفوا في شأنهم. وقد قيل : ان المراد بهم هنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول اله ﷺ يوم أحد، ورجعوا بعسكرهم، بعد أن خرجوا. كما تقدم في آل عمران. كما أوضحه ما رواه الشيخان(١) والإمام أحمد والترمذي عن زيد بن ثابت :" أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد. فرجع ناس خرجوا معه. فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين : فرقة تقول : نقتلهم. وفرقة تقول : لا. هم المؤمنون. فأنزل الله :( فما لكم في المنافقين فئتين ). فقال رسول الله ﷺ : إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد ". هذا لفظ أحمد.
وقد ذكر الإمام محمد بن إسحاق(٢) وفي وقعة أحد :" أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش : رجع بثلاثمائة وبقي النبي ﷺ في سبعمائة ".
وثمة في نزول الآية رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد(٣) في ( مسنده ) عن عبد الرحمان بن عوف :" أن قوما من العرب أتوا رسول الله ﷺ بالمدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة وحماها. فأركسوا. فخرجوا من المدينة. فاستقبلهم نفر من أصحابه. يعني النبي ﷺ. فقالوا لهم : ما لكم رجعتم : قالوا : أصابنا وباء المدينة. فقالوا : أما لكم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة ؟ فقال بعضهم : نافقوا. وقال بعضهم : لم ينافقوا. فأنزل الله :( فما لكم في المنافقين فئتين )... الآية ". وهذه الرواية هي الأقرب لنظم الآية كما سنبينه في التنبيه الثاني ( والله أركسهم ) أي نكسهم وردهم إلى الكفر ( بما كسبوا ) أي : بسبب ما كسبوه من لحوقهم بالكفار ( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) أي : تعدوهم من جملة المهتدين. قال أبو السعود : تجريد للخطاب وتخصيص له بالقائلين بإيمانهم من الفئتين، وتوبيخ لهم على زعمهم ذلك، وإشعار بأنه يؤدي إلى محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى. وذلك لأن الحكم بإيمانهم وادعاء اهتدائهم، وهم بمعزل عن ذلك، سعي في هدايتهم وإرادة لها. ووضع الموصول موضع ضمير المنافقين لتشديد الإنكار وتأكيد استحالة الهداية بما ذكر في حيز الصلة، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة لا إلى متعلقها. بأن يقال : أتهدون الخ للمبالغة في إنكاره ببيان أنه مما لا يمكن إرادته، فضلا عن إمكان نفسه ( ومن يضلل الله ) عن دينه ( فلن تجد له سبيلا ) أي : طريقا إلى الهدى.
١ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٥ –باب (فما لكم في المنافقين فئتين)، حديث ٩٥٦ ونصه:
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه (فما لكم في المنافقين فئتين) رجع ناس من أصحاب النبي صلى اله عليه وسلم من أحد. وكان الناس فيهم فرقتين: فريق يقول: اقتلهم. وفريق يقول: لا. فنزلت: (فما لكم في المنافقين فئتين). وقال: "انها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة".
والامام أحمد في المسند بالصفحة ١٨٤ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..

٢ انظر سيرة ابن هشام صفحة ٥٥٩ (طبعة جوتنجن) وصفحة ٦٨ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..
٣ أخرجه الامام أحمد في مسنده بالصفحة ١٩٢ من الجزء الأول (طبعة الحلبي). ونصه: عن عبد الرحمان بن عوف أن قوما من العرب أتوا رسول الله ﷺ المدينة فأسلموا. وأصابهم وباء المدينة: حماها. فأركسوا فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحابه (يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتوينا المدينة. فقالوا: أما لكم في رسول الله ﷺ أسوة؟ فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا هم مسلمون. فأنزل الله عز وجل: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا)... الآية..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى