تفسير المراغي — المراغي

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون﴾[النور: ١]
تفسير المفردات :
أنزلناها : أي أعطيناها الرسول كما يقول العبد إذا كلم سيده : رفعت إليه حاجتي، والفرض : التقدير كما قال :﴿فنصف ما فرضتم﴾[البقرة: ٢٣٧] وقال :﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾[القصص: ٨٥] والمراد هنا تقدير ما فيها من الحدود والأحكام على أتم وجه. بينات : أي واضحات الدلالة على ما فيها من الأحكام، ولعل هنا يراد بها الإعداد والتهيئة. تذكرون : أي تتذكرون وتتعظون.
الإيضاح :
امتن سبحانه على عباده بما أنزل عليهم في هذه السورة من الفرائض والأحكام وفصله لهم من أدلة التوحيد وبيناته الواضحة التي لا تقبل جدلا، ليعدهم بذلك لأن يتعظوا ويعملوا بما جاء فيها مما فيه سعادتهم في دنياهم و آخر تهم وفيه صلاحهم، فإن في حفظ الفروج صيانة للأنساب واطمئنانا على سلامتها مما يشوبها، كما أن فيه أمنا من حصول الضغائن والأحقاد التي قد تجر إلى القتل وارتكاب الجرائم بين الأفراد، وأمنا على الصحة والبعد عن الأمراض التي قد تودي بحياة المرء وتوقعه في أشد المصايب وأعظم ألوان البلاء.
كما جاء فيها توثيق روابط المودة بين أفراد المجتمع، ففيها نظام دخول البيوت للتزاور، وفيها حفظ الألسنة، وصونها عن الولوغ في الأعراض بما لا ينبغي أن يقال حتى لا ينتشر الفحش بين الناس، وفيها تحذير للعباد من ذلك﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم﴾[النور: ١٩].
والخلاصة : إنه تعالى ذكر في أول السورة أنواعا من الأحكام والحدود الشرعية. وفي آخرها الدلائل على وحدانيته وكامل قدرته، فأشار إلى الأولى بقوله :﴿وفرضناها﴾ وإلى الثانية بقوله :﴿وأنزلنا فيها آيات بينات﴾.
والفائدة في كل هذا اتقاء المحارم والبعد عنها ومعرفة الله المعرفة التي تجعل المرء يخضع لجلاله وعظيم سلطانه، ويشعر بأنه محاسب على كل ما يعمل من عمل قل أو كثر فإذا تم له ذلك صلحت نظم الفرد ونظم المجتمع، وسادت السكينة والطمأنينة بين الناس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى