تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٩٢
وقوله تعالى :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ اختلف فيه : عن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )(١) قال :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ أي لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا بغير حق عمدا إلا خطأ في ما يملكه ). وقيل : إلا بوضع الواو ؛ كأنه قال : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا متعمدا وإلا خطأ، وذلك جائز في اللغة. وقيل : وما كان ينبغي لمؤمن أن يترك قتله إذ قتل آخر عمدا إلا خطأ، فإنه يترك قتله، ولا يقتل به، وهو قول أبي بكر الكساني. وقيل : وما كان ينبعي لمؤمن أن ينزل حكم قتله إلا خطأ. قال أبو بكر الكساني :( حكم القتل ما ذكرنا من القصاص والقود أو كلام نحو هذا ).
ويحتمل قوله تعالى :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ قط بعد ما سبق من الله بيانه في(٢) غير آية من القرآن نحو قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص﴾ ( البقرة : ١٧٨ )، وهو قوله تعالى :﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ ( المائدة : ٤٥ ) وقوله تعالى :﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ ( الإسراء : ٣٣ ) وغيرهما(٣) من الآيات﴿إلا خطئا﴾. فإنه لم يسبق منه الحكم فيه إلا في هذه الآية.
وقيل : ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا على كل حال إلا أن يقتله مخطئا. فعليه ما في القرآن، وهو قريبا مما ذكرنا عند الخطإ عندنا على وجهين : خطإ قصد وخطإ دين. فخطأ القصد هو أن يقصد أحدا(٤)، فيصيب غيره، وخطأ الذين هو أن يعرفه مشركا(٥) كافرا من قبل(٦) حلال الدم، فيقتله على ما عرفه من قبل، وهو للحال مسلم.
فإن قيل : كيف لزمه في قتل الخطأ ما لزمه من الكفارة، وقد أخبر الله عز وجل أن لا مؤاخذة له، وأن لا حرج عليه في ذلك بقوله :﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلبوكم﴾ ( البقرة : ٢٢٥ ) وقال في آية أخرى :﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ ( الأحزاب : ٥ ) وغيرها من الآيات ؟ قيل : إن الفعل ( في الأول )(٧) فعل مأثم، وإن كان يوجد منه القصد فيه، فما أوجب إنما أوجب لما الفعل فعل مأثم، وفي(٨) الثاني يجوز أن يكون الله يكلفنا بترك القتل، والفعل في حال السهو والغفلة.
ألا ترى أنه قال :﴿لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ ( البقرة : ٢٨٦ ) والخطأ ينقض (٩) الصواب، فلا يجوز أن يؤمر بطلب الصواب، ولا ينهي عن إتيان ضده كقوله تعالى :﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ ؟ ( القصص : ٧٧ ).
ثم اختلف في المعنى الذي أوجب عليه رقبة مؤمنة ( بوجهين :
أحدها :)(١٠) قيل : لأنه أتلف نفسا خلقها الله لعبادته، فأوجب مكانها نفسا مؤمنة لتعبد الله على ما عبدت تلك. لكن التأويل لو كان هذا لكان يجب في العمد ما وجب في الخطأ لأنه وجد ذلك المعنى. لكن أوجب لا لذلك المعنى، ولكن تغليظا وتشديدا عليه لما أتلف نفسا محظورا ( قتلها )(١١) لم يؤذن له في ذلك لئلا يقدم على مثله. ولله أن يوجب على من شاء بما شاء لما شاء من غير أن يقال : لم ؟ و : كيف ؟ و : أين ؟.
والثاني : أوجب عليه رقبة مؤمنة لأنه أبقى له نفسا مؤمنة. فعلى ما أبقى له نفسا أوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة.
وفي قوله تعالى أيضا :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ اختلف في تأويله :﴿وما كان لمؤمن﴾ فمنهم من يقول بإضمار ﴿وما كان﴾ بمتروك﴿لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ يخرج معنى : بمتروك على وجهين :
أحدهما : ما قاله أبو بكر ( الملقب بالأصم ) (١٢) : أي بمتروك في القصاص إلا أن يقتله خطأ. لكن هذا يوجب منع العفو لما به الترك. ومعلوم أنه أمر رغب فيه حتى دعا رسول الله ﷺ ولي القتيل إلى العفو، ثم إلى أخذ الدية. ثم لما أبت نفسه عند ذلك أذن له في الاقتصاص. ويدل على ذلك قوله تعالى :﴿فمن عفى عنه﴾ الآية ( البقرة : ١٧٨ ) وقوله تعالى :﴿وكتبنا عليهم فيها﴾ إلى قوله تعالى :﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ الآية ( المائدة : ٤٥ ) إلا أن يرجع في قوله : بمتروك إلى الوجوب ؛ أي لا يرفع عنه إيجاب القصاص إلا إن (١٣) قتل مؤمنا خطأ. فإنه ليس عليه القصاص.
والثاني : أنه ما كان بمتروك به من التأديب والتوبيخ والتعيير بسوء صنيعه بأخيه وتعديه حد الله ومعونة ولي القتيل إذ قال :﴿من قتل نفسا بعير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾ ( المائدة : ٣٢ ) فحق ذلك على الناس أن يظهروا له بالتكبر عليه، ويقوموا بالنصر لوليه، والله أعلم، إلا أن يكون خطأ فلا يتلقونه بشيء مما ذكرت، بل يقومون بالشفاعة له والمعونة في احتمال ما لزمه. ولذلك جعل، والله أعلم، أمر الفعل على ما به من إبقاء الإلفة ودفع الضغينة واجتماع التألم في المصيبة.
ومنهم من يقول في تأويله الآية :﴿وما كان لمؤمن﴾ أي حرام عليه ذلك الفعل بما حرم الله وبما بينهما من الأخوة في الدين وبما هو شفيعه وجنسه يتألم بما يتألم به الآخر، ويتأذى الآخر، والنفس عن مثله تنتهي، والطبع ينفر، فما كان به بعد هذا أن يقتل.
وقوله تعالى :﴿إلا خطئا﴾ قيل فيه بوجوه :
أحدها(١٤) : أن يقع ذلك منه على الخطإ، فيكون على ما لا تلحقه اللائمة التي ذكرنا ولا وصف التعدي الذي وصفنا.
والثاني : أن يكون الأمر في موضع الابتداء لما بين له من الحكم بمعنى :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا﴾ البتة. لكن من ﴿قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ كقوله تعالى :﴿لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما﴾ ( مريم : ٦٢ ) بمعنى لا يسمعون فيها لغو البتة، لكن الذي يسمعون يسمعون سلاما.
والثالث(١٥) :﴿وما كان المؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ إلا أن ( لا )(١٦) يعلمه أنه مؤمن، وكان عرفه كافرا، له قتله(١٧) بما روي من الإذن في البيان وقتل عيون الكفرة بما سبق من ظهور كفرهم، وإن احتمل إيمانهم في ما بين الوقتين، فيكون بمعنى : حرام عليهم إلا من هذا وصفه.
والرابع(١٨) :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ أي ليس لمؤمن ذلك قط إلا أن يقتل خطأ ؛ فإنه ليس في من يقال :/١٠٧-ب/ كان له أولا لما يقع به إلا أن يفعله هو في التحقيق ؛ إذ حقيقة الفعل أن يقع بإرادة، ويخرج عليها، وهذا لا يقع بها، ولا يخرج عليها.
وقوله تعالى :﴿ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ فلم يذكر في القاتل أنه مؤمن عند ذكر قتله. لكنه رجع إليه بوجهين :
أحدهما : أن الآية في بيان قتل يكون من المؤمن. وعليها جرى تفسير الحكم عند الوقوع.
والثاني : قوله تعالى :﴿توبة من الله﴾ والتوبة بالتحرير تكون للمؤمن لا غيره، والله أعلم. على أنه حق الشرع من العبادات، فلا يحتمل قصد الكافر به. وأيد بذلك المذكور من الصيام، وهو لا يقول إلا بالإيمان.
ثم جعل الإيمان شرطا من حيث الذكر، وتأكده بأوجه ثلاثة :
أحدها : يالتأكيد : يذكر كل قتيل على اختلاف أصل (١٩) القتل. وفي ذلك دليل أن ذلك ذبك جعل عليه( فكان أمرا )(٢٠) يدخل على دينه مما عليه ما الحق أن يحفظ حرمته. وبحرمته بنفي ما ذكر ؛ إذ حرم دينه عليه ( القتل )(٢١)، فيصير في قتله مصيبا، وألزم ما ذكرت في كل أنواع القتل (٢٢) لرجوع أمر ذلك كله إلى تضييع من حق دينه. ولذلك قال(٢٣) :﴿توبة من الله﴾ وذلك يخرج من وجهين :
أحدهما : أن تحقق معنى التوبة في فعل الله. وذلك يخرج على وجهين :
أحدهما : على ما تجاوز منه إذ لم يأخذه بالخطإ، فيكون بحق جعل ذلك شكرا من العبد بما لم يؤاخذه بالخطأ، فيكون معنى التوبة منه أنه لم يؤاخذه بالخطأ، لا أن ( في الإعتاق ذلك )(٢٤) والإعتاق للشكر له في ما لم يكن آخذه. ويجوز أن يؤاخذه لما بالجهد في التحفظ يؤمن ذلك. فلما لم يكلفه، وتجاوز عنه، كان على الخطأ يأمر بالشكر لذلك.
والثاني(٢٥) : قبولا منه ذلك في حق التوبة عن غير القتل من الزلات، فيكون في قيام بما أمره يوجه في حكمة العفو عن مثله، يجعل ذلك من العبد مقبولا بحق التوبة من الزلات، ونسبت إلى التوبة منه إذا كانت على التوفيق لفعله إلى ذلك تسمية الله ثوابا على التوفيق أو التجاوز، والله أعلم.
والثاني(٢٦) : يرجع إلى فعل العبد، فتكون﴿توبة من الله﴾ على عبده ؛ والقاتل بأن يتوب بإعتاق رقبة مؤمنة. وذلك يخرج على وجهين :
أحدهما : أن يكون الفعل فعل مأثم، والله تعالى مؤاخذه(٢٧) عليه ؛ لأنه بالجهد إيفاء ذلك. ولذلك تعبد بقوله :﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ ( البقرة : ٢٨٦ ). وإذا كان كذلك فيكون ذلك منه توبة إلى الله ليحفظ عن مثله في الدين.
والثاني(٢٨) : أن يكون عليه حفظ دينه عما يقع فيه من التضييع الذي يبلى ( به )(٢٩) بإنساء الشيطان، أو ( أن )(٣٠) يفرط غفلة، أو نحو ذلك، فيلزم حين (٣١) ذلك بما ذكر، وإن لم يعلم ؛ إذ قد يجوز وقوع النقصان في ذي الحرمات من وجه، لا إثم يلحق، نحو المذكور في المنادى.
وفي أمر السهو في ذلك، فيؤمر به ليجيز(٣٢) ذلك، وذلك نحو ما قد يفسد بأمور من وجه لا يعلم به. فكذلك أمر النقصان، فيؤمر بالتوبة إلى الله عز وجل عن ذلك بما يمتحن الله به من الأمور، والله أعلم، مع ما قد يتصل بالقتل ما له في حكم الخطأ ؛ يأثم المرء عليه، ويخرج. فجائز أن يرجع حرف التوبة من الله إلى ذلك، وهو سمي خطأ العمد.
والثاني(٣٣) : مما يدل على جعل الإيمان شرطا أنه جعل لما وقع في حق الدين من التضييع إذا تعلقت الحرمة بالدين من الوجه الذي بينا، ولا فرق بين عبادة يشار إليها، يقع فيها تضييع في حد منها، يبرم تلك بكفارة، وبين جملة من العبادات يعتقدها الإنسان، وضم(٣٤) الوفاء بما يقع في حد منها تضييع أو مقدار أحدها من الفرض لا يعلمه إلا من يعلم حد التضييع من الأصل، ولا يعلم حده غير(٣٥) الذي جعل الحدود، فيكون في ذلك بيان المبرم، وبدونه لعله لا ينجز، فألزم بالاحتياط، ذلك أمر الحدود للإحرام.
والثالث (٣٦) : متفق القول على موقع الشرط أنه بحق اللزوم ؛ وعلى ذلك شرط في التتابع في الصيام له هذا المعنى والأول جميعا. وعلى هذا الاتفاق جعل قوم أمر هذا أصلا لغيره من الكفارات. ونحن لا نجعلها لوجهين :
أحدهما : لما(٣٧) لم يجعل ذكر التتابع ( في هذا أصلا لكل ما لم يذكر فيه التتابع )(٣٨).
والثاني : لما بينا من محل كل من أصل ذلك أنه إنما يعمل من علم ما حدوا من الأصل.
ومعلوم الاختلاف في الكل. لذلك لم يجب هذا. لكن يطلق المطلق ويقيد المقيد بالذكر، وأيد أن الله تعالى قد ذكر في كل وقت، ولو كان بالذي يحتمل درك الحد بالتدبير لكان ترك الذكر في ذلك لإفهام الحكم في نوع المذكور اقرب منه في غير نوعه، فبين، والله أعلم، لوجهين :
أحدهما : للتنبيه على لزوم في هذا إلى الذكر.
والثاني : للتنبيه أنه لم يجعل لمكان القتيل، لكن لما وقع في الدين من التضييع.
وجائز أن يكون شرط الإيمان بما سبق في تضييع حد من الحدود الذي اقتضى إيجابه عليه الإيمان، فأمر بإعتاق من يسلم له الرقبة لحفظ ما ألزمه حق الإيمان من الشغل عنه بحق الرق فيه لغيره.
ويجوز أن يكون إنما أبقيت به نفسه، وهي مؤمنة، فأمر أن يشكر الله تعالى بإبقاء نفس مؤمنة، إذ بالعتق إحياء. وعلى ما ذكر من اختلاف الحدود، وما له حدود، وفي حق الشرع لم يقس الطعام على الصايم عند العجز عنه على ما قضى به في حق الظهار والفطر مع ما في الظهار حق لما لم يكن التأخي
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: من..
٣ في الأصل وم: وغيرها..
٤ في الأصل وم: أحد.
٥ في الأصل وم: مشتركا..
٦ من م، في الأصل: قتل..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: و.
٩ في الأصل وم: يقبض..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢. في الأصل وم: المغلب بالأمم.
١٣ في الأصل وم: من..
١٤ من م. في الأصل: أحدهما..
١٥. في الأصل وم: وقيل..
١٦ من م، ساقطة من الأصل.
١٧ في الأصل وم: قبله..
١٨ في الأصل وم: ويجوز..
١٩ في الأصل وم: أهل..
٢٠ في الأصل وم: لكان أمر..
٢١ ساقطة من الأصل وم..
٢٢ في الأصل وم: القبيل..
٢٣ في الأصل وم: قيل..
٢٤ في م: الإعتاق في ذلك..
٢٥ هذا الوجه الثاني من وجهي تحقق معنى التوبة في فعل الله..
٢٦ هذا الوجه الثاني من وجهي تحقق معنى التوبة في فعل العبد..
٢٧ في الأصل وم: مؤاخذته..
٢٨ هذاالوجه الثاني من وجهي فعل العبد..
٢٩ ساقطة من الأصل وم..
٣٠ ساقطة من الأصل وم..
٣١ في الأصل وم: خبر..
٣٢ في الأصل وم: ليخبر..
٣٣ هذا الوجه الثاني من وجوه جعل الإيمان شرطا..
٣٤ في الأصل: وضموا. فيم: وجعل..
٣٥ من م: في الأصل: غيره..
٣٦ هذا الوجه الثالث من وجوه الإيمان شرطا..
٣٧ في الأصل وم: مما..
٣٨ ساقطة من الأصل وم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى