التفسير المنير — وهبة الزحيلي

عن الكتاب
الانصراف، وتفويضه بالإذن لمن شاء، وتعظيم مجلسه ومناداته بأدب جم وحياء وتبجيل يليق به وبرسالته.
ميزة سورة النور

[سورة النور (٢٤) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)
الإعراب:
سُورَةٌ أَنْزَلْناها سُورَةٌ: خبر مبتدأ محذوف، وأَنْزَلْناها: صفة ل سُورَةٌ وتقديره: هذه سورة منزلة. وقرئ (سورة) بالنصب على تقدير فعل، وأَنْزَلْناها: مفسر له، وتقديره: أنزلنا سورة أنزلناها، أو اتبعوا سورة، أو اتل سورة.
وهذا على رأي الجمهور القائلين: الابتداء بالنكرة لا يجوز، وقال الأخفش: لا يبعد الابتداء بالنكرة فسورة: مبتدأ، وأنزلنا: خبره.
البلاغة:
سُورَةٌ.. التنكير للتفخيم، أي هذه سورة عظيمة الشأن أنزلها الله. وفيه تنبيه على الاعتناء بها، ولا ينفي الاعتناء بما عداها.
أَنْزَلْناها... وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ إطناب لتأكيد العناية بها، وهو ذكر للخاص بعد العام للاهتمام به.
المفردات اللغوية:
سُورَةٌ السورة: طائفة من آيات القرآن، محددة البدء والنهاية شرعا بالتوقيف أي النقل الثابت عن النبي صلّى الله عليه وسلم والوحي الإلهي بوساطة جبريل عليه السلام. أَنْزَلْناها أعطيناها الرسول وأوحينا بها إليه، والتعبير بالإنزال الذي هو صعود إلى نزول وإشارة إلى العلو، للدلالة على أن هذا القرآن من عند الله المتعالي على كل شيء، وكل من دونه نازل عنه في المرتبة، فلا يفهم من ذلك أنه تعالى في جهة.
وَفَرَضْناها الفرض: التقدير، أو قطع الشيء الصلب، والمراد هنا الإيجاب أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا. وقرئ وَفَرَضْناها بالتشديد لكثرة المفروض فيها آياتٍ جمع آية، وهي العلامة، والمراد هنا جملة من القرآن الكريم متصلة الكلام تحقق غرضا معينا.
بَيِّناتٍ واضحات الدلالة على ما فيها من الأحكام. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي تتذكرون وتتعظون وتتقون المحارم، ولعل هنا يراد بها الإعداد والتهيئة.
التفسير والبيان:
هذه السورة أوحيناها وأعطيناها الرسول صلّى الله عليه وسلم وفرضنا ما فيها من أحكام كأحكام الزنى والقذف واللعان والحلف على ترك الخير والاستئذان، وغض البصر، وإبداء الزينة للمحارم وغيرهم، وإنكاح الأيامى، واستعفاف من لم يجد نكاحا، ومكاتبة الأرقاء، وإكراه الفتيات على البغاء، وطاعة الرسول صلّى الله عليه وسلم، والسلام على المؤمنين.
وأنزلنا فيها دلائل واضحة، وعلامات بينة على توحيد الله وكمال قدرته، لتتذكروها، فتعتقدوا وحدانيته وقدرته تعالى. وتكرار وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لكمال العناية بشأنها، كما هي الحال في ذكر الخاص بعد العام.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن سورة النور متضمنة آيات بينات ترشد إلى النظام الأقوم والسلوك الأمثل في الأسرة والمجتمع، يقصد بها تحقيق العفاف والصون وحماية العرض، واتقاء المحرّمات، وتوفير السكينة والطمأنينة القلبية البعيدة عن الشواغل والهواجس الشيطانية الداعية إلى المعصية والرذيلة.
كما أن في هذه الأحكام تذكيرا وعظة للمؤمنين، وتربية للنفوس، وتحقيقا للتقوى التي يستشعر بها المؤمن التقي جلال الله وعظمته، وعلمه وقدرته،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى