غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراآت :﴿نور السماوات﴾ على الفعل : يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ﴿كمشكاة﴾ ممالة : أبو عمرو عن الكسائي ﴿دريء﴾ بكسرتين وبالهمز : أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال : حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز. الباقون بضم الدال وتشديد الياء ﴿توقد﴾ بضم التاء وفتح القاف : حمزة وعلي وخلف وأبو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح : ابن عامر ونافع وحفص وأبو زيد عن المفضل. الباقون وجبلة ﴿توقد﴾ بالفتحات وتشديد القاف ﴿يسبح﴾ بفتح الباء : ابن عامر وأبو بكر وحماد :﴿سحاب﴾ ﴿ظلمات﴾ على الإضافة : البزي ﴿سحاب﴾ بالتنوين ﴿ظلمات﴾ بالكسر على أنه نصب على الحال : القواس وابن فليح. الباقون بالرفع والتنوين فيهما. ﴿ينزل﴾ من الإنزال : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿يذهب﴾ من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ﴿خالق كل شيء﴾ على الإضافة : حمزة وعلي وخلف. الآخرون ﴿خلق﴾ على لفظ الماضي ﴿كل﴾ منصوباً.
الوقوف :﴿والأرض﴾ ط ﴿مصباح﴾ ط ﴿زجاجة﴾ ط ﴿غربية﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿نار﴾ ط ﴿نور﴾ ط ﴿يشاء﴾ ط ﴿للناس﴾ ط ﴿عليم﴾ ٥ لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿كمكشاة﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿يسبح﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿يسبح﴾ ﴿والآصال﴾ ط لمن قرأ ﴿يسبح﴾ بفتح الباء كأنه قيل : من يسبح ؟ فقيل :﴿رجال﴾ أي يسبحه رجال. ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿رجال﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿الزكاة﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿والأبصار﴾ ٥ لا لتعلق اللام. أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال : فلما سقطت النون انكسرت اللام. ﴿من فضله﴾ ط ﴿حساب﴾ ٥ ﴿ماء﴾ ط ﴿حسابه﴾ ط ﴿الحساب﴾ ٥ لا للعطف ﴿سحاب﴾ ط لمن قرأ ﴿ظلمات﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿فوق بعض﴾ ط ﴿يراها﴾ ط ﴿من نور﴾ ٥ ﴿صافات﴾ ط ﴿وتسبيحه﴾ ط ﴿يفعلون﴾ ٥ ﴿والأرض﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿المصير﴾ ٥ ﴿من خلاله﴾ ج لما قلنا ﴿عمن يشاء﴾ ط ﴿بالأبصار﴾ ٥ ط ﴿والأنهار﴾ ط ﴿الأبصار﴾ ج ﴿من ماء﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿بطنه﴾ ج ﴿رجلين﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿أربع﴾ ط ﴿ما يشاء﴾ ط ﴿قدير﴾ ٥ ﴿مبينات﴾ ط ﴿مستقيم﴾ ٥ ﴿ذلك﴾ ط ﴿بالمؤمنين﴾ ٥ ﴿معرضون﴾ ٥ ﴿مذعنين﴾ ٥ ط ﴿ورسوله﴾ ط ﴿الظالمون﴾ ٥.
قوله ﴿في بيوت﴾ اعترض أبو مسلم على قول من قال إنه يتعلق ب ﴿كمشكاة﴾ و ﴿بتوقد﴾ لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله لا تزيد المصباح إنارة وإضاءة. وأيضاً الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله ﴿في بيوت﴾ أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، وكذا لو جعل ﴿في بيوت﴾ صفة ﴿مصباح﴾ و ﴿زجاجة﴾ أو ﴿كوكب﴾ وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالباً في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في باب التمثيل أدخل. وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو قيل :" الذي يصلح لخدمتي رجل " يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه يراد به النوع لا الواحد. وذهب أبو مسلم إلا أنه راجع إلى قوله ﴿ومثلاً من الذين خلوا﴾ أي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت العبادة. واعترض عليه بتفكيك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون. والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو البناء. وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام في كل ذكر. وعن ابن عباس أن يتلى فيها كتابه. وقيل : لا يتكلم فيها بما لا ينبغي. والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به. وقيل : الصلوات الخمس وقيل : صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول الإسلام فزيد فيهما. وعن ابن عباس : إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه الآية. والأولى العموم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : للآية تأويلان : أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس. أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء ﴿يكاد زيتها﴾ وهو عالم الأرواح ﴿يضيء﴾ أي يظهر من العدم إلى عالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة ﴿ولو لم تمسسه نار﴾ ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود ﴿نور على نور﴾ فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله
الرحمن على العرش استوى } [طه: ٥] وفي قوله ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله تعالى إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى. وأما التأويل الثاني : فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾
[الزمر: ٦٩] وهو مقام " كنت له سمعاً وبصراً " الحديث :﴿في بيوت﴾ هي القلوب ﴿أذن الله﴾ أمر وأراد ﴿أن ترفع﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال " وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " يروى أنه أوحى إلى داود عليه السلام " فرغ لي بيتاً اسكن فيه " فقال : رب أنت منزه عن البيوت. فقال : فرغ لي قلبك. ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ويذكر فيها اسمه﴾ ﴿لا تلهيهم تجارة﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم﴾
[الصف: ١٠] ﴿ولا بيع﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿إن الله اشترى﴾ [التوبة: ١١١] إلى قوله ﴿فاستبشروا ببيعكم﴾ [التوبة: ١١١] وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿يخافون يوماً﴾ هو يوم الفراق ﴿تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿أو كظلمات في بحر لجي﴾ هو حب الدنيا ﴿يغشاه موج﴾ الرياء ﴿من فوقه موج﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿من فوقه سحاب﴾ الشرك الخفي ﴿إذا أخرج﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿لم يكد يراها﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ومن لم يجعل الله له نوراً﴾ أي لم يصبه رشاش النور الإلهي في الأزل ﴿يزجى﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى. والودق هو مطر التوبة ﴿يخرج من خلاله﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه. ينزل من سماء القلب ﴿من جبال﴾ من قساوة ﴿فيها من برد﴾ هو برد القهر ﴿يقلب الله﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿والله خلق﴾ كل ذي روح ﴿من ماء﴾ هو روح محمد ﷺ كما قال
" أول ما خلق الله روحي " ﴿فمنهم من يمشي﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ومنهم من يمشي على رجلين﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ومنهم من يمشي على أربع﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿أفي قلوبهم مرض﴾ انحراف في الفطرة ﴿أم ارتابوا﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿أم يخافون﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿وإليه المآب﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى