كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ ؛ أي لا يستوِي في الفَضْلِ والثَّواب القاعدونَ عنِ الجهادِ من المؤمنين الأصحَّاء ؛ الذين لا ضَرَرَ بهم من المرضِ والزَّمَانَةِ ؛ ولا عُذْرَ يَمنعُهم من الجهادِ، ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ ؛ في طاعةِ الله بالإنفاقِ من أموالِهم والخروج بأنفُسِهم.
رويَ : أنَّهُ نَزَلَ أوَّلاً (لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ) فَجَاءَ ابْنُ أمِّ مَكْتُومٍ وَرَجُلٌ آخَرُ مَعَهُ وَهُمَا أعْمَيَانِ، فَقَالاَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أمَرَ اللهُ بالْجِهَادِ وَفَضَّلَ الْمُجَاهِدِيْنَ عَلَى الْقَاعِدِيْنَ، وَحَالُنَا عَلَى مَا تَرَى، فَهَلْ لَنَا مِنْ رُخْصَةٍ ؟ وَاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَجَاهَدْنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ أي غير أولي الضرر فِي الْبَصَرِ، فَجَعَلَ لَهُمْ مِنَ الأجْرِ مَا لِلْمُجَاهِدِيْنَ.
وروَى ابنُ أبي لَيْلَى ؛ قال :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ) قَالَ ابْنُ أمِّ مَكْتُومٍ : اللَّهُمَّ أنْزِلْ عُذْري، فَنَزَلَ قَوْلُهُ ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ فَوُضِعَتْ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ بَعْدُ ذلِكَ يَغْزُو وَيَقُولُ : إدْفَعُواْ إلَيَّ اللِّوَاءَ ؛ وَيَقُولُ : أقِيْمُونِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ).
وعن زيد بن ثابت قال :(كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، وَقَدْ أمْلَى عَليَّ قَوْلُهُ :﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَعَرَضَ ابْنُ أمِّ مَكْتُومٍ فَثَقُلَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِهِ حَتَّى كَادَتْ تَنْحَطِمُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾.
ومَن قرأ (غَيْرَ أوْلِي الضَّرَر) بالنصب فهو نصبٌ على الاستثناءِ، كأنَّهُ قالَ : إلاَّ أوْلِي، كما يقالُ : جاءَنِي القومُ غيرَ زيدٍ. ويجوزُ أن يكونَ على الحالِ ؛ أي لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ فِي حَالِ صِحَّتِهِمْ وَالمُجَاهِدُونَ، وهذا كما يقالُ : جاءَنِي زيدٌ غيرَ مريضٍ ؛ أي صَحِيْحاً.
ومن قرأ (غَيْرُ) بالرفعِ، فيجوزُ الرفعُ في استثناءِ الإثباتِ من النَّفي، ويجوزُ أن يكونَ (غَيْرُ) صفةٌ للقاعدين، وإنْ كان أَصلُ (غَيْرُ) أن تكونَ صفةً كما هو نكرةٌ. المعنى : لاَ يَسْتَوِي القاعدونَ الذي هُم غَيْرُ أولِي الضَّرَر والْمُجَاهِدُونَ في الفَضْلِ والثَّواب، وإن كانوا كلُّهم مؤمنين.
واختارَ بعضُهم قراءةَ الرفعِ ؛ لأنَّ معنى الصِّفةِ على لفظةِ (غَيْرُ) أغلبُ من معنى الاستثناء، واختارَ بعضُهم قراءةَ النصب لأن قولَه ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ نزلَ بعد قولهِ :(لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سبيلِ اللهِ) فيكونُ معنى الاستثناءِ به ألْيَقُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ ؛ أي فَضِيْلَةً ومَنْزِلَةً ؛ ﴿وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ؛ أي وُكِلاَ الفريقين الْمُجَاهِدُ والقاعدُ وعدَهم اللهُ الْحُسْنَى يعنِي الْجَنَّةَ بالإيْمان. وفي هذا دليلٌ أنَّ الجهادَ فرضٌ على الكفايةِ ؛ لأنه لو كان فَرْضاً على الأعيانِ لَمْ يَجُزْ أن يكونَ القاعدُ عنه موعودٌ بالْحُسنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ أي فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهدين على القاعدينَ عنِ الجهادِ بغيرِ عُذر ثواباً حَسَناً في الجنَّة، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :(أجْراً) نُصِبَ على التَّفسيرِ. وقال الأخفشُ :(عَلَى الْمُقَدَّر ؛ تَقْدِيْرُهُ : آجَرَهُمُ اللهُ أجَراً).
والفائدةُ في تكرار لفظ التفضِيل : أنَّ في الأول بيانُ تفضيلِ مَن جاهدَ بالمال والنفسِ جميعاً ؛ وفي آخرِ الآية بيانُ تفضيلِ الْمُجَاهِدِ مُطْلقاً، ويدخلُ فيه الْمُجَاهِدُ بالمالِ والنَّفْسِ، والْمُجَاهِدُ بالمالِ دونَ النفس، وبالنفس دونَ المالِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى