تفسير المراغي — المراغي

عن الكتاب
﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ( ٢٣ ) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ( ٢٤ ) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين﴾[النور: ٢٣- ٢٥].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر قصص أم المؤمنين عائشة و بين عقاب من اتهمها بالإفك وشديد عذابه يوم القيامة وأسهب في هذا، أعقب ذلك ببيان حكم عام وهو أن كل من اتهم محصنة مؤمنة غافلة بالخنا والفجور فهو مطرود من رحمة الله، بعبد عن دار نعيمه، معذب في جهنم إلا إذا تاب وأحسن التوبة وعمل صالحا.
الإيضاح :
﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾أي ولهم ذلك العذاب الذي لا يقدر قدره يوم يجحدون ما اكتسبوا في الدنيا من الذنوب حين سؤالهم عنها، فتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون من قول أو فعل، إذ ينطقها الله بقدرته، فتخبر كل جارحة بما صدر منها من أفاعيل صاحبها.
ونحو الآية قوله تعالى :﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله﴾[فصلت: ٢١].
عن أبي سعيد الخدري أن النبي ( ص ) قال :" إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله، فيجحد ويخاصم، فيقال هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول كذبوا، فيقال أهلك وعشيرتك، فيقول كذبوا، فيقال احلفوا فيحلفون، ثم يصمهم الله فتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ثم يدخلهم النار ".
ويرى فريق من المفسرين أن الشهادة هنا ليست الشهادة باللسان، بل شهادة الإثبات والبيان، إذ كل ما يعمله الإنسان في الدنيا من قول أو فعل تنطبع له صورة على العضو الذي فعله، فالكلمة يقولها تنطبع لها صورة على اللسان، واليد التي تمد لفعل شيء، والرجل التي تخطو إلى عمل، كل ذلك يحفظ على نفس الجارحة التي فعلته، فما أشبه ذلك بالصور التي تؤخذ اليوم لأصابع المجرمين وبصمات أيديهم وأرجلهم في قلم تحقيق الشخصية للرجوع إليها إذا دعت الحاجة إلى ضبط أولئك المجرمين، فما ينطبع إذ ذاك على اللسان واليد والرجل يكون كافيا جد الكفاية في إثبات الجرم على أولئك المجرمين والطغاة الظالمين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى