البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
ولما كانت التقوى أساس الطريق لهذا المقام، الذي هو نور الإيمان، تكلم الحق تعالى في أول السورة على أهم ما يتقى، وهو الزنا وما يؤدي إليه من النظر والاطلاع على عورات النساء، فقال :
بسم الله الرحمان الرحيم :
﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ * ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
قلت :" سورة " : خبر، أي : هذه سورة، وأشير لها، مع عدم تقدم ذكره ؛ لأنها في حكم الحاضر المشاهدَ. وقرئ بالنصب على الاشتغال، وجملة :( أنزلناها )، وما عطف عليه : صفة لسورة، مؤكد لما أفاده التنكير من الفخامة. و( الزانية ) : مبتدأ، والخبر ( فاجلدوا )، ودخلت الفاء ؛ لتضمن المبتدأ معنى الشرط ؛ إذ اللام موصولة، أي : والتي زنت والذي زنى فاجلدوا، هذا مذهب المبرد وغيره، والاختيار عند سيبويه : الرفع على الابتداء، والخبر : محذوف، أي : فيما فرض عليكم، أو : مما يُتلى عليكم : حكم الزانية والزاني، وقدَّم الزانية ؛ لأنها الأصل في الفعل، والداعية فيها أوفر، ولولا تمكينها منه لم يقع. وقيل : لمّا كان وجود الزنى في النساء أكثر، بخلاف السرقة، ففي الرجال أكثر، قَدَّم الحق تعالى الأكثر فيهما.
يقول الحق جل جلاله : هذه ﴿سورةٌ﴾، وهي الجامعة لآيات، بفاتحة لها وخاتمة، مشتقة من سور البلد. من نعت تلك السورة :﴿أنزلناها﴾ عليك، ﴿وفرضْنَاها﴾ أي : فرضنا الأحكام التي فيها. وأصل الفرض : القطع، أي : جعلناها مقطوعاً بها قطعَ إيجاب.
وقرأ المكي وأبو عمرو : بالتشديد ؛ للمبالغة في الإيجاب وتوكيده، أو : لأن فيها فرائض شتى، أو : لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم.
﴿وأنزلنا فيها﴾ أي : في تضاعيفها ﴿آيات بينات﴾ أي : دلائل واضحات ؛ لوضوح دلالتها على أحكامها لا على معانيها ؛ فإنها كسائر السور. وتكرير ( أنزلنا )، مع أن جميع الآيات عين السورة ؛ لاستقلالها بعنوان رائق دَاع إلى تخصيص إنزالها بالذكر ؛ إبانة لخطرها، ورفعاً لقدرها، كقوله تعالى :﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨]، بعد قوله :﴿نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾. ﴿لعلكم تذكَّرون﴾ أي : لكي تتعظوا فتعملوا بموجبها عند وقوع الحوادث الداعية إلى إجراء أحكامها. وفيه إيذان بأن حقها أن تكون على بالٍ منهم، بحيث متى مست الحاجة إليها استحضروها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : التقوى أساس الطريق، وبها يقع السير إلى عين التحقيق. فمن لا تقوى له لا طريق له، ومن لا طريق له لا سير له، ومن لا سير له لا وصول له. وأعظم ما يتَقي العبدُ شهوةَ الفروج، فهي أعظم الفتن وأقبح المحن، وقد قال عليه الصلاة والسلام :" ما تَرَكْتُ بَعْدِي أضَرّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ(٣) " أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وعن حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا معشر الناس اتقوا الزنا، فإن فيه ستَّ خصال : ثلاثاً في الدنيا، وثلاثاً في الآخرة : فأما اللاتي في الدنيا ؛ فيُذهب البهاء، ويورثُ الفقرَ، وينْقُصُ العمرَ، وأما اللاتي في الآخرة ؛ فيوجب السخطَة وسوءَ الحسابِ والخلودَ في النار(٤) ". والمراد بنقص العمر : قلة بركته، وبالخلود : طول المكث. وفي حديث آخر :" إن أهل النار ليتأذون من نتن فروج الزناة والزواني(٥) "، وعن أنس رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إن أعمال أمتي تُعرض عليَّ في كل جمعة مرتين، فاشتد غضب الله على الزناة(٦) ". وقال وهب بن منبه :( مكتوب في التوراة : الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقواد لا يموت حتى يعمى ).
وفي بعض الأخبار القدسية :" يقول الله عز وجل : أنا الله لا إله إلا أنا، خلقت مكة بيدي، أُغني الحاج ولو بعد حين، وأُفقر الزاني ولو بعد حين، هذا وباله في الدنيا والآخرة، وأما في عالم البرزخ ؛ فتُجعل أرواحهم في تنوير من نار، فإذا اشتعلت عَلَوْا مع النار، وإذا خمدت سقطوا إلى أسفلها، هكذا حتى تقوم الساعة، كما في حديث البخاري(٧). وقال ابن رشد : ليس بعد الشرك أقبح من الزنا ؛ لِما فيه من هتك الأعراض واختلاط الأنساب، ومن تاب فإن الله يتوب على من تاب. وبالله التوفيق.
وقوله تعالى :﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ : قال في الإحياء : في الحديث :" خيار أمتي أَحِدَّاؤُهَا(٨) " يعني : في الدين ؛ قال تعالى :﴿ولا تأخذكم بهما رأفة﴾، فالغيرة على الحُرَمِ، والغضب لله وعلى النفس، بكفها عن شهوتها وهواها، محمود، وفَقْدُ ذلك مذمومٌ. هـ. وبالله التوفيق.
بسم الله الرحمان الرحيم :
﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ * ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
قلت :" سورة " : خبر، أي : هذه سورة، وأشير لها، مع عدم تقدم ذكره ؛ لأنها في حكم الحاضر المشاهدَ. وقرئ بالنصب على الاشتغال، وجملة :( أنزلناها )، وما عطف عليه : صفة لسورة، مؤكد لما أفاده التنكير من الفخامة. و( الزانية ) : مبتدأ، والخبر ( فاجلدوا )، ودخلت الفاء ؛ لتضمن المبتدأ معنى الشرط ؛ إذ اللام موصولة، أي : والتي زنت والذي زنى فاجلدوا، هذا مذهب المبرد وغيره، والاختيار عند سيبويه : الرفع على الابتداء، والخبر : محذوف، أي : فيما فرض عليكم، أو : مما يُتلى عليكم : حكم الزانية والزاني، وقدَّم الزانية ؛ لأنها الأصل في الفعل، والداعية فيها أوفر، ولولا تمكينها منه لم يقع. وقيل : لمّا كان وجود الزنى في النساء أكثر، بخلاف السرقة، ففي الرجال أكثر، قَدَّم الحق تعالى الأكثر فيهما.
يقول الحق جل جلاله : هذه ﴿سورةٌ﴾، وهي الجامعة لآيات، بفاتحة لها وخاتمة، مشتقة من سور البلد. من نعت تلك السورة :﴿أنزلناها﴾ عليك، ﴿وفرضْنَاها﴾ أي : فرضنا الأحكام التي فيها. وأصل الفرض : القطع، أي : جعلناها مقطوعاً بها قطعَ إيجاب.
وقرأ المكي وأبو عمرو : بالتشديد ؛ للمبالغة في الإيجاب وتوكيده، أو : لأن فيها فرائض شتى، أو : لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم.
﴿وأنزلنا فيها﴾ أي : في تضاعيفها ﴿آيات بينات﴾ أي : دلائل واضحات ؛ لوضوح دلالتها على أحكامها لا على معانيها ؛ فإنها كسائر السور. وتكرير ( أنزلنا )، مع أن جميع الآيات عين السورة ؛ لاستقلالها بعنوان رائق دَاع إلى تخصيص إنزالها بالذكر ؛ إبانة لخطرها، ورفعاً لقدرها، كقوله تعالى :﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨]، بعد قوله :﴿نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾. ﴿لعلكم تذكَّرون﴾ أي : لكي تتعظوا فتعملوا بموجبها عند وقوع الحوادث الداعية إلى إجراء أحكامها. وفيه إيذان بأن حقها أن تكون على بالٍ منهم، بحيث متى مست الحاجة إليها استحضروها.
وفي بعض الأخبار القدسية :" يقول الله عز وجل : أنا الله لا إله إلا أنا، خلقت مكة بيدي، أُغني الحاج ولو بعد حين، وأُفقر الزاني ولو بعد حين، هذا وباله في الدنيا والآخرة، وأما في عالم البرزخ ؛ فتُجعل أرواحهم في تنوير من نار، فإذا اشتعلت عَلَوْا مع النار، وإذا خمدت سقطوا إلى أسفلها، هكذا حتى تقوم الساعة، كما في حديث البخاري(٧). وقال ابن رشد : ليس بعد الشرك أقبح من الزنا ؛ لِما فيه من هتك الأعراض واختلاط الأنساب، ومن تاب فإن الله يتوب على من تاب. وبالله التوفيق.
وقوله تعالى :﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ : قال في الإحياء : في الحديث :" خيار أمتي أَحِدَّاؤُهَا(٨) " يعني : في الدين ؛ قال تعالى :﴿ولا تأخذكم بهما رأفة﴾، فالغيرة على الحُرَمِ، والغضب لله وعلى النفس، بكفها عن شهوتها وهواها، محمود، وفَقْدُ ذلك مذمومٌ. هـ. وبالله التوفيق.