روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٧:﴿فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والاصال﴾.
﴿رِجَالٌ﴾ الخ استئناف لبيان حال من حصلت لهم الهداية لذلك النور وذكر بعض أعمالهم القلبية والقالبية، فالجار والمجرور أعني متعلق قوله تعالى :﴿فِى بُيُوتٍ﴾ بيسبح وفيها تكرير لذلك جىء به للتأكيد والتذكير بما بعد في الجملة وللإيذان بأن التقديم للاهتمام دون الحصر، ومثل ما ذكر في التكرير للتأكيد قوله تعالى :﴿فَفِى رَحْمَةِ الله هُمْ فِيهَا خالدون﴾ [آل عمران: ١٠٧] وقولك مررت بزيد به، وبعض النحاة أعرب نحو ذلك بدلاً كما في «شرح التسهيل »، وفي «المغني » هو من توكيد الحرف بإعادة ما دخل عليه مضمراً وليس الجار والمجرور توكيداً للجار والمجرور لأن الظاهر لكونه أقوى لا يؤكد بالضمير، وليس المجرور بدلاً بإعادة الجار لأنه لا يبدل مضمر من مظهر وإنما جوزه بعض النحاة قياساً، وأنت تعلم أن ما ذكر غير وارد لأن المجموع بدل أو توكيد، وأتى بالظاهر هرباً من التكرار، و ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل ﴿يُسَبّحُ﴾ وتأخيره عن الظروف لأن في وصفه نوع طول فيخل تقديمه بحسن الانتظام وقال الرماني ﴿فِى بُيُوتٍ﴾ متعلق ب ﴿يوقد﴾ [النور: ٣٥]، وقال الحوفي : متعلق بمحذوف وقع صفة ل ﴿مشكاة﴾ [النور: ٣٥]، وقيل هو صفة لمصباح، وقيل صفة لزجاجة، وهو على هذه الأقوال الأربعة تقييد للممثل به للمبالغة فيه، والتنوين في الموصوف للنوعية لا للفردية لينافي ذلك جمع البيوت. وأورد على ما ذكر أن شيئاً منه لا يليق بشأن التنزيل الجليل كيف لا وأن ما بعد قوله تعالى :﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] على ما هو الحق أو بعد قوله سبحانه :﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ على مات قيل إلى قوله تعالى :﴿بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] كلام متعلق بالممثل قطعاً فتوسيطه بين أجزاء التمثيل مع كونه من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه بالأجنبي يؤدي إلى كون ذكر حال المنتفعين بالتمثيل المهديين لنوره تعالى بطريق الاستتباع والاستطراد مع كون بيان حال أضدادهم مقصوداً بالذات ومثل هذا مما لا عهد به في كلام الناس فضلاً أن يحمل عليه الكلام المعجز. وتعقبه الخفاجي بأنه زخرف من القول إذ لا فصل فيه وما قبله إلى هنا من المثل، والظاهر عندي أن التمثيل قد تم عند قوله تعالى :﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] وقيل هو متعلق بسبحوا أو نحوه محذوفاً » وتلك الجملة على ما قيل مترتبة على ما قبلها وترك الفاء للعلم به كما في نحو قم يدعوك، ومنعوا تعلقه بيذكر لأنه من صلة أن فلا يعمل فيما قبله، والمراد بالبيوت المساجد كلها كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقتادة. ومجاهد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال : إنما هي أربع مساجد لم يبنهن إلا نبي، الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام ومسجد المدينة ومسجد قباء بناهما رسول الله ﷺ.
وعن الحسن أن المراد بها بيت المقدس والجمع من حيث أن فيه مواضع يتميز بعضها عن بعض وهو خلاف الظاهر جداً.
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك. وبريدة قال :«قر رسول الله ﷺ : هذه الآية ﴿فِى بُيُوتٍ﴾ الخ فقام إليه عليه الصلاة والسلام رجل فقال أي بيوت هذه يا رسول الله ؟ فقال ﷺ بيوت الأنبياء عليهم السلام فقام إليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال : يا رسول الله هذا البيت منها لبيت علي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما قال : نعم من أفاضلها » وهذا إن صح لا ينبغي العدول عنه.
وقال أبو حيان : الظاهر أنها مطلقة تصدق على المساجد والبيوت التي تقع فيها الصلاة والعلم، وجوز أن يراد بها صلاة المؤمنين أو أبدانهم بأن تشبه صلاتهم الجامعة للعبادات القولية والفعلية أو أبدانهم المحيطة بالأنوار بالبيوت المذكورة أعني المساجد ثم يستعار اسمها لذلك. وتعقب بأنه لا حسن فيما ذكر وأظنك لا تكتفي بهذا المقدار من الجرح، والمراد بالإذن الأمر وبالرفع التعظيم أي أمر سبحانه بتعظيم قدرها، وروي هذا عن الحسن والضحاك، ولا يخفى أنه إذا أريد بها المساجد فتعظيم قدرها يكون بأشياء شتى كصيانتها عن دخول الجنب والحائض والنفساء ولو على وجه العبور وقد قالوا بتحريم ذلك وإدخال نجاسة فيها يخاف منها التلويث ولذا قالوا : ينبغي لمن أراد أن يدخل المسجد أن يتعاهد النعل والخف عن النجاسة ثم يدخل فيه احترازاً عن تلويث المسجد، ومنع إدخال الميت فيها ومنع إدخال الصبيان والمجانين وهو حرام حيث غلب تنجيسهم وإلا فهو مكروه، وقد جاء الأمر بتجنيبهم عن المساجد مطلقاً.
أخرج ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله ﷺ أنه قال :«جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع » ومنع إنشاد الضالة وإنشاد الأشعار، فقد أخرج الطبراني. وابن السني. وابن منده عن ثوبان قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«من رأيتموه ينشد شعراً في المسجد فقولوا فض الله تعالى فاك ثلاث مرات ومن رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا : لا وجدتها ثلاث مرات » الحديث. وينبغي أن يقيد المنع من إنشاد الشعر بما إذا كان فيه شيء مذموم كهجو المسلم. وصفة الخمر. وذكر النساء. والمردان. وغير ذلك مما هو مذموم شرعاً، وأما إذا كان مشتملاً على مدح النبوة والإسلام أو كان مشتملاً على حكمة أو باعثاً على مكارم الأخلاق والزهد ونحو ذلك من أنواع الخير فلا بأس بإنشاده فيها، ومنع القاء القملة فيه بعد قتلها وهو مكروه تنزيهاً على ما صرح به بعض المتأخرين، ويندب أن لا تلقى حية في المسجد، فقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن رجل من الأنصار قال : قال رسول الله ﷺ :" إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليصرها في ثوبه حتى يخرجها " ومنع البول فيها ولو في إناء وقد صرحوا بحرمة ذلك، وفي الأشباه وأما الفصد في المسجد في إناء فلم أره، وينبغي أن لا فرق أي لأن كلاً من البول والدم نجس مغلظ، ومنع القاء البصاق فيها.
وفي «البدائع » يكره التوضىء في المسجد لأنه مستقذر طبعاً فيجب تنزيه المسجد عنه كما يجب تنزيهه عن المخاط والبلغم، وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي " أن النبي ﷺ رأى في قبلة المسجد نخامة فقام إليها فحكها بيده الشريفة ﷺ ثم دعا بخلوق فلطخ مكانها " فقال الشعبي : هو سنة، وذكروا أن إلقاء النخامة فوق الحصير أخف من وضعها تحته فإن اضطر إليه دفنها، وفي حديث أخرجه ابن أبي شيبة عن أنس مرفوعاً " التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يواريه " وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس مرفوعاً أيضاً نحوه، ومنع الوطء فيها وفوقها كالتخلي وصرحوا بحرمة ذلك، ومنع دخول من أكل ذا رائحة كريهة فيها كالثوم والبصل والكراث وآكل الفجل إذا تجشأ كذلك، وقد كان الرجل في زمان النبي ﷺ إذا وجد منه ريح الثوم يؤخذ بيده ويخرج إلى البقيع، والظاهر أن الأبخر أو من به صنان مستحكم حكمه حكم آكل الثوم والبثل، وكذا حكم من رائحة ثيابه كريهة كثياب الزياتين والدباغين، وعن مالك أن الزياتين يتأخرون ولا يتقدمون إلى الصف الأول ويقعدون في أخريات الناس، ومنع النوم والأكل فيها لغير معتكف، ومنع الجلوس فيها للمصيبة أو للتحدث بكلام الدنيا، ومنع اتخاذها طريقاً وهو مكروه أو حرام. وقد جاء النهي عن ذلك في حديث رواه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أن اتخاذها طريقاً من أشراط الساعة ؛ وفي القنية معتاد ذلك يأثم ويفسق، نعم إن كان هناك عذر لم يكره المرور، ومن تعظيمها رشها وقمها، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن زيد ابن أسلم قال : كان المسجد يرش ويقم على عهد رسول الله ﷺ. وأخرج عن يعقوب بن زيد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتبع غبار المسجد بجريدة ؛ وكذا تعليق القناديل فيها وفرشها بالآجر والحصير، وفي «مفتاح السعادة » ولأهل المسجد أن يفرشوا المسجد بالآجر والحصير ويعلقوا القناديل لكن من مال أنفسهم لا من مال المسجد إلا بأمر الحاكم، ولعل محل ذلك ما لم يعين الواقف شيئاً من ريع الوقف لذلك، وينبغي أن يكون إيقاد القناديل الكثيرة فيها في ليالي معروفة من السنة كليلة السابع والعشرين من رمضان الموجب لاجتماع الصبيان وأهل البطالة ولعبهم ورفع أصواتهم وامتهانهم بالمساجد بدعة منكرة، وكذا ينبغي أن يكون فرشها بالقطائف المنقوشة التي تشوش على المصلين وتذهب خشوعهم كذلك، ومن التعظيم أيضاً تقديم الرجل اليمنى عند دخولها واليسرى عند الخروج منها، وصلاة الداخل ركعتين قبل الجلوس إذا كان دخوله لغير الصلاة على ما ذكره بعضهم، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال :
«اعطوا المساجد حقها قيل : وما حقها ؟ قال : ركعتان قبل أن تجلس » ومن ذلك أيضاً بناؤها رفيعة عالية لا كسائر البيوت لكن لا ينبغي تزيينها بما يشوش على المصلين، وفي حديث أخرجه ابن ماجه. والطبراني عن جبير بن مطعم مرفوعاً أنها لا تبنى بالتصاوير ولا تزين بالقوارير. وفسر بعضهم الرفع ببنائها رفيعة كما في قوله تعالى :﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل﴾ [البقرة: ١٢٧] والأولى عندي تفسيره بما سبق وجعل بنائها كذلك داخلاً في العموم ويدخل فيه أمور كثيرة غير ما ذكرنا وقد ذكرها الفقهاء وأطالوا الكلام فيها.
وزعم بعض المفسرين أن إسناد الرفع إليها مجاز، والمراد ترفع الحوائج فيها إلى الله تعالى، وقيل : ترفع الأصوات بذكر الله عز وجل فيها، ولا يخفى ما فيه، وفي التعبير عن الأمر بالإذن تلويح بأن اللائق بحال المأمور أن يكون متوجهاً إلى المأمور به قبل الأمر به ناوياً لتحقيقه كأنه مستأذن في ذلك فيقع الأمر به موقع الأمر فيه، والمراد بذكر اسمه تعالى شأنه ما يعم جميع أذكاره تعالى، وجعل من ذلك المباحث العلمية المتعلقة به عز وجل، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المراد به توحيده عز وجل وهو قول : لا إله إلا الله، وعنه أيضاً المراد تلاوة كتابه سبحانه. وقيل : ذكر أسمائه تعالى الحسنى. والظاهر ما قدمنا، وعطف الذكر على الرفع من قبيل عطف الخاص على العام فإن ذكر اسمه تعالى فيها من أنواع تعظيمها، وليس من عطف التفسير في شيء خلافاً لمن توهمه، والتسبيح التنزيه والتقديس ويستعمل باللام وبدونها كما في قوله تعالى :﴿سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى﴾ [الأعلى: ١] والمراد به إما ظاهره أو الصلاة لاشتمالها عليه وروي هذا عن ابن عباس. والحسن. والضحاك.
وعن ابن عباس كل تسبيح في القرآن صلاة، وأيد إرادة الصلاة هنا تعيين الأوقات بقوله سبحانه :﴿بالغدو والاصال﴾ [النور: ٦٣] والغدو جمع غداة كفتى وفتاة أو مصدر أطلق على الوقت الغدو، وأيد بأن أبا مجلز قرأ ﴿والإيصال﴾ مصدراً أي الدخول في وقت الأصيل، و ﴿الآصال﴾ كما قال الجوهري جمع أصيل كشريف وأشراف، واختاره جماعة مع أن جمع فعيل على أفع
﴿رِجَالٌ﴾ الخ استئناف لبيان حال من حصلت لهم الهداية لذلك النور وذكر بعض أعمالهم القلبية والقالبية، فالجار والمجرور أعني متعلق قوله تعالى :﴿فِى بُيُوتٍ﴾ بيسبح وفيها تكرير لذلك جىء به للتأكيد والتذكير بما بعد في الجملة وللإيذان بأن التقديم للاهتمام دون الحصر، ومثل ما ذكر في التكرير للتأكيد قوله تعالى :﴿فَفِى رَحْمَةِ الله هُمْ فِيهَا خالدون﴾ [آل عمران: ١٠٧] وقولك مررت بزيد به، وبعض النحاة أعرب نحو ذلك بدلاً كما في «شرح التسهيل »، وفي «المغني » هو من توكيد الحرف بإعادة ما دخل عليه مضمراً وليس الجار والمجرور توكيداً للجار والمجرور لأن الظاهر لكونه أقوى لا يؤكد بالضمير، وليس المجرور بدلاً بإعادة الجار لأنه لا يبدل مضمر من مظهر وإنما جوزه بعض النحاة قياساً، وأنت تعلم أن ما ذكر غير وارد لأن المجموع بدل أو توكيد، وأتى بالظاهر هرباً من التكرار، و ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل ﴿يُسَبّحُ﴾ وتأخيره عن الظروف لأن في وصفه نوع طول فيخل تقديمه بحسن الانتظام وقال الرماني ﴿فِى بُيُوتٍ﴾ متعلق ب ﴿يوقد﴾ [النور: ٣٥]، وقال الحوفي : متعلق بمحذوف وقع صفة ل ﴿مشكاة﴾ [النور: ٣٥]، وقيل هو صفة لمصباح، وقيل صفة لزجاجة، وهو على هذه الأقوال الأربعة تقييد للممثل به للمبالغة فيه، والتنوين في الموصوف للنوعية لا للفردية لينافي ذلك جمع البيوت. وأورد على ما ذكر أن شيئاً منه لا يليق بشأن التنزيل الجليل كيف لا وأن ما بعد قوله تعالى :﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] على ما هو الحق أو بعد قوله سبحانه :﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ على مات قيل إلى قوله تعالى :﴿بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] كلام متعلق بالممثل قطعاً فتوسيطه بين أجزاء التمثيل مع كونه من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه بالأجنبي يؤدي إلى كون ذكر حال المنتفعين بالتمثيل المهديين لنوره تعالى بطريق الاستتباع والاستطراد مع كون بيان حال أضدادهم مقصوداً بالذات ومثل هذا مما لا عهد به في كلام الناس فضلاً أن يحمل عليه الكلام المعجز. وتعقبه الخفاجي بأنه زخرف من القول إذ لا فصل فيه وما قبله إلى هنا من المثل، والظاهر عندي أن التمثيل قد تم عند قوله تعالى :﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] وقيل هو متعلق بسبحوا أو نحوه محذوفاً » وتلك الجملة على ما قيل مترتبة على ما قبلها وترك الفاء للعلم به كما في نحو قم يدعوك، ومنعوا تعلقه بيذكر لأنه من صلة أن فلا يعمل فيما قبله، والمراد بالبيوت المساجد كلها كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقتادة. ومجاهد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال : إنما هي أربع مساجد لم يبنهن إلا نبي، الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام ومسجد المدينة ومسجد قباء بناهما رسول الله ﷺ.
وعن الحسن أن المراد بها بيت المقدس والجمع من حيث أن فيه مواضع يتميز بعضها عن بعض وهو خلاف الظاهر جداً.
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك. وبريدة قال :«قر رسول الله ﷺ : هذه الآية ﴿فِى بُيُوتٍ﴾ الخ فقام إليه عليه الصلاة والسلام رجل فقال أي بيوت هذه يا رسول الله ؟ فقال ﷺ بيوت الأنبياء عليهم السلام فقام إليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال : يا رسول الله هذا البيت منها لبيت علي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما قال : نعم من أفاضلها » وهذا إن صح لا ينبغي العدول عنه.
وقال أبو حيان : الظاهر أنها مطلقة تصدق على المساجد والبيوت التي تقع فيها الصلاة والعلم، وجوز أن يراد بها صلاة المؤمنين أو أبدانهم بأن تشبه صلاتهم الجامعة للعبادات القولية والفعلية أو أبدانهم المحيطة بالأنوار بالبيوت المذكورة أعني المساجد ثم يستعار اسمها لذلك. وتعقب بأنه لا حسن فيما ذكر وأظنك لا تكتفي بهذا المقدار من الجرح، والمراد بالإذن الأمر وبالرفع التعظيم أي أمر سبحانه بتعظيم قدرها، وروي هذا عن الحسن والضحاك، ولا يخفى أنه إذا أريد بها المساجد فتعظيم قدرها يكون بأشياء شتى كصيانتها عن دخول الجنب والحائض والنفساء ولو على وجه العبور وقد قالوا بتحريم ذلك وإدخال نجاسة فيها يخاف منها التلويث ولذا قالوا : ينبغي لمن أراد أن يدخل المسجد أن يتعاهد النعل والخف عن النجاسة ثم يدخل فيه احترازاً عن تلويث المسجد، ومنع إدخال الميت فيها ومنع إدخال الصبيان والمجانين وهو حرام حيث غلب تنجيسهم وإلا فهو مكروه، وقد جاء الأمر بتجنيبهم عن المساجد مطلقاً.
أخرج ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله ﷺ أنه قال :«جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع » ومنع إنشاد الضالة وإنشاد الأشعار، فقد أخرج الطبراني. وابن السني. وابن منده عن ثوبان قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«من رأيتموه ينشد شعراً في المسجد فقولوا فض الله تعالى فاك ثلاث مرات ومن رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا : لا وجدتها ثلاث مرات » الحديث. وينبغي أن يقيد المنع من إنشاد الشعر بما إذا كان فيه شيء مذموم كهجو المسلم. وصفة الخمر. وذكر النساء. والمردان. وغير ذلك مما هو مذموم شرعاً، وأما إذا كان مشتملاً على مدح النبوة والإسلام أو كان مشتملاً على حكمة أو باعثاً على مكارم الأخلاق والزهد ونحو ذلك من أنواع الخير فلا بأس بإنشاده فيها، ومنع القاء القملة فيه بعد قتلها وهو مكروه تنزيهاً على ما صرح به بعض المتأخرين، ويندب أن لا تلقى حية في المسجد، فقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن رجل من الأنصار قال : قال رسول الله ﷺ :" إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليصرها في ثوبه حتى يخرجها " ومنع البول فيها ولو في إناء وقد صرحوا بحرمة ذلك، وفي الأشباه وأما الفصد في المسجد في إناء فلم أره، وينبغي أن لا فرق أي لأن كلاً من البول والدم نجس مغلظ، ومنع القاء البصاق فيها.
وفي «البدائع » يكره التوضىء في المسجد لأنه مستقذر طبعاً فيجب تنزيه المسجد عنه كما يجب تنزيهه عن المخاط والبلغم، وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي " أن النبي ﷺ رأى في قبلة المسجد نخامة فقام إليها فحكها بيده الشريفة ﷺ ثم دعا بخلوق فلطخ مكانها " فقال الشعبي : هو سنة، وذكروا أن إلقاء النخامة فوق الحصير أخف من وضعها تحته فإن اضطر إليه دفنها، وفي حديث أخرجه ابن أبي شيبة عن أنس مرفوعاً " التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يواريه " وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس مرفوعاً أيضاً نحوه، ومنع الوطء فيها وفوقها كالتخلي وصرحوا بحرمة ذلك، ومنع دخول من أكل ذا رائحة كريهة فيها كالثوم والبصل والكراث وآكل الفجل إذا تجشأ كذلك، وقد كان الرجل في زمان النبي ﷺ إذا وجد منه ريح الثوم يؤخذ بيده ويخرج إلى البقيع، والظاهر أن الأبخر أو من به صنان مستحكم حكمه حكم آكل الثوم والبثل، وكذا حكم من رائحة ثيابه كريهة كثياب الزياتين والدباغين، وعن مالك أن الزياتين يتأخرون ولا يتقدمون إلى الصف الأول ويقعدون في أخريات الناس، ومنع النوم والأكل فيها لغير معتكف، ومنع الجلوس فيها للمصيبة أو للتحدث بكلام الدنيا، ومنع اتخاذها طريقاً وهو مكروه أو حرام. وقد جاء النهي عن ذلك في حديث رواه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أن اتخاذها طريقاً من أشراط الساعة ؛ وفي القنية معتاد ذلك يأثم ويفسق، نعم إن كان هناك عذر لم يكره المرور، ومن تعظيمها رشها وقمها، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن زيد ابن أسلم قال : كان المسجد يرش ويقم على عهد رسول الله ﷺ. وأخرج عن يعقوب بن زيد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتبع غبار المسجد بجريدة ؛ وكذا تعليق القناديل فيها وفرشها بالآجر والحصير، وفي «مفتاح السعادة » ولأهل المسجد أن يفرشوا المسجد بالآجر والحصير ويعلقوا القناديل لكن من مال أنفسهم لا من مال المسجد إلا بأمر الحاكم، ولعل محل ذلك ما لم يعين الواقف شيئاً من ريع الوقف لذلك، وينبغي أن يكون إيقاد القناديل الكثيرة فيها في ليالي معروفة من السنة كليلة السابع والعشرين من رمضان الموجب لاجتماع الصبيان وأهل البطالة ولعبهم ورفع أصواتهم وامتهانهم بالمساجد بدعة منكرة، وكذا ينبغي أن يكون فرشها بالقطائف المنقوشة التي تشوش على المصلين وتذهب خشوعهم كذلك، ومن التعظيم أيضاً تقديم الرجل اليمنى عند دخولها واليسرى عند الخروج منها، وصلاة الداخل ركعتين قبل الجلوس إذا كان دخوله لغير الصلاة على ما ذكره بعضهم، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال :
«اعطوا المساجد حقها قيل : وما حقها ؟ قال : ركعتان قبل أن تجلس » ومن ذلك أيضاً بناؤها رفيعة عالية لا كسائر البيوت لكن لا ينبغي تزيينها بما يشوش على المصلين، وفي حديث أخرجه ابن ماجه. والطبراني عن جبير بن مطعم مرفوعاً أنها لا تبنى بالتصاوير ولا تزين بالقوارير. وفسر بعضهم الرفع ببنائها رفيعة كما في قوله تعالى :﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل﴾ [البقرة: ١٢٧] والأولى عندي تفسيره بما سبق وجعل بنائها كذلك داخلاً في العموم ويدخل فيه أمور كثيرة غير ما ذكرنا وقد ذكرها الفقهاء وأطالوا الكلام فيها.
وزعم بعض المفسرين أن إسناد الرفع إليها مجاز، والمراد ترفع الحوائج فيها إلى الله تعالى، وقيل : ترفع الأصوات بذكر الله عز وجل فيها، ولا يخفى ما فيه، وفي التعبير عن الأمر بالإذن تلويح بأن اللائق بحال المأمور أن يكون متوجهاً إلى المأمور به قبل الأمر به ناوياً لتحقيقه كأنه مستأذن في ذلك فيقع الأمر به موقع الأمر فيه، والمراد بذكر اسمه تعالى شأنه ما يعم جميع أذكاره تعالى، وجعل من ذلك المباحث العلمية المتعلقة به عز وجل، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المراد به توحيده عز وجل وهو قول : لا إله إلا الله، وعنه أيضاً المراد تلاوة كتابه سبحانه. وقيل : ذكر أسمائه تعالى الحسنى. والظاهر ما قدمنا، وعطف الذكر على الرفع من قبيل عطف الخاص على العام فإن ذكر اسمه تعالى فيها من أنواع تعظيمها، وليس من عطف التفسير في شيء خلافاً لمن توهمه، والتسبيح التنزيه والتقديس ويستعمل باللام وبدونها كما في قوله تعالى :﴿سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى﴾ [الأعلى: ١] والمراد به إما ظاهره أو الصلاة لاشتمالها عليه وروي هذا عن ابن عباس. والحسن. والضحاك.
وعن ابن عباس كل تسبيح في القرآن صلاة، وأيد إرادة الصلاة هنا تعيين الأوقات بقوله سبحانه :﴿بالغدو والاصال﴾ [النور: ٦٣] والغدو جمع غداة كفتى وفتاة أو مصدر أطلق على الوقت الغدو، وأيد بأن أبا مجلز قرأ ﴿والإيصال﴾ مصدراً أي الدخول في وقت الأصيل، و ﴿الآصال﴾ كما قال الجوهري جمع أصيل كشريف وأشراف، واختاره جماعة مع أن جمع فعيل على أفع