الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ ) الآية [ ٩٤ ].
من قرأ : غيرَ بالنصب فعلى الاستثناء بمعنى(١) [ إلا ](٢) أولي(٣) الضرر، فإنهم يستوون مع المجاهدين(٤)، ويجوز النصب على الحال بمعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم(٥).
ومن رفع على النعت للقاعدين بمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء عن الجهاد يوم بدر والمجاهدون.
وقدره أبو إسحاق :( لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ ) الذين هم ( غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرَ )، وهو بمعنى [ الصفة ](٦) التي ذكرنا(٧)(٨) وقرأه أبو حيوة غيرِ مخفوض على النعت للمؤمنين(٩). وقال المبرد : هو بدل لأنه نكرة والأول معرفة(١٠).
( دَرَجَةً ) نصب على البدل من قوله ( أَجْراً )(١١)(١٢).
وقيل : إن فيه معنى التأكيد كما تقول علي ألف درهم عرفاً.
ومعنى الآية : لا يعتدل من جاهد في ذات الله، ومن قعد عن ذلك، إلا أن يكون القاعدون من أولي الضرر، فإنه يستوي مع المجاهد. هذا على قراءة النصب، والنصب في الآية أحسن لما روى البراء(١٣) رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال : " إيتوني بكتف(١٤) أو لوح فكتب(١٥) " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون " وعمر بن أم مكتوم خلف ظهره فقال : هل لي من رخصة يا رسول الله ؟ فنزلت ( غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ ) على الاستثناء(١٦).
وقال زيد بن ثابت : املى(١٧) علي رسول الله ﷺ.
( لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُومِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ).
قال : فجاء ابن أم مكثوم وهو يمليها علي فقال : يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، قال : فأنزل الله عليه، وفخذه على فخذه، فثقلت(١٨) حتى خشيت أن تسترض(١٩) فخده [ ثم(٢٠) ] سرى عنه فقال :( غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ )(٢١).
وهذا في غزاة بدر، وقد قال ذلك عطاء وقتادة والسدي والزهري ذكروا أن الاستثناء نزل في ابن أم مكتوم(٢٢).
قوله :( فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً )، أي : فضيلة يريد القاعدين من أولى الضرر، فضل الله المجاهدين على القاعد(٢٣) للضرر درجة واحدة لجهاده بنفسه وماله ( وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى ) أي : المجاهد والقاعد من أولي الضرر، وعدهم الله الحسنى، وهي الجنة لأنهم كلهم مؤمنون.
وذكر الأموال في هذا الموضع(٢٤)، وتفضيل الذين ينفقونها في سبيل الله يدل على تفضيل الغنى على الفقر، وهو في القرآن كثير، فلا يستوي في الفضل من أعطاه الله مالاً، فأنفقه في سبيله، ومن لم يعطه الله مالاً، فود لو كان معه مال(٢٥) فأنفقه في سبيل الله، لا يستوي [ من نوى ](٢٦) ففعل، مع من(٢٧) نوى ولم يفعل، فقد أنفق عثمان رضي الله عنه على جيش العسرة(٢٨) وبان بفضل ذلك، وود أصحابه أن يقدروا على مثل فعله. وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أيسر من كثير من أصحاب رسول الله ﷺ. وأجمع المسلمون أنهم أفضل ممن هو أفقر منهم في ذلك الوقت من الصحابة.
وحديث النبي ﷺ " إن فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم من أيام الآخرة(٢٩) " معناه الفقراء من أصحاب النبي ﷺ يدخلون الجنة قبل الأغنياء من غير أصحاب محمد ﷺ لفضل الصحابة لا للفقر.
ويدل على ذلك ما روي عن رسول الله ﷺ أنه سئل : من أول الناس وروداً الحوض ؟ فقال : " نفر من المهاجرين الشعثة(٣٠) رؤوسهم الدنسة(٣١) ثيابهم، الذين لا تفتح لهم السدود(٣٢)، ولا ينكحون المتنعمات(٣٣) ".
قوله :( وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) يعني : على القاعدين من المؤمنين من غير أولي الضرر.
١ - (أ) (ج): معنى..
٢ - ساقط من (أ)..
٣ - (ج): الأولى الضرر..
٤ - في غير ثلاث قراءات: (أ): غيرُ أولي الضرر بضم الراء، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة. (ب): غيرَ بنصب الراء وهي قراءة نافع والكسائي وابن عامر. انظر: السبعة: ٢٣٧ وحجة القراءات ٢١١، والكشف ١/٣٩٦. (ج): غير بكسرِ الراء وهي قراءة أبي حيوة. انظر: جامع البيان ٥/٢٢٧..
٥ - في إعراب غير أوجه: فغيرُ بالضم صفة للقاعدين أو استثناء، وغيرَ بالنصب استثناء من القاعدين، أو للمؤمنين أو حال من القاعدين. انظر: معاني الأخفش ١/٤٥٣، ومعاني الزجاج ٢/٩٢، وإعراب النحاس ١/٤٤٧، ومشكل الإعراب ١/٢٠٦..
٦ - ساقط من (أ)..
٧ - (ج): ذكرناه..
٨ - انظر: جامع البيان ٢/٩٢..
٩ - انظر: جامع البيان ٥/٢٢٧..
١٠ - انظر: المقتضب ٤/٤٢٢، وإعراب النحاس ١/٤٤٧..
١١ - ساقط من (أ)..
١٢ - انظر: إعراب النحاس ١/٤٤٨..
١٣ - هو أبو عمارة البراء بن عازب بن الحارث الخزرجي توفي ٧١ هـ صحابي أسلم صغيراً، وغزا خمسة عشر غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: تاريخ الثقات ٧٩، أسد الغابة ١/٢٠٥، الإصابة ١/١٤٦، والتهذيب ١/٤٢٥..
١٤ - الكتف عظم عريض يكون في أصل الكتف من الناس، أو الدواب كانوا يكتبون فيه بقلة القراطيس عندهم. انظر: اللسان كتف ٩/٢٩٤..
١٥ - إن رسول الله ﷺ لا يكتب، ورواية البخاري: فدعا فلاناً أي زيداً، فكتب، انظر: صحيح البخاري كتاب التفسير ٥/١٨٣..
١٦ - انظر: المصدر السابق..
١٧ - (أ): أم لا وهو خطأ..
١٨ - (ج): قتلت..
١٩ - يقال رضه يرضه، إذا كسره. اللسان ٧/١٥٤..
٢٠ - ساقط من (أ)..
٢١ - انظر: صحيح البخاري كتاب التفسير ٥/١٨٢-١٨٣..
٢٢ - انظر: جامع البيان ٥/١٣٠..
٢٣ - (أ): القاعدين وهو خطأ..
٢٤ - (أ): الوضع..
٢٥ - (أ): ما لم..
٢٦ - ساقط من (أ)..
٢٧ - (أ): ومن مع من نوى..
٢٨ - هو جيش غزوة تبوك، وسمي بجيش العسرة لأن رسول الله ﷺ ندب الناس إلى الغزو في شدة القيظ، وكان وقت إيناع الثمرة وطيب الظلال، فشق ذلك على الناس، وعسر عليهم، وكان ذلك في رجب من سنة ٩ للهجرة. انظر: سيرة ابن هشام ٢/٥١٥-٥١٦..
٢٩ - خرجه الترمذي في أبواب الزهد ٤/٧، وابن ماجه في كتاب الزهد ٢/١٣٨٠، والدارمي في كتاب الرقائق ٢/٣٨٩..
٣٠ - (أ): استعنث (د): استعتت، والأشعث الشعر المغبر الحافي الذي لم يَدَّهِن. انظر: اللسان شعث ٢/١٦٠..
٣١ - (أ): الذي نست، والدنس في الثياب لطخ الوسخ ونحوه، ويكون الدنس في المعاني أيضاً. انظر: اللسان دنس ٦/٨٨..
٣٢ - أي: لا تفتح لهم الأبواب، والسدة الباب. انظر: اللسان سد ٣/٢٠٧..
٣٣ - (أ): المتمنعات. (ج): المتمتعات، والمتنعمات المترفات. انظر: الفائق في غريب الحديث ٢/١٦٤، والنهاية في غريب الأثر ٢/٣٥٣، و٥/٨٣. أول الحديث "إن حوضي ما بين عدن إلى أيلة أشد بياضاً من اللبن وقد خرجه ابن ماجه في كتاب الزهد ٢/١٤٣٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى