الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ يقول : ما كان له ذلك فيما آتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ قال : المؤمن لا يقتل مؤمنا.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : كان الحرث بن يزيد بن نبيشة من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج مهاجرا إلى النبي ﷺ، فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فنزلت ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ. . .﴾ الآية. فقرأها عليه ثم قال له قم فحرر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ قال : عياش بن أبي ربيعة : قتل رجلا مؤمنا كان يعذبه هو وأبو جهل، وهو أخوه لأمه في اتباع النبي ﷺ، وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر كما هو، وكان عياش هاجر إلى النبي ﷺ مؤمنا، فجاءه أبو جهل وهو أخوه لأمه فقال : إن أمك تناشدك رحمها وحقها أن ترجع إليها - وهي أميمة بنت مخرمة - فأقبل معه فربطه أبو جهل حتى قدم به مكة، فلما رآه الكفار زادهم كفرا وافتتانا فقالوا : إن أبا جهل ليقدر من محمد على ما يشاء، ويأخذ أصحابه فيربطهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي في قوله ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ. . .﴾ الآية. قال : نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، كان قد أسلم وهاجر إلى النبي ﷺ، وكان عياش أخا أبي جهل، والحارث بن هشام لأمهما، وكان أحب ولدها إليها، فلما لحق بالنبي ﷺ شق ذلك عليها، فحلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه، فأقبل أبو جهل والحارث حتى قدما المدينة، فأخبرا عياشا بما لقيت أمه، وسألاه أن يرجع معهما فتنظر إليه ولا يمنعاه أن يرجع، وأعطياه موثقا أن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه. فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمدا إليه فشداه وثاقا، وجلداه نحو من مائة جلدة، وأعانهما على ذلك رجل من بني كنانة، فحلف عياش ليقتلن الكناني إن قدر عليه، فقدما به مكة فلم يزل محبوسا حتى فتح رسول الله ﷺ مكة، فخرج عياش فلقي الكناني وقد أسلم، وعياش لا يعلم بإسلام الكناني، فضربه عياش حتى قتله. فأنزل الله ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ يقول : وهو لا يعلم أنه مؤمن ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ فيتركوا الدية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال : إن عياش بن أبي ربيعة المخزومي كان حلف على الحارث بن يزيد مولى بني عامر بن لؤي ليقتلنه، وكان الحارث يومئذ مشركا، وأسلم الحارث ولم يعلم به عياش، فلقيه بالمدينة فقتله، وكان قتله ذلك خطأ.
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه " أن الحارث بن زيد كان شديدا على النبي ﷺ، فجاء وهو يريد الإسلام وعياش لا يشعر، فلقيه عياش بن أبي ربيعة فحمل عليه فقتله، فأنزل الله ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، كانوا في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلا من القوم في غنم له، فحمل عليه السيف، فقال : لا إله إلا الله. فضربه، ثم جاء بغنمه إلى القوم، ثم وجد في نفسه شيئا فأتى النبي ﷺ، فذكر ذلك له فقال له رسول الله ﷺ :" ألا شققت عن قلبه ؟ ! فقال : ما عسيت أجد. هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء ؟ ! فقال : فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه. قال : كيف بي يا رسول الله ؟ قال : فكيف بلا إله إلا الله ! قال : فكيف بي يا رسول الله ؟ قال : فكيف بلا إله إلا الله حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال : ونزل القرآن ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ حتى بلغ ﴿إلا أن يصدقوا﴾ قال : إلا أن يضعوها ".
وأخرج الروياني وابن منده وأبو نعيم معا في المعرفة عن بكر بن حارثة الجهني قال :" كنت في سرية بعثها رسول الله ﷺ، فاقتتلنا نحن والمشركون، وحملت على رجل من المشركين فتعوذ مني بالإسلام فقتلته، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فغضب وأقصاني، فأوحى الله إليه ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ. . .﴾ الآية. فرضي عني وأدناني ".
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ قال : يعني بالمؤمنة من قد عقل الإيمان وصام وصلى، وكل رقبة في القرآن لم تسم مؤمنة فإنه يجوز المولود فما فوق ممن ليس به زمانة، وفي قوله ﴿ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ قال : عليه الدية مسلمة إلا أن يتصدق بها عليه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال : في حرف أبي ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ لا يجري فيها صبي.
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي في سننه عن أبي هريرة " أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء، فقال : يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة. فقال لها : أين الله ؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها : من أنا ؟ فأشارت إلى رسول الله ﷺ وإلى السماء، أي أنت رسول الله فقال : اعتقها فإنها مؤمنة ".
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال :" أتى النبي ﷺ رجل فقال : إن علي رقبة مؤمنة وعندي أمة سوداء. فقال : ائتني بها، فقال : أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ قالت : نعم. قال : أعتقها ".
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد عن رجل من الأنصار " أنه جاء بأمة له سوداء فقال : يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله ﷺ : أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت : نعم. قال : أتشهدين أني رسول الله ؟ قالت : نعم. قال : تؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت : نعم. قال : أعتقها فإنها مؤمنة ".
وأخرج الطيالسي ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن معاوية بن الحكم السلمي " أنه لطم جارية له فأخبر رسول الله ﷺ، فعظم ذلك قال : فقلت : يا رسول الله أفلا أعتقها ؟ قال : بلى، ائتني بها. قال : فجئت بها رسول الله ﷺ، فقال لها : أين الله ؟ قالت : في السماء. قال : فمن أنا ؟ قالت : أنت رسول الله. قال : إنها مؤمنة فأعتقها ".
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب في قوله ﴿ودية مسلمة﴾ قال :" بلغنا أن رسول الله ﷺ فرضها مائة من الإبل ".
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن ابن مسعود قال :" قضى رسول الله ﷺ دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة ".
وأخرج أبو داود وابن المنذر عن ابن عباس " أن النبي ﷺ جعل الدية اثني عشر ألفا ".
وأخرج ابن المنذر عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده " أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، وفيه وعلى أهل الذهب ألف دينار، يعني في الدية ".
وأخرج أبو داود عن جابر بن عبد الله " أن رسول الله ﷺ قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئا لم يحفظه محمد بن إسحاق ".
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله ﴿ودية مسلمة﴾ قال : موفرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله ﴿مسلمة إلى أهله﴾ قال : المسلمة التامة.
وأخرج ابن المنذر عن السدي ﴿مسلمة إلى أهله﴾ قال : تدفع ﴿إلا أن يصدقوا﴾ إلا أن يدعوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿مسلمة إلى أهله﴾ أي إلى أهل القتيل ﴿إلا أن يصدقوا﴾ إلا أن يصدق أهل القتيل، فيعفوا ويتجاوزوا عن الدية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ودية مسلمة﴾ يعني يسلمها عاقلة القاتل إلى أهله إلى أولياء المقتول ﴿إلا أن يصدقوا﴾ يعني إلا أن يصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل فهو خير لهم، فأما عتق رقبة فإنه واجب على القاتل في ماله.
وأخرج ابن جرير عن بكر بن الشرود قال : في حرف أبي " إلا أن يتصدقوا ".
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾ قال : هذا المسلم الذي ورثته مسلمون ﴿وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾ قال : هذا الرجل المسلم وقومه مشركون، وبينهم وبين رسول الله ﷺ عقد فيقتل، فيكون ميراثه للمسلمين، وتكون ديته لقومه لأنهم يعقلون عنه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾ يقول : فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمن فقتله خطأ، فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين ولا دية عليه، وفي قوله ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ يقول : إذا كان كافرا في ذمتكم فقتل، فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾ قال : هو المؤمن يكون في العدو من المشركين، يسمعون بالسرية من أصحاب رسول الله ﷺ، فيفرون ويثبت المؤمن فيقتل ففيه تحرير رقبة.
وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾ قال : يكون الرجل مؤمنا وقومه كفار، فلا دية له ولكن تحرير رقبة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن أبي عياض قال : كان الرجل يجيء فيسلم، ثم يأتي قومه وهم مشركون فيقيم فيهم، فتغزوهم جيوش النبي ﷺ، فيقتل الرجل فيمن يقتل. فأنزلت هذه الآية ﴿وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾ وليست له دية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس في قوله ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾ قال : كان الرجل يأتي النبي ﷺ فيسلم، ثم يرجع إلى قومه فيكون فيهم وهم مشركون، فيصيبه المسلمون خطأ في سرية أو غارة، فيعتق الذي يصيبه رقبة، وفي قوله ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ قال : كان الرجل يكون معاهدا وقومه أهل عهد، فيسلم إليهم ديته، ويعتق الذي أصابه رقبة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾ قال : نزلت في مرداس بن عمرو، وكان أسلم وقومه كفار من أهل الحرب، فقتله أسامة بن زيد خطأ ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ ولا دية لهم لأنهم أهل الحرب.
وأخرج ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي. أن رسول الله ﷺ قال :" من أقام م

تفسير هذه الآية من كتب أخرى