تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار، كما ضرب للمنافقين في أول " البقرة " (١) مثلين ناريًا ومائيًا، وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة " الرعد " (٢) مثلين مائيًا وناريًا، وقد تكلمنا على كل منها(٣) في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنة.
قال قتادة : وهو العميق. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي : لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يدري أين يذهب، ولا [ هو ](١) يعرف حال من يقوده، بل كما يقال في المثل للجاهل : أين تذهب ؟ قال : معهم. قيل : فإلى أين يذهبون ؟ قال : لا أدري.
وقال العوفي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما :﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ يعني بذلك : الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهي كقوله :﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]، وكقوله(٢) :﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
وقال أُبيّ بن كعب في قوله :﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من الظلم : كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات، إلى النار.
وقال الربيع بن أنس، والسُّدِّي نحو ذلك أيضًا.
وقوله :﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي : من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر، كما قال تعالى :﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وهذا [ في ](٣)
مُقابلة ما قال في مثل المؤمنين :﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورًا، وعن أيماننا نورًا، وعن شمائلنا نورًا، وأن يعظم لنا نورًا.
١ - زيادة من ف، أ..
٢ - في أ :"وقوله"..
٣ - زيادة من ف، أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى