تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار، كما ضرب للمنافقين في أول " البقرة " (١) مثلين ناريًا ومائيًا، وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة " الرعد " (٢) مثلين مائيًا وناريًا، وقد تكلمنا على كل منها(٣) في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنة.
فأما الأول من هذين المثلين : فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن(٤) بعد كأنه بحر طام.
والقيعة : جمع قاع، كجار وجيرَةٍ. والقاع أيضًا : واحد القيعان، كما يقال : جار وجيران. وهي : الأرض المستوية المتسعة المنبسطة، وفيه يكون السراب، وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار. وأما الآل(٥) فإنما يكون أول النهار، يرى كأنه ماء بين السماء والأرض، فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء، حسبه ماءً فقصده ليشرب منه، فلما انتهى إليه ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملا وأنه قد حَصَّل شيئًا، فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها، ونوقش على أفعاله، لم يجد له شيئًا بالكلية قد قُبل، إما لعدم الإخلاص، وإما لعدم سلوك الشرع، كما قال تعالى :﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقال هاهنا :﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وهكذا رُوي عن أُبي بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة وغير واحد.
وفي الصحيحين(٦) : أنه يقال يوم القيامة لليهود : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كنا نعبد عُزَيْر ابن الله. فيقال : كذبتم، ما اتخذ الله من ولد، ماذا تبغون ؟ فيقولون : أي رَبَّنَا، عَطشنا فاسقنا. فيقال : ألا ترون ؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فينطلقون فيتهافتون فيها(٧).
وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب. فأما أصحاب الجهل البسيط، وهم الطَّماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر، الصم البكم الذين لا يعقلون، فمثلهم كما قال تعالى :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾
٤ - في ف :"من"..
٥ في أ :"الأول".-.
٦ - في أ :"الصحيح"..
٧ - صحيح البخاري برقم (٤٥٨١) وصحيح مسلم برقم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه..

هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار، كما ضرب للمنافقين في أول " البقرة " (١) مثلين ناريًا ومائيًا، وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة " الرعد " (٢) مثلين مائيًا وناريًا، وقد تكلمنا على كل منها(٣) في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى