البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ قيل : نزلت في أرباب الأموال يقسمونها عندما يحضر الموت في وصية، وجهات يختارونها، ويحضرهم من القرابات محجوب عن الإرث، فيوصون للأجانب ويتركون المحجوبين فيحرمون الإرث والوصية قاله : ابن عباس وابن المسيب وابن زيد وأبو جعفر.
وقيل : نزلت في أرباب الفرائض يحضرهم أيضاً محجوب، فأمروا أن يرضخوا لهم مما أعطاهم الله.
روي عن ابن عباس وابن المسيب : أنها منسوخة، وبه قال : عكرمة والضحاك قالوا : كانت قسمة جعلها الله ثلاثة أصناف، ثم نسخ ذلك بآية الميراث، وأعطى كل ذي حظ حظه، وجعل الوصية للذين يحرمون ولا يرثون.
وقيل : هي محكمة أمر الله من استحق إرثاً، وحضر القسمة قريب أو يتيم أو مسكين لا يرث، أن لا يحرموا إن كان المال كثيراً، وأن يعتذر إليهم إن كان قليلاً، وأمر به أبو موسى الأشعري.
وقال الحسن والنخعي : كان المؤمنون يفعلون ذلك يقسمون لهم من العين الورق والفضة، فإذا قسموا الأرضين والرقيق قالوا لهم قولاً معروفاً : بورك فيكم.
وفعله عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وتلا هذه الآية.
وإذا كان الوارث صغيراً لا يتصرف، هل يفعل ذلك الولي أولا ؟ قولان.
والظاهر من سياق هذه الآية عقيب ما قبلها أنها في الوارثين لا في المحتضرين الموصين، والذي يظهر من القسمة أنها مصدر بمعنى القسم قال تعالى :﴿تلك إذاً قسمة ضيزى﴾
وقيل : المراد بالقسمة المقسوم.
وقيل : القسمة الاسم من الاقتسام لا من القسم، كالخيرة من الاختيار.
ولا يكاد الفصحاء يقولون قسمت بينهم قسمة، وروى ذلك الكسائي.
وقسمتك ما أخذته من الاقسام، والجمع قسم.
وقال الخليل : القسم الحظ والنصيب من الجزء، ويقال : قاسمت فلاناً المال وتقاسمناه واقتسمناه، والقسم الذي يقاسمك.
وظاهر قوله : فارزقوهم، الوجوب.
وبه قال جماعة منهم : مجاهد، وعطاء، والزهري.
وقال ابن عباس، وابن جبير، والحسن : هو ندب.
وفي قوله : فارزقوهم إضافة الرزق إلى غير الله تعالى، كما قال :﴿والله خير الرازقين﴾ وقيل : كان ذلك في الورثة واجباً فنسخته آية الميراث، والضمير في : منه عائد على المال المقسوم، ودل عليه القسمة، لأن القسمة وهي المصدر تدل على متعلقها وهو المال.
وقيل : يعود إلى ما من قوله : ما ترك الوالدان والأقربون.
ومن قال : القسمة المقسوم، أعاد الضمير إلى القسمة على معنى التذكير، إذ المراد المقسوم.
وقدّم اليتامى على المساكين لأنّ ضعفهم أكثر، وحاجتهم أشد، فوضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم للأجر.
والظاهر أنهم يرزقون من عين المال المقسوم، ورأى عبيدة وابن سيرين : أن الرزق في هذه الآية أن يصنع لهم طعام يأكلونه، وفعلاً ذلك وذبحا شاة من التركة، وقسم عند عبيدة مال ليتيم فاشترى منه شاة وذبحها، وقال عبيدة : لولا هذه لكانت من مالي.
وقوله : منه يدل على التبعيض، ولا تقدير فيه بالإجماع، وهذا مما يدل على الندب.
إذ لو كان لهؤلاء حق معين لبين الله قدر ذلك الحق، كما بين في سائر الحقوق.
وعلى هذا فقهاء الأمصار إذا كان الورثة كبار، وإن كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف.
والضمير في قوله : وقولوا لهم، عائد على ما عاد عليه الضمير في : فارزقوهم، وهم : أولو القربى واليتامى والمساكين.
وقال ابن جرير : الآية محكمة في الوصية، والضمير في فارزقوهم عائد على أولي القربى الموصي لهم، وفي لهم عائد على اليتامى والمساكين.
أمر أن يقال لهم قول معروف.
وقيل أيضاً بتفريق الضمير، ويكون المراد من أولي القربى الذين يرثون، والمراد من اليتامى والمساكين الذين لا يرثون.
فقوله : فارزقوهم راجع إلى أولي القربى.
وقوله : لهم، راجع إلى اليتامى والمساكين.
وما قيل من تفريق الضمير تحكم لا دليل عليه.
والمقول المعروف فسره هنا ابن جبير أن يقول لهم : هذا المال لقوم غيب أو ليتامى صغار، وليس لكم فيه حق.
وقيل : الدعاء لهم بالرزق والغنى.
وقيل : هو القول الدال على استقلال ما أرضخوهم به، وروي عن ابن جبير.
وقيل : العدة الحسنة بأن يقال : هؤلاء أيتام صغار، فإذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حقكم قاله، عطاء بن يسار، عن ابن جبير.
وقيل : المعروف ما يؤنس به من دعاء وغيره.
وظاهر الكلام أن الأصناف الثلاثة يجمع لهم بين الرزق والقول المعروف.
وقيل : إما أن يعطوا وإما أن يقال لهم قول معروف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والفصاحة.
الطباق في : واحدة وزوجها، وفي غنياً وفقيراً، وفي : قل أو كثر.
والتكرار في : اتقوا، وفي : خلق، وفي : خفتم، وأن لا تقسطوا، وأن لا تعدلوا من جهة المعنى، وفي اليتامى، وفي النساء، وفي فادفعوا إليهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم، وفي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وفي قوله : وليخش، وخافوا من جهة المعنى على قول من جعلهما مترادفين، وإطلاق اسم المسبب على السبب في : ولا تأكلوا وشبهه لأن الأخذ سبب للأكل.
وتسمية الشيء باسم ما كان عليه في : وآتوا اليتامى، سماهم يتامى بعد البلوغ.
والتأكيد بالاتباع في : هنيئاً مريئاً وتسمية الشيء باسم ما يؤول اليه في : نصيب مما ترك، وفي ناراً على قول من زعم أنها حقيقة.
والتجنيس المماثل في : فادفعوا فإذا دفعتم، والمغاير في : وقولوا لهم قولاً.
والزيادة للزيادة في المعنى في : فليستعفف.
وإطلاق كل على بعض في : الأقربون، إذ المراد أرباب الفرائض.
وإقامة الظرف المكاني مقام الزماني في : من خلفهم، أي من بعد وفاتهم.
والاختصاص في : بطونهم، خصها دون غيرها لأنها محل للمأكولات.
والتعريض في : في بطونهم، عرض بذكر البطون لحسنهم وسقوط هممهم والعرب تذم بذلك قال :
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وتأكيد الحقيقة بما يرفع احتمال المجاز بقوله : في بطونهم.
رفع المجاز العارض في قوله :﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً﴾ وهذا على قول من حمله على الحقيقة، ومن حمله على المجاز فيكون عنده من ترشيح المجاز، ونظير كونه رافعاً للمجاز قوله :﴿يطير بجناحيه﴾ وقوله :﴿يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى