مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله حكيما﴾
اعلم أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار، وحرض عليها ذكر بعد ذلك بعض ما يتعلق بهذه المحاربة، فمنها أنه تعالى لما أذن في قتل الكفار فلا شك أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلا يظنه كافرا حربيا فيقتله، ثم يتبين أنه كان مسلما، فذكر الله تعالى حكم هذه الواقعة في هذه الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها : الأول : روى عروة بن الزبير أن حذيفة بن اليمان كان مع الرسول ﷺ يوم أحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار، فأخذوه وضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول : إنه أبي فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه، فقال حذيفة : يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فلما سمع الرسول ﷺ ذلك ازداد وقع حذيفة عنده، فنزلت هذه الآية :
الرواية الثانية : أن الآية نزلت في أبي الدرداء، وذلك لأنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلا في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل : لا إله إلا الله، فقتله وساق غنمه ثم وجد في نفسه شيئا، فذكر الواقعة للرسول ﷺ فقال عليه الصلاة والسلام :«هلا شففت عن قلبه » وندم أبو الدرداء فنزلت الآية.
الرواية الثالثة : روي أن عياش بن أبي ربيعة، وكان أخا لأبي جهل من أمه، أسلم وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة الرسول ﷺ، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وطولا في الأحاديث، فقال أبو جهل : أليس أن محمدا يأمرك ببر الأم فانصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك فرجع، فلما دنوا من مكة قيدوا يديه ورجليه، وجلده أبو جهل مائة جلدة، وجلده الحرث مائة أخرى، فقال للحرث : هذا أخي فمن أنت يا حرث، لله علي إن وجدتك خاليا أن أقتلك. وروي أن الحرث قال لعياش حين رجع : إن كان دينك الأول هدى فقد تركته وإن كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه، فشق ذلك على عياش وحلف أن يقتله، فلما دخل على أمه حلفت أمه لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول ففعل، ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث أيضا وهاجر، فلقيه عياش خاليا ولم يشعر بإسلامه فقتله، فلما أخبر بأنه كان مسلما ندم على فعله وأتى رسول الله ﷺ وقال : قتلته ولم أشعر بإسلامه، فنزلت هذه الآية.
المسألة الثانية : قوله تعالى :﴿وما كان﴾ فيه وجهان : الأول : أي وما كان فيما أتاه من ربه وعهد إليه. الثاني : ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف.
المسألة الثالثة : قوله :﴿إلا خطأ﴾ فيه قولان : الأول : أنه استثناء متصل، والذاهبون إلى هذا القول ذكروا وجوها : الأول : أن هذا الاستثناء ورد على طريق المعنى، لأن قوله :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ معناه أنه يؤاخذ الإنسان على القتل إلا إذا كان القتل قتل خطأ فإنه لا يؤاخذ به. الثاني : أن الاستثناء صحيح أيضا على ظاهر اللفظ، والمعنى أنه ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا عند الخطأ. وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار، أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا، فههنا يجوز قتله، ولا شك أن هذا خطأ، فإنه ظن أنه كافر مع أنه ما كان كافرا. الثالث : أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير : وما كان مؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ، ومثله قوله تعالى :﴿ما كان لله أن يتخذ من ولد﴾ تأويله : ما كان الله ليتخذ من ولد، لأنه تعالى لا يحرم عليه شيء، إنما ينفي عنه ما لا يليق به، وأيضا قال تعالى :﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ معناه ما كنتم لتنبتوا، لأنه تعالى لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر، إنما نفى عنهم أن يمكنهم إنباتها، فإنه تعالى هو القادر على إنبات الشجر. الرابع : أن وجه الإشكال في حمل هذا الاستثناء على الاستثناء المتصل، وهو أن يقال : الاستثناء من النفي إثبات، وهذا يقتضي الإطلاق في قتل المؤمن في بعض الأحوال، وذلك محال، إلا أن هذا الإشكال إنما يلزم إذا سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات، وذلك مختلف فيه بين الأصوليين، والصحيح أنه لا يقتضيه لأن الاستثناء يقتضي صرف الحكم عن المستثنى لا صرف المحكوم به عنه، وإذا كان تأثير الاستثناء في صرف الحكم فقط بقي المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالإثبات، وحينئذ يندفع الإشكال. ومما يدل على أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات قوله عليه الصلاة والسلام :« لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي » ويقال : لا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال، والاستثناء في جملة هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النفي إثباتا والله أعلم. الخامس : قال أبو هاشم وهو أحد رؤساء المعتزلة : تقدير الآية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيبقى مؤمنا، إلا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا، قال : والمراد أن قتل المؤمن للمؤمن يخرجه عن كونه مؤمنا، إلا أن يكون خطأ فإنه لا يخرجه عن كونه مؤمنا. واعلم أن هذا الكلام بناء على أن الفاسق ليس بمؤمن، وهو أصل باطل، والله أعلم.
القول الثاني : أن هذا الاستثناء منقطع بمعنى لكن، ونظيره في القرآن كثير. قال تعالى :﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة﴾ وقال :﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ وقال :﴿لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما﴾ والله أعلم.
المسألة الرابعة : في انتصاب قوله :﴿خطأ﴾ وجوه : الأول : أنه مفعوله له، والتقدير ما ينبغي أن يقتله لعلة من العلل، إلا لكونه خطأ. الثاني : أنه حال، والتقدير : لا يقتله البتة إلا حال كونه خطأ. الثالث : أنه صفة للمصدر. والتقدير : إلا قتلا خطأ.
قوله تعالى :﴿ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾.
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله : القتل على ثلاثة أقسام : عمد، وخطأ، وشبه عمد.
أما العمد : فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان ذلك جارحا أو لم يكن، وهذا قول الشافعي.
وأما الخطأ فضربان : أحدهما : أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فأصاب مسلما. والثاني : أن يظنه مشركا بأن كان عليه شعار الكفار، والأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد.
أما شبه العمد : فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالبا فيموت منه. قال الشافعي رحمه الله : هذا خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب.
المسألة الثانية : قال أبو حنيفة : القتل بالمثقل ليس بعمد محض، بل هو خطأ وشبه عمد، فيكون داخلا تحت هذه الآية فتجب فيه الدية والكفارة، ولا يجب فيه القصاص. وقال الشافعي رحمه الله : إنه عمد محض يجب فيه القصاص. أما بيان أنه قتل فيدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فهو أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه وكز القبطي فقضى عليه، ثم إن ذلك الوكز يسمى بالقتل، بدليل أنه حكى أن القبطي قال في اليوم الثاني :﴿أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس﴾ وكان الصادر عن موسى عليه السلام بالأمس ليس إلا الوكز، فثبت أن القبطي سماه قتلا، وأيضا إن موسى صلوات الله عليه سماه قتلا حيث قال :﴿ربى إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون﴾ وأجمع المفسرون على أن المراد منه قتل ذلك القبطي بذلك الوكز، وأيضا إن الله تعالى سماه قتلا حيث قال :﴿وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا﴾ فثبت أن الوكز قتل بقول القبطي وبقول موسى وبقول الله تعالى، وأما الخبر فقوله ﷺ :«ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل » فسماه قتلا، فثبت بهذين الدليلين أنه حصل القتل، وأما أنه عمد فالشاك فيه داخل في السفسطة فإن من ضرب رأس إنسان بحجر الرحا، أو صلبه أو غرقه، أو خنقه ثم قال : ما قصدت به قتله كان ذلك إما كاذبا أو مجنونا، وأما أنه عدوان فلا ينازع فيه مسلم، فثبت أنه قتل عمد عدوان، فوجب أن يجب القصاص بالنص والمعقول.
أما النص : فهو جميع الآيات الدالة على وجوب القصاص، كقوله :﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾.
وأما المعقول : فهو أن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار. قال تعالى :﴿ولكم في القصاص حياة﴾ وإذا كان المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار، والاهدار من المثقل كهو في المحدد كانت الحاجة إلى شرع الزاجر في إحدى الصورتين كالحاجة إليه في الصورة الأخرى، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس الاهدار، إنما التفاوت حاصل في آلة الاهدار، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر، والكلام في الفقهيات إذا وصل إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في التحقيق لمن ترك التقليد، واحتجوا بقوله ﷺ :" ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " وهو عام سواء كان السوط والعصا صغيرا أو كبيرا.
والجواب : أن قوله :«قتيل الخطأ » يدل على أنه لا بد وأن يكون معنى الخطأ حاصلا فيه، وقد بينا أن من خنق إنسانا أو ضرب رأسه بحجر الرحا، ثم قال : ما كنت أقصد قتله، فإن كل عاقل ببديهة عقله يعلم أنه كاذب في هذا المقال، فوجب حمل هذا الضرب على الضرب بالعصا الصغيرة حتى يبقى معنى الخطأ فيه. والله أعلم.
المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة : القتل العمد لا يوجب الكفارة، وقال الشافعي : يوجب. احتج أبو حنيفة بهذه الآية، فقال قوله :﴿ومن قتل مؤمنا خطأ﴾ شرط لوجوب الكفارة وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط، فيقال له : إنه تعالى قال :﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم﴾ فقوله :﴿ومن لم يستطع﴾ ما كان شرطا لجواز نكاح الأمة على قولكم، فكذلك ههنا. ثم نقول : الذي يدل على وجوب الكفارة في القتل والعمد والخبر والقياس.
أما الخبر فهو ما روى واثلة بن الأسقع قال : أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا أوجب النار بالقتل، فقال : اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار.
وأما القياس : فهو أن الغرض من إعتاق العبد هو أن يعتقه الله من النار، والحاجة إلى هذا المعنى في القتل العمد أتم، فكانت الحاجة فيه إلى إيجاب الكفارة أتم والله أعلم.
وذكر الشافعي رضي الله عنه حجة أخرى من قياس الشبه فقال : لما وجبت الكفارة في قتل الصيد في الإحرام سوينا بين العامد وبين الخاطئ إلا في الإثم، فكذا في قتل المؤمن، ولهذا الكلام تأكيد آخر وهو أن يقال : نص الله تعالى هناك في العامد، وأوجبنا على الخاطئ. فههنا نص على الخاطئ، فبأن نوجبه على العامد مع أن احتياج العامد الى ا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى