جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتّىَ يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَالّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مّن مّالِ اللّهِ الّذِيَ آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصّناً لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنّ فِإِنّ اللّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنّ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : وليَسْتَعْفِف الّذِينَ لا يَجِدُون ما ينكحون به النساء عن إتيان ما حرّم الله عليهم من الفواحش، حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِنْ سعة فَضْلِهِ، ويوسّع عليهم من رزقه.
وقوله : وَالّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ يقول جلّ ثناؤه : والذين يلتمسون المكاتبة منكم من مماليككم، فكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا.
واختلف أهل العلم في وجه مكاتبة الرجل عبده الذي قد علم فيه خيرا، وهل قوله : فَكاتِبُوهُم إنْ عَلِمْتُمْ فيهِمْ خَيْرا على وجه الفرض أم هو على وجه الندب ؟ فقال بعضهم : فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيرا إذا سأله العبد ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جُرَيج، قال : قلت لعطاء : أواجب عليّ إذا علمت مالاً أن أكاتبه ؟ قال : ما أراه إلاّ واجبا. وقالها عمرو بن دينار، قال : قلت لعطاء : أَتأْثِرُه عن أحد ؟ قال : لا.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن بكر، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، عن أنس بن مالك، أن سيرين، أراد أن يكاتبه فتلكّأ عليه، فقال له عمر : لتكاتبنه
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : لا ينبغي لرجل إذا كان عنده المملوك الصالح الذي له المال يريد إن يكاتب ألاّ يكاتبه.
وقال آخرون : ذلك غير واجب على السيد، وإنما قوله : فَكاتِبُوهُمْ : نَدْب من الله سادَة العبيد إلى كتابة من علم فيه منهم خير، لا إيجاب. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال مالك بن أنس : الأمر عندنا أن ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع بأحد من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده. وقد سمعت بعض أهل العلم إذا سُئل عن ذلك فقيل له : إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا يتلو هاتين الآيتين : فإذَا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا فإذَا قُضِيَتِ الصّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّهِ قال مالك : فإنما ذلك أمر أذِن الله فيه للناس، وليس بواجب على الناس ولا يلزم أحدا. وقال الثوريّ : إذا أراد العبد من سيده أن يكاتبه، فإن شاء السيد أن يكاتبه كاتبه، ولا يُجْبر السيد على ذلك.
حدثني بذلك عليّ عن زيد عنه وحدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قال : ليس بواجب عليه أن يكاتبه، إنما هذا أمر أذن الله فيه ودليل.
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال : واجب على سيد العبد أن يكاتبه إذا علم فيه خيرا وسأله العبد الكتابة وذلك أن ظاهر قوله : فَكاتِبُوهُمْ ظاهر أمر، وأمر الله فرضٌ الانتهاء إليه، ما لم يكن دليلٌ من كتاب أو سنة على أنه ندب، لما قد بيّنا من العلة في كتابنا المسمى «البيان عن أصول الأحكام ».
وأما الخير الذي أمر الله تعالى ذكره عباده بكتابة عبيدهم إذا علموه فيهم، فهو القُدْرة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتبوا عليه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عبد الكريم الجزري، عن نافع، عن ابن عمر : أنه كره أن يكاتِب مملوكه إذا لم تكن له حرفة، قال : تطعمني أوساخ الناس.
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : فَكاتِبوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا يقول : إن علمتم لهم حيلة، ولا تلقوا مُؤْنتهم على المسلمين.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرنا أشهب، قال : سئل مالك بن أنس، عن قوله : فكاتبوهم إن علمتم فيه خيرا فقال : إنه ليقال : الخير القوة على الأداء.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني ابن زيد، عن أبيه، قول الله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قال : الخير : القوة على ذلك.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن علمتم فيهم صدقا ووفاء وأداء. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قال : صدقا ووفاء وأداء وأمانة.
قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : حدثنا عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وطاوس، أنهما قالا في قوله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قالا : مالاً وأمانة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح : فكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قال : أداء وأمانة.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن المغيرة، قال : كان إبراهيم يقول في هذه الآية : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قال : صدقا ووفاء، أو أحدهما.
حدثنا أبو بكر، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، في قوله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : أداء ومالاً.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جُرَيج، قال : قال عمرو بن دينار : أحسبه كل ذلك المال والصلاح.
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا زيد، قال : حدثنا سفيان : إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِم خَيْرا يعني : صدقا ووفاء وأمانة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا، قال : إن علمت فيه خيرا لنفسك، يؤدّي إليك ويصدّقك ما حدثك، فكاتبه.
وقال آخرون بل معنى ذلك : إن علمتم لهم مالاً.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا يقول : إن علمتم لهم مالاً.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس : إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : مالاً.
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : مالاً.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : لهم مالاً، فكاتبوهم.
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : إن علمتم لهم مالاً، كائنة أخلاقهم وأديانهم ما كانت.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، عن زَاذان، عن عطاء بن أبي رَباح : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : مالاً.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، قال : إن علمتم عندهم مالاً.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني محمد بن عمرو اليافعيّ، عن ابن جُرَيج، أن عطاء بن أبي رَباح، كان يقول : ما نراه إلاّ المال، يعني قوله : إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : ثم تلا : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرا.
وأولى هذه الأقوال في معنى ذلك عندي قول من قال : معناه : فكاتبوهم إن علمتم فيهم قوّة على الاحتراف والاكتساب ووفاء بما أوجب على نفسه وألزمها وصدق لهجة. وذلك أن هذه المعاني هي الأسباب التي بمولى العبد الحاجةُ إليها إذا كاتب عبده مما يكون في العبد فأما المال وإن كان من الخير، فإنه لا يكون في العبد وإنما يكون عنده أو له لا فيه، والله إنما أوجب علينا مكاتبة العبد إذا علمنا فيه خيرا لا إذا علمنا عنده أو له، فلذلك لم نقل : إن الخير في هذا الموضع معنيّ به المال.
وقوله : وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ يقول تعالى ذكره : وأعطُوهم من مال الله الذي أعطاكم.
ثم اختلف أهل التأويل في المأمور بإعطائه من مال الله الذي أعطاه مَنْ هو ؟ وفي المال أيّ الأموال هو ؟ فقال بعضهم : الذي أمر الله بإعطاء المكاتب من مال الله هو مولَى العبد المكاتَب، ومال الله الذي أُمر بإعطائه منه هو مال الكِتابة، والقدر الذي أمر أن يعطيه منه الربع.
وقال آخرون : بل ما شاء من ذلك المولى. ذكر من قال ذلك :
حدثني عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عمران بن عيينة، قال : حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السّلَمِيّ، عن عليّ في قول الله : وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ قال : ربع المكاتبة.
حدثنا الحسن بن عرفة، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ، عن عليّ، في قوله الله : وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ قال : ربع الكتابة يحطّها عنه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُليَة، عن ليث، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن عليّ رضي الله عنه، في قول الله : وآتوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ قال : الربع من أوّل نجومه.
قال : أخبرنا ابن عُلَية، قال : عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ، عن عليّ، في قوله : وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ قال : الربع من مكاتبته.
حدثنا محمد بن إسماعيل الأَحمسيّ، قال : حدثنا محمد بن عبيد، قال : ثني عبد الملك بن أبي سليمان، عن عبد الملك بن أعين، قال : كاتب أبو عبد الرحمن غلاما في أربعة آلاف درهم، ثم وضع له الربع، ثم قال : لولا أني رأيت عليّا رضوان الله عليه كاتب غلاما له ثم وضع له الربع، ما وضعت لك شيئا.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن السّلَمي : أنه كاتب غلاما له على ألف ومِئتين، فترك الربع وأشهدني، فقال لي : كان صديقك يفعل هذا، يعني عليّا رضوان الله عليه، يتأوّل : وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ.
حدثنا ابن بشار، قال : حدث

تفسير هذه الآية من كتب أخرى