الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن﴾ : قد تقدَّم نظيرُ هذا التركيب :
﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]. و " إلا خَطَأً " فيه أربعة أوجه، أحدُها : أنه استثناء منقطع وهو قولُ الجمهور إنْ أُريد بالنفي معناه، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ متصلاً إذ يصير المعنى : إلا خطأ فله قتلُه. والثاني : أنه متصلٌ إنْ أريد بالنفي التحريمُ، ويصير المعنى : إلا خطأ بأن عَرَفَه كافراً فقتله ثم كَشَف الغيبُ أنه كان مؤمناً. الثالث : أنه استثناء مفرغ، ثم في نصبهِ ثلاثة احتمالات، الأول : أنه مفعولٌ له أي : ما ينبغي له أن يقتلَه لعلة من العلل إلا لخطأِ وحدَه، الثاني : أنه حال أي : ما ينبغي له أن يقتلَه في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ. الثالث : أنه نعتُ مصدرٍ محذوف أي : إلا قَتْلاً خطأ، ذكر هذه الاحتمالاتِ الزمخشري. الرابع من الأوجه : أن تكونَ " إلا " بمعنى " ولا " والتقدير : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأ، ذَكَره بعضُ أهل العلم، حكى أبو عبيدة عن يونس قال :" سألتُ رؤبة بن العجاج عن هذه الآيةِ فقال :" ليس له أن يقتله عمداً ولا خطأ " فأقام " إلا " مقامَ الواوِ، وهو كقول الشاعر :
وكلُّ أخٍ مفارِقُه أخوهلَعَمْرُ أبيك إلا الفرقدانِ
إلا أن الفراء ردَّ هذا القولَ بأن مثل ذلك لا يجوزُ، إلا إذا تقدَّمه استثناء آخر فيكونُ الثاني عطفاً عليه كقوله :
ما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍدارُ الخليفةِ إلا دارُ مروانا
وهذا رأي الفراء، وأمَّا غيرُه فيزعم أن " إلا " تكون عاطفة بمعنى الواو من غير شرط، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في قوله :﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٥٠].
والجمهور قرأ " خَطَأً " مهموزاً بوزن " نبأ " والزهري :" خَطَا " بوزن عصا، وفيها تخريجان، أحدهما : أنه حذف لام الكلمة تخفيفاً، كما حذفوا لام دم ويد وأخ وبابِها. والثاني : أنه خَفَّف الهمزة بإبدالها ألفاً، فالتقت مع التنوينِ فَحُذِفت لالتقاء الساكنين، كما يُفْعَل ذلك بسائر المقصور، والحسن قرأ :" خَطاءً " بوزن " سَماء ".
قوله :﴿فَتَحْرِيرُ﴾ الفاء جواب الشرط، أو زائدةٌ في الخبر إنْ كانت " مَنْ " بمعنى الذي، وارتفاعُ " تحريرُ " : إمَّا على الفاعلية، أي : فيجبُ عليه تحريرُ وإما على الابتدائية والخبر محذوف أي : فعليه تحريرُ، أو بالعكس أي : فالواجبُ تحريرُ. والدِّيَةُ في الأصل مصدر، ثم أُطْلِقَ على المال المأخوذ في القتل، ولذلك قال :" مُسَلَّمَةٌ إلى أهله " والفعلُ لا يُسَلَّمُ بل الاعيان، تقول : وَدَى يَدِي دِيةً ووَدْياً كوشَى يشي شِيَةً، فحذفت فاء الكلمة، ونظيره في الصحيح اللام " زِنة " و " عِدة " و " إلى أهله " متعلق ب " مُسَلَّمة " تقول : سَلَّمت إليه كذا، ويجوزُ أن يكونَ صفةً ل " مُسَلَّمة " وفيه ضعفٌ.
و " خطأ " في قوله :" من قتل مؤمناً خطأ " منصوبٌ : إمَّا على المصدر أي : قتلاً خطأ، وإمَّا على أنه مصدرٌ في موضع الحال أي : ذا خطأ أو خاطئاً.
قوله :﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ فيه قولان، أحدهما : أنه استثناء منقطع. والثاني : أنه متصلٌ، قال الزمخشري :" فإنْ قلت : بمَ تَعَلَّق " أَنْ يصَّدَّقوا " وما محلُّه ؟ قلت : تَعَلَّق ب " عليه " أو بِ " مُسَلَّمَةٌ " كأنه قيل : وتَجِبُ عليه الدِّية أو يسلِّمها إلا حين يتصدقون عليه، ومحلُّها النصب على الظرف بتقديرِ حذف الزمان، كقولهم :" اجِلسْ ما دام زيد جالساً " ويجوز أن يكون حالاً من " أهله " بمعنى إلا متصدقين ". وخَطَّأه الشيخ في هذين التخريجين/، أما الأول فلأنَّ النحويين نَصُّوا على منع قيام " أَنْ " وما بعدَها مقامَ الظرف، وأنَّ ذلك ما تختص به " ما " المصدريةُ لو قلت :" آتيك أن يصيحَ الديك " أي : وقت صياحِه لم يجز. وأما الثاني فنصَّ سيبويه على منعه أيضاً قال في قول العرب :" أنت الرجل أن تنازلَ، أو أن تخاصمَ " أي : أنت الرجل نزالاً ومخاصمة :" إنَّ انتصابَ هذا انتصابَ هذا انتصابُ المفعول من أجله، لأنَّ المستقبل لا يكون حالاً " فكونُه منقطعاً هو الصوابُ. وقال أبو البقاء :" وقيل : هو متصلٌ، والمعنى : فعليه دِيَةٌ في كل حال إلا في حال التصدُّق عليه بها ".
والجمهور على " يَصَّدَّقوا " بتشديد الصاد، والأصل يتصدَّقوا، فأدغمت التاء في الصاد. ونقل عن أُبيّ هذا الأصلُ قراءةً، وقرأ أبو عمرو في روايةِ عبد الوراث - وتُعْزى للحسن وأبي عبد الرحمن - :" تَصَدَّقوا " بتاء الخطاب والأصل : تَتصدقوا بتاءين، فَأُدغمت الثانية. وقُرئ :" تَصْدُقوا " بتاء الخطاب وتخفيف الصاد، وهي كالتي قبلها، إلا أنَّ تخفيفَ هذه بحذفِ إحدى التاءين : الأولى أو الثانيةِ على خلاف في ذلك، وتخفيفَ الأولى بالإِدغام.
قوله :﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ مفعولُه محذوفٌ أي : فَمَنْ لم يجِدْ رقبة، وهي بمعنى وجدان الضالّ، فلذلك تَعَدَّتْ لواحدٍ. وقوله :﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ ارتفاعُه على أحدِ الأوجه المذكورة في قوله :﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقد مَرَّ. أي : فعليه صيامُ أو : فيجبُ عليه صيام أو فواجبُه صيام. قال أبو البقاء :" ويجوزُ في غير القرآنِ النصبُ على " فليصم صومَ شهرين ". وفيه نظرٌ لأنَّ الاستعمالَ المعروفَ في ذلك أَنْ يُقالَ " " صمتُ شهرين ويومين " ولا يقولون : صمتُ صومَ - ولا صيامَ - شهرين.
قوله :﴿تَوْبَةً﴾ في نصبه ثلاثة أوجه، أحدهم : أنهما مفعول من أجله تقديره : شَرَعَ ذلك توبةً منه. قال أبو البقاء :" ولا يجوز أن يكون العامل " صوم " إلا على حذف مضاف، أي : لوقوعِ توبة أو لحصول توبة " يعني أنه إنما احتاج إلى تقدير ذلك المضاف ولم يقل إن العامل هو الصيام ؛ لأنه اختلَّ شرطٌ من شروطِ نصبه ؛ لأنَّ فاعل الصيام غير فاعلَ التوبة. الثاني : أنها منصوبةً على المصدر أي : رجوعاً منه إلى التسهيل حيث نَقَلكم من الأثقلِ إلى الأخفِّ، أو توبة منه أي : قَبُولاً منه، مِنْ تاب عليه إذا قَبِل توبته، فالتقدير : تابَ عليكم توبةً. الثالث : أنها منصوبةٌ على الحال ولكن على حذف مضافٍ تقديرُه : فعليه كذا حالَ كونِه صاحبَ توبةٍ، ولا يجوز ذلك من غيرِ تقدير هذا المضافِ لأنك لو قلتَ :" فعليه صيامُ شهرين تائباً من الله " لم يَجُزْ " ومِن الله " في محلِّ نصبٍ لأنه صفةٌ ل " توبة " فيتعلَّقُ بمحذوف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى