الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ : متعلق بمحذوف لأنه حال، وفي صاحبها وجهان، أحدهما : أنه القاعدون، فالعامل في الحال في الحقيقة يستوي، والثاني : أنه الضمير المستكنُّ في " القاعدون " لأن " أل " بمعنى الذي، أي : الذين قعدوا في هذه الحال، ويجوز أن تكون " مِنْ " للبيان.
قوله ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم " غير " بالرفع، والباقون بالنصب، والأعمش بالجر. والرفع من وجهين، أظهرهما : أنه على البدل من " القاعدون " وإنما كان هذا أظهرَ لأن الكلام نفي، والبدلُ معه أرجحُ لِما قُرِّر في عمل النحو. والثاني : أنه رفع على الصفة ل " القاعدون "، ولا بد من تأويل ذلك لأن " غير " لا تتعَرَّفُ بالإِضافة، ولا يجوز اختلافُ النعت والمنعوت تعريفاً وتنكيراً، وتأويله : إمَّا بأن القاعدين لَمَّا لم يكونوا ناساً بأعيانهم بل أُريد بهم الجنسُ أَشْبَهوا النكرة فَوُصِفوا كما توصف، وإمَّا بأن " غير " قد تتعر‍َّف إذا وقعت بين ضدَّين، وهذا كله كما تقدم في إعراب ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: ٧] في أحد الأوجه، وهذا كلُّه خروج عن الأصول المقررة فلذلك اخترت الأول، ومثله :
وإذا اُقْرِضْتَ قَرْضاً فاجْزِهِإنما يَجْزي الفتى غيرُ الجَمَلْ
برفع " غير " كذا ذكره أبو علي، والراوية " ليس الجمل " عند غيره. والنصبُ على أحد ثلاثة أوجه، الأول : النصبُ على الاستثناء من " القاعدون " وهو الأظهرُ لأنه المحدَّثُ عنه. والثاني : من " المؤمنين " وليس بواضحِ، والثالث : على الحال من " القاعدون " والجر‍ُّ على الصفة للمؤمنين، وتأويلُه كما تقدم في وجه الرفع على الصفة.
وقوله :﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ﴾ كِلا الجارَّيْن متعلقٌ ب " المجاهدون " و " المجاهدون " عطف على " القاعدون " قوله :﴿دَرَجَةً﴾ فيها أربعة أوجه، أحدها : أنها منصوبة على المصدر لوقوع " درجة " موقعَ المَرَّة من التفضيل كأنه قيل : فَضَّلهم تفضيلةً نحو :" ضربته سوطاً " الثاني : أنها حال من " المجاهدين " أي : ذوي درجة. الثالث : أنها منصوبة انتصابَ الظرف أي : في درجة ومنزلة. الرابع : انتصابها على إسقاط الخافض أي : بدرجة.
قوله :﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ " كلاً " مفعول أول ل " وعد " مقدماً عليه، و " الحسنى " مفعول ثان. وقرئ :" وكلُّ " على الرفع بالابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد محذوف أي : وعده، وهذه كقراءة ابن عامر في سورة الحديد ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [ الآية : ١٠ ]. قوله " أجراً " في نصب أربعة أوجه، أحدهما : النصب على المصدر من معنى الفعل الذي قبله لا من لفظه ؛ لأن معنى " فَضَّل الله " آجرَ.
الثاني : النصب على إسقاطِ الخافض أي : فضَّلهم بأجر. الثالث : النصب على أنه مفعولٌ ثانٍ ؛ لأنه ضَمَّن " فضَّل " أعطى، أي : أعطاهم أجراً تَفَضُّلاً منه. الرابع : أنه حال من " درجات " قال الزمخشري :" وانتصب " أجراً " على الحال من النكرة التي هي " درجات " مقدَّمةً عليها " وهو غير ظاهر ؛ لأنه لو تَأَخَّر عن " درجات " لم يجز أن يكون نعتاً ل " درجات " لعدم المطابقة، لأنَّ " درجات " جمع، و " أجر " مفرد. كذا ردَّه بعضهم، وهي غفلة، فإنَّ " أجراً " مصدرٌ، والأفصحُ فيه أن يُوَحَّدَ ويُذَكَّر مطلقاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى