البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
التعمد والعمد : القصد إلى الشيء
﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلممة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ التحرير : الإعتاق، والعتيق : الكريم، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد.
ومنه عتاق الطير، وعتاق الخيل لكرامها.
وحر الوجه أكرم موضع منه، والرقبة عبر بها عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم : فلان يملك كذا رأساً من الرقيق.
والظاهر أنَّ كل رقبة اتصفت بأن يحكم لها بالإيمان منتظم تحت قوله : رقبة مؤمنة، انتظام عموم البدل.
فيندرج فيها من ولد بين مسلمين، ومن أحد أبويه مسلم، صغيراً كان أو كبيراً، ومن سباه مسلم من دار الحرب قبل البلوغ.
وقال ابراهيم : لا يجزى إلا البالغ.
وقال ابن عباس، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وغيرهم : لا يجزىء إلا التي صامت وعقلت الإيمان، لا يجزىء في ذلك الصغيرة.
وقال أبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن زياد، وزفر : يجزى في كفارة القتل الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً.
وقال عطاء : يجزىء الصغير المولود بين المسلمين.
وقال مالك : من صلى وصام أحب إليّ، ولا خلاف أنّ قوله : ومن قتل مؤمناً، ينتظم الصغير والكبير، وكذلك ينبغي أن يكون في فتحرير رقبة مؤمنة.
قال ابن عطية : وأجمع أهل العلم على أن الناقص النقصان الكبير كقطع اليدين والرجلين والأعمى، لا يجزىء فيما حفظت، فإن كان يسيراً يمكن معه المعيشة والتحرف كالعرج ونحوه ففيه قولان.
وقال أبو بكر الرازي : لا خلاف بين الأمة أنه لا يجزىء في الكفارة أعمى، ولا مقعد، ولا مقطوع اليدين أو الرجلين، ولا أشلهما، واختلفوا في الأعرج.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجزىء مقطوع إحدى اليدين أو الرجلين.
وقال مالك والشافعي والأكثرون : لا يجزىء عند أكثرهم المجنون المطبق، ولا عند مالك الذي يجن ويفيق، ولا المعتق إلى سنين، ويجزئان عند الشافعي.
ولا يجزىء المدبر عند مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي، ويجزىء في قول الشافعي وأبي ثور، واختاره ابن المنذر.
وقال مالك : لا يصح من أعتق بعضه، واختلفوا في سبب وجوب الكفارة في قتل الخطأ.
فقيل : تمحيصاً وطَهر الذنب القاتل، حيث ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم.
وقيل : لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الاحياء، لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق حياتها، من قبل أنّ الرقيق ممنوع من تصرّف الأحرار.
والظاهر أن وجوب التحرير والدية على القائل، لأنه مستقرأ في الكتاب والسنة : أن من فعل شيئاً يلزم فيه أمر من الغرامات مثل الكفارات، إنما يجب ذلك على فاعله.
فأما التحرير ففي مال القاتل.
وأما الدية فعلى العاقلة كلها في قول طائفة منهم : الأوزاعي، والحسن بن صالح.
وما جاوز الثلث في قول الجمهور أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والليث، وابن شبرمة، وغيرهم.
وأما الثلث ففي مال الجاني، ولم يجب عليهم إلا على سبيل المواساة.
وهي خلاف قياس الأصول في الغرمات والمتلفات.
والدية كانت مستقرة في الجاهلية.
قال الشاعر :
فذهب أبو حنيفة : إلى أنها من الإبل مائة على ما يأتي تفصيلها، والدنانير والدراهم ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم.
وقال أبو يوسف ومحمد : ومن البقر والشاة والحلل، وبه قالت طائفة من التابعين، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين.
فمن البقر مائتا بقرة، ومن الشاة ألف شاة، ومن الحلل مائتا حلة، وذلك فعل عمر وجعله على كل أهل صنف من ذلك ما ذكر.
وقال مالك : أهل الذهب أهل الشام ومصر، وأهل الورق أهل العراق، وأهل الإبل أهل البوادي، فلا يقبل من أهل الإبل إلا الإبل، ولا من أهل الذهب إلا الذهب، ولا من أهل الورق إلا الورق.
وقالت طائفة منهم طاووس والشافعي : هي مائة من الإبل لا غير.
قال الشافعي : والدراهم والدنانير بدل عنها إذا عدمت، وله قول آخر : إنه يجب اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار.
قال أبو بكر الرازي : أجمع فقهاء الأمصار أبو حنيفة والشافعي ومالك أن دية الخطأ أخماس، واختلفوا في الأسنان.
فقال أصحابنا جميعاً : عشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهو : مذهب ابن مسعود، وبه قال أحمد.
وقال مالك : عشرون حقاقاً، وعشرون جذاعاً، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض.
وحكي هذا عن عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، وربيعة والليث.
وقال الشافعي : الدية قسمان، مغلظة أثلاثاً، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، ومخففة أخماساً كقول مالك.
وروي عن عطاء أن دية الخطأ أربع : خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، مثل أسنان الذكور.
وقال عمر وزيد بن ثابت : في الخطا ثلاثون بنت لبون، وثلاثون جذعة، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض.
وروي عنهما مكان الجذاع الحقات.
والظاهر أنه لا فرق بين القتل خطأ في الحرم وفي شهر حرام، وبينه في الحل، وفي شهر غير حرام.
وسئل الأوزاعي عن القتل في الشهر الحرام، أو في الحرم، هل تغلظ فيه الدية ؟ فقال : بلغنا أنه إذا قتل في الشهر الحرام أو في الحرم زيد على القاتل الثلث، ويزاد في شبه العمد في أسنان الإبل.
وأما من العاقلة فقيل هم العصبات الأربعة : الأب، والجدّ وان علا، والابن، وابن الابن وإن سفل.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : هم أهل ديوانه دون أقربائه، فإن لم يكن القاتل من أهل الديوان فرضت على عاقلته الأقرب فالأقرب، ويضم إليهم أقرب القبائل في النسب.
وقال الشافعي فيما روي عنه المزني في مختصره : العقل على ذوي الأنساب دون أهل الديوان والحلفاء، على الأقرب فالأقرب من بني أبيه ثم جدّه، ثم بني جد أبيه.
وأما المدة التي تؤدّي فيها الدية فقد انعقد الإجماع ووردت به الأحاديث الصحاح : أنها تتأدّى في ثلاث سنين، وفي الدية والعاقلة أحكام كثيرة تعرض لها بعض المفسرين وهي مذكورة في كتب الفقه.
ومعنى مسلمة إلى أهله : أي مؤدّاة مدفوعة إلى أهل المقتول، أي أوليائه الذين يرثونه يقتسمونها كالميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء، يقضي منها الدين، وتنفذ الوصية.
وإذا لم يكن وارث فهي لبيت المال.
وقال شريك : لا يقضي من الدية دين، ولا تنفذ منها وصية.
وقال ابن مسعود : يرث كل وارث منها غير القاتل، ومعنى قوله : إلا أن يصدقوا أي إلا أن يعفو ورّاثه عن الدية فلا دية.
وجاء بلفظ التصدق تنبيهاً على فضيلة العفو وحضاً عليه، وأنه جار مجرى الصدقة، واستحقاق الثواب الآجل به دون طلب العرض العاجل، وهذا حكم من قتل في دار الإسلام خطأ.
وفي قوله : إلا أن يصدقوا، دليل على جواز البراءة من الدين بلفظ الصدقة، ودليل على أنه لا يشترط القبول في الإبراء خلافاً لزفر، فإنه قال : لا يبرأ الغريم من الدين إلا أن يقبل البراءة.
والظاهر أنَّ الجماعة إذا اشتركوا في قتل رجل خطأ أنه ليس عليهم كلهم إلا كفارة واحدة، لعموم قوله : ومن قتل، وترتيب تحرير رقبة واحدة، ودية على ذلك.
وبه قالت طائفة هكذا قال أبو ثور، وحكي عن الأوزاعي ذلك، وقال الحسن، وعكرمة، والنخعي، والحارث، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي : على كل واحد منهم الكفارة.
وهذا الاستثناء قيل : منقطع، وقيل : إنه متصل.
قال الزمخشري :( فإن قلت ) : بم تعلق أن يصدقوا ؟ وما محله ؟ ( قلت ) : تعلق بعليه، أو بمسلمة.
كأن قيل : وتجب عليه الدية أو يسلمها، إلا حين يتصدقون عليه، ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان كقولهم : اجلس ما دام زيد جالساً، ويجوز أن يكون حالاً من أهله بمعنى : إلا متصدقين انتهى كلامه.
وكلا التخريجين خطأ.
أما جعل أن وما بعدها ظرفاً فلا يجوز، نص النحويون على ذلك، وأنه مما انفردت به ما المصدرية ومنعوا أن تقول : أجيئك أن يصيح الديك، يريد وقت صياح الديك.
وأما أن ينسبك منها مصدر فيكون في موضع الحال، فنصوا أيضاً على أن ذلك لا يجوز.
قال سيبويه في قول العرب : أنت الرجل أن تنازل أو أن تخاصم، في معنى أنت الرجل نزالاً وخصومة، أنَّ انتصاب هذا انتصاب المفعول من أجله، لأن المستقبل لا يكون حالاً، فعلى هذا الذي قررناه يكون كونه استثناء منقطعاً هو الصواب.
وقرأ الجمهور يصدقوا، وأصله يتصدقوا، فأدغمت التاء في الصاد.
وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن، وعبد الوارث عن أبي عمرو : تصدقوا بالتاء على المخاطبة للحاضرة.
وقرئ : تصدقوا بالتاء وتخفيف الصاد، وأصله تتصدقوا، فحذف إحدى التاءين على الخلاف في أيهما هي المحذوفة.
وفي حرف أبيّ وعبد الله : يتصدقوا بالياء والتاء.
﴿فإن كان من قوم عدوٍّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾ قال ابن عباس وقتادة والنخعي والسدي وعكرمة وغيرهم : المعنى إن كان هذا المقتول خطأ رجلاً مؤمناً قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة عدوّ لكم فلا دية فيه، وإنما كفارته تحرير رقبة.
والسبب عندهم في نزولها : أنَّ جيوش المسلمين كانت تمر بقبائل الكفرة، فربما قتل من آمن ولم يهاجر، أو من هاجر ثم رجع إلى قومه، فيقتل في حملات الحرب على أنه من الكفار، فنزلت الآية.
وسقطت الدية عند هؤلاء، لأن أولياء المقتول كفرة، فلا يعطون ما يتقوّون به.
ولأنّ حرمته إذا آمن ولم يهاجر قليلة فلا دية.
وإذا قتل مؤمناً في بلاد المسلمين وقومه حرب، ففيه الدية لبيت المال والكفارة.
وقالت فرقة : الوجه في سقوط الدية أنّ أولياءه كفار، سواء أكان القتل خطأ بين أظهر المسلمين وبين قومه ولم يهاجر، ولو هاجر ثم رجع إلى قومه، وكفارته ليس إلا التحرير، لأنه إنْ قتل بين أظهر قومه فهو مسلط على نفسه، أو بين أظهر المسلمين فأهله لا يستحقون الدية، ولا المسلمون لأنهم ليسوا أهله، فلا تجب على الحالين، هذا قول : مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبي ثور.
وقال ابراهيم : المؤمن المقتول خطأ إن كان قومه المشركون ليس بينهم وبين النبي عهد فعلى قاتله تحرير رقبة، أو كان فتؤدى ديته لقرابته المعاهدين.
قال بعض المصنفين : اختلفت فقهاء الأمصار في من أسلم في دار الحرب وقتل قبل أن يهاجر، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف في المشهور عنه : إن قتله مسلم مستأمن فكفارة الخطأ، أو كانا مستأمنين فعلى القاتل الدية وكفارة الخطأ، أو أسيرين فعلى القاتل كفارة الخطأ في قول أبي حنيفة.
وقال محمد وأبو يوسف : الدية في العمد والخطأ.
وقال مالك : على قاتل من أسلم في دار الحرب، ولم يخرج، الدية والكفارة إن كان خطأ.
والآيةُ إنما كانت في صلح النبي ﷺ أهل مكة، لأنه من لم يهاجر لم يورث، لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة.
وقال الحسن بن صالح : إذا أقام بدار الحرب وهو قادر على الخروج حكم عليه بما يحكم على أهل الحرب في
وتضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعاً.
التتميم في : ومن أصدق من الله حديثاً.
والاستفهام بمعنى الإنكار في : فما لكم في المنافقين، وفي : أتريدون أن تهدوا.
والطباق في : أن تهدوا من أضل الله.
والتجنيس المماثل في : لو تكفرون كما كفروا، وفي : بينكم وبينهم، وفي : أن يقاتلوكم أو يقاتلوا، وفي : أن يأمنوكم ويأمنوا، وفي : خطأ وخطأ.
والاستعارة في : بينكم وبينهم، وفي : حصرت صدورهم، وفي : فإن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم، وفي : سبيلاً وكلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم الآية.
والاعتراض في : ولو شاء الله لسلطهم.
والتكرار في مواضع.
والتقسيم في : ومن قتل إلى آخره.
والحذف في مواضع.
﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلممة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ التحرير : الإعتاق، والعتيق : الكريم، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد.
ومنه عتاق الطير، وعتاق الخيل لكرامها.
وحر الوجه أكرم موضع منه، والرقبة عبر بها عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم : فلان يملك كذا رأساً من الرقيق.
والظاهر أنَّ كل رقبة اتصفت بأن يحكم لها بالإيمان منتظم تحت قوله : رقبة مؤمنة، انتظام عموم البدل.
فيندرج فيها من ولد بين مسلمين، ومن أحد أبويه مسلم، صغيراً كان أو كبيراً، ومن سباه مسلم من دار الحرب قبل البلوغ.
وقال ابراهيم : لا يجزى إلا البالغ.
وقال ابن عباس، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وغيرهم : لا يجزىء إلا التي صامت وعقلت الإيمان، لا يجزىء في ذلك الصغيرة.
وقال أبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن زياد، وزفر : يجزى في كفارة القتل الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً.
وقال عطاء : يجزىء الصغير المولود بين المسلمين.
وقال مالك : من صلى وصام أحب إليّ، ولا خلاف أنّ قوله : ومن قتل مؤمناً، ينتظم الصغير والكبير، وكذلك ينبغي أن يكون في فتحرير رقبة مؤمنة.
قال ابن عطية : وأجمع أهل العلم على أن الناقص النقصان الكبير كقطع اليدين والرجلين والأعمى، لا يجزىء فيما حفظت، فإن كان يسيراً يمكن معه المعيشة والتحرف كالعرج ونحوه ففيه قولان.
وقال أبو بكر الرازي : لا خلاف بين الأمة أنه لا يجزىء في الكفارة أعمى، ولا مقعد، ولا مقطوع اليدين أو الرجلين، ولا أشلهما، واختلفوا في الأعرج.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجزىء مقطوع إحدى اليدين أو الرجلين.
وقال مالك والشافعي والأكثرون : لا يجزىء عند أكثرهم المجنون المطبق، ولا عند مالك الذي يجن ويفيق، ولا المعتق إلى سنين، ويجزئان عند الشافعي.
ولا يجزىء المدبر عند مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي، ويجزىء في قول الشافعي وأبي ثور، واختاره ابن المنذر.
وقال مالك : لا يصح من أعتق بعضه، واختلفوا في سبب وجوب الكفارة في قتل الخطأ.
فقيل : تمحيصاً وطَهر الذنب القاتل، حيث ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم.
وقيل : لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الاحياء، لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق حياتها، من قبل أنّ الرقيق ممنوع من تصرّف الأحرار.
والظاهر أن وجوب التحرير والدية على القائل، لأنه مستقرأ في الكتاب والسنة : أن من فعل شيئاً يلزم فيه أمر من الغرامات مثل الكفارات، إنما يجب ذلك على فاعله.
فأما التحرير ففي مال القاتل.
وأما الدية فعلى العاقلة كلها في قول طائفة منهم : الأوزاعي، والحسن بن صالح.
وما جاوز الثلث في قول الجمهور أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والليث، وابن شبرمة، وغيرهم.
وأما الثلث ففي مال الجاني، ولم يجب عليهم إلا على سبيل المواساة.
وهي خلاف قياس الأصول في الغرمات والمتلفات.
والدية كانت مستقرة في الجاهلية.
قال الشاعر :
| نأسوا بأموالنا آثار أيدينا | ولم تتعرض الآية لمقدار ما يعطى في الدية، ولا من أي شيء تكون. |
وقال أبو يوسف ومحمد : ومن البقر والشاة والحلل، وبه قالت طائفة من التابعين، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين.
فمن البقر مائتا بقرة، ومن الشاة ألف شاة، ومن الحلل مائتا حلة، وذلك فعل عمر وجعله على كل أهل صنف من ذلك ما ذكر.
وقال مالك : أهل الذهب أهل الشام ومصر، وأهل الورق أهل العراق، وأهل الإبل أهل البوادي، فلا يقبل من أهل الإبل إلا الإبل، ولا من أهل الذهب إلا الذهب، ولا من أهل الورق إلا الورق.
وقالت طائفة منهم طاووس والشافعي : هي مائة من الإبل لا غير.
قال الشافعي : والدراهم والدنانير بدل عنها إذا عدمت، وله قول آخر : إنه يجب اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار.
قال أبو بكر الرازي : أجمع فقهاء الأمصار أبو حنيفة والشافعي ومالك أن دية الخطأ أخماس، واختلفوا في الأسنان.
فقال أصحابنا جميعاً : عشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهو : مذهب ابن مسعود، وبه قال أحمد.
وقال مالك : عشرون حقاقاً، وعشرون جذاعاً، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض.
وحكي هذا عن عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، وربيعة والليث.
وقال الشافعي : الدية قسمان، مغلظة أثلاثاً، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، ومخففة أخماساً كقول مالك.
وروي عن عطاء أن دية الخطأ أربع : خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، مثل أسنان الذكور.
وقال عمر وزيد بن ثابت : في الخطا ثلاثون بنت لبون، وثلاثون جذعة، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض.
وروي عنهما مكان الجذاع الحقات.
والظاهر أنه لا فرق بين القتل خطأ في الحرم وفي شهر حرام، وبينه في الحل، وفي شهر غير حرام.
وسئل الأوزاعي عن القتل في الشهر الحرام، أو في الحرم، هل تغلظ فيه الدية ؟ فقال : بلغنا أنه إذا قتل في الشهر الحرام أو في الحرم زيد على القاتل الثلث، ويزاد في شبه العمد في أسنان الإبل.
وأما من العاقلة فقيل هم العصبات الأربعة : الأب، والجدّ وان علا، والابن، وابن الابن وإن سفل.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : هم أهل ديوانه دون أقربائه، فإن لم يكن القاتل من أهل الديوان فرضت على عاقلته الأقرب فالأقرب، ويضم إليهم أقرب القبائل في النسب.
وقال الشافعي فيما روي عنه المزني في مختصره : العقل على ذوي الأنساب دون أهل الديوان والحلفاء، على الأقرب فالأقرب من بني أبيه ثم جدّه، ثم بني جد أبيه.
وأما المدة التي تؤدّي فيها الدية فقد انعقد الإجماع ووردت به الأحاديث الصحاح : أنها تتأدّى في ثلاث سنين، وفي الدية والعاقلة أحكام كثيرة تعرض لها بعض المفسرين وهي مذكورة في كتب الفقه.
ومعنى مسلمة إلى أهله : أي مؤدّاة مدفوعة إلى أهل المقتول، أي أوليائه الذين يرثونه يقتسمونها كالميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء، يقضي منها الدين، وتنفذ الوصية.
وإذا لم يكن وارث فهي لبيت المال.
وقال شريك : لا يقضي من الدية دين، ولا تنفذ منها وصية.
وقال ابن مسعود : يرث كل وارث منها غير القاتل، ومعنى قوله : إلا أن يصدقوا أي إلا أن يعفو ورّاثه عن الدية فلا دية.
وجاء بلفظ التصدق تنبيهاً على فضيلة العفو وحضاً عليه، وأنه جار مجرى الصدقة، واستحقاق الثواب الآجل به دون طلب العرض العاجل، وهذا حكم من قتل في دار الإسلام خطأ.
وفي قوله : إلا أن يصدقوا، دليل على جواز البراءة من الدين بلفظ الصدقة، ودليل على أنه لا يشترط القبول في الإبراء خلافاً لزفر، فإنه قال : لا يبرأ الغريم من الدين إلا أن يقبل البراءة.
والظاهر أنَّ الجماعة إذا اشتركوا في قتل رجل خطأ أنه ليس عليهم كلهم إلا كفارة واحدة، لعموم قوله : ومن قتل، وترتيب تحرير رقبة واحدة، ودية على ذلك.
وبه قالت طائفة هكذا قال أبو ثور، وحكي عن الأوزاعي ذلك، وقال الحسن، وعكرمة، والنخعي، والحارث، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي : على كل واحد منهم الكفارة.
وهذا الاستثناء قيل : منقطع، وقيل : إنه متصل.
قال الزمخشري :( فإن قلت ) : بم تعلق أن يصدقوا ؟ وما محله ؟ ( قلت ) : تعلق بعليه، أو بمسلمة.
كأن قيل : وتجب عليه الدية أو يسلمها، إلا حين يتصدقون عليه، ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان كقولهم : اجلس ما دام زيد جالساً، ويجوز أن يكون حالاً من أهله بمعنى : إلا متصدقين انتهى كلامه.
وكلا التخريجين خطأ.
أما جعل أن وما بعدها ظرفاً فلا يجوز، نص النحويون على ذلك، وأنه مما انفردت به ما المصدرية ومنعوا أن تقول : أجيئك أن يصيح الديك، يريد وقت صياح الديك.
وأما أن ينسبك منها مصدر فيكون في موضع الحال، فنصوا أيضاً على أن ذلك لا يجوز.
قال سيبويه في قول العرب : أنت الرجل أن تنازل أو أن تخاصم، في معنى أنت الرجل نزالاً وخصومة، أنَّ انتصاب هذا انتصاب المفعول من أجله، لأن المستقبل لا يكون حالاً، فعلى هذا الذي قررناه يكون كونه استثناء منقطعاً هو الصواب.
وقرأ الجمهور يصدقوا، وأصله يتصدقوا، فأدغمت التاء في الصاد.
وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن، وعبد الوارث عن أبي عمرو : تصدقوا بالتاء على المخاطبة للحاضرة.
وقرئ : تصدقوا بالتاء وتخفيف الصاد، وأصله تتصدقوا، فحذف إحدى التاءين على الخلاف في أيهما هي المحذوفة.
وفي حرف أبيّ وعبد الله : يتصدقوا بالياء والتاء.
﴿فإن كان من قوم عدوٍّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾ قال ابن عباس وقتادة والنخعي والسدي وعكرمة وغيرهم : المعنى إن كان هذا المقتول خطأ رجلاً مؤمناً قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة عدوّ لكم فلا دية فيه، وإنما كفارته تحرير رقبة.
والسبب عندهم في نزولها : أنَّ جيوش المسلمين كانت تمر بقبائل الكفرة، فربما قتل من آمن ولم يهاجر، أو من هاجر ثم رجع إلى قومه، فيقتل في حملات الحرب على أنه من الكفار، فنزلت الآية.
وسقطت الدية عند هؤلاء، لأن أولياء المقتول كفرة، فلا يعطون ما يتقوّون به.
ولأنّ حرمته إذا آمن ولم يهاجر قليلة فلا دية.
وإذا قتل مؤمناً في بلاد المسلمين وقومه حرب، ففيه الدية لبيت المال والكفارة.
وقالت فرقة : الوجه في سقوط الدية أنّ أولياءه كفار، سواء أكان القتل خطأ بين أظهر المسلمين وبين قومه ولم يهاجر، ولو هاجر ثم رجع إلى قومه، وكفارته ليس إلا التحرير، لأنه إنْ قتل بين أظهر قومه فهو مسلط على نفسه، أو بين أظهر المسلمين فأهله لا يستحقون الدية، ولا المسلمون لأنهم ليسوا أهله، فلا تجب على الحالين، هذا قول : مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبي ثور.
وقال ابراهيم : المؤمن المقتول خطأ إن كان قومه المشركون ليس بينهم وبين النبي عهد فعلى قاتله تحرير رقبة، أو كان فتؤدى ديته لقرابته المعاهدين.
قال بعض المصنفين : اختلفت فقهاء الأمصار في من أسلم في دار الحرب وقتل قبل أن يهاجر، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف في المشهور عنه : إن قتله مسلم مستأمن فكفارة الخطأ، أو كانا مستأمنين فعلى القاتل الدية وكفارة الخطأ، أو أسيرين فعلى القاتل كفارة الخطأ في قول أبي حنيفة.
وقال محمد وأبو يوسف : الدية في العمد والخطأ.
وقال مالك : على قاتل من أسلم في دار الحرب، ولم يخرج، الدية والكفارة إن كان خطأ.
والآيةُ إنما كانت في صلح النبي ﷺ أهل مكة، لأنه من لم يهاجر لم يورث، لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة.
وقال الحسن بن صالح : إذا أقام بدار الحرب وهو قادر على الخروج حكم عليه بما يحكم على أهل الحرب في
وتضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعاً.
التتميم في : ومن أصدق من الله حديثاً.
والاستفهام بمعنى الإنكار في : فما لكم في المنافقين، وفي : أتريدون أن تهدوا.
والطباق في : أن تهدوا من أضل الله.
والتجنيس المماثل في : لو تكفرون كما كفروا، وفي : بينكم وبينهم، وفي : أن يقاتلوكم أو يقاتلوا، وفي : أن يأمنوكم ويأمنوا، وفي : خطأ وخطأ.
والاستعارة في : بينكم وبينهم، وفي : حصرت صدورهم، وفي : فإن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم، وفي : سبيلاً وكلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم الآية.
والاعتراض في : ولو شاء الله لسلطهم.
والتكرار في مواضع.
والتقسيم في : ومن قتل إلى آخره.
والحذف في مواضع.