اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآية.
لما بيَّن حال المؤمن أنه في الدنيا يكون في النور، وبسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح ثم بين أنه يكون في الآخرة فائزاً بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبع ذلك ببيان أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، وضرب لكل واحد منهما مثلاً، أما المثل الدال على حسرته في الآخرة فقوله :﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾(٤٥).
قال الأزهري :«السَّرَابُ : ما يتراءى للعين وقت الضحى في الفلوات شبيهاً بالماء الجاري وليس بماء، ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جارياً، يقال : سَرَبَ الماءُ يَسْرُبُ سُرُوباً : إذَا جرى، فهو سَارِبٌ }(٤٦). وقيل : السَّرَابُ : مَا يَتَرَاءَى للإنْسَانِ في القَفْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ مِمَّا يُشْبهُ المَاءَ(٤٧). وقيل : مَا يَتَكَاثَفُ مِنْ قُعُورِ القيعَانِ(٤٨). قال الشاعر :
يضرب به المَثَلُ لمن يَظُنُّ بشيءٍ خيراً فَيُخْلَفُ(٥١) ظَنُّهُ. وقيل : هو الشُّعَاعُ الذي يُرَى نِصْفَ النَّهَارِ في شدة الحَرِّ في البراري(٥٢)، يُخَيَّلُ للناظر أنه الماء السَّارِبُ، أي : الجاري، فإذا قرب منه لم ير شيئاً(٥٣). والآل(٥٤) : ما ارتفع من الأرض وهو شعاع يرى بين السماء والأرض بالغدوات شبه المَلاَة(٥٥) يرفع الشخوص، يرى فيها الصغير كبيراً، والقصير طويلاً(٥٦).
والرَّقْرَاقُ : يكون بالعشايا. وهو ما ترقرق من السراب، أي : جاء وذهب(٥٧).
قوله :«بِقِيعَةٍ » فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلِّق بمحذوف على أنه صفة ل «سَرَابٍ »(٥٨).
والثاني : أنه ظرف، والعامل فيه الاستقرار العامل في كاف التشبيه(٥٩).
والقيعة : بمعنى القاع، قاله الزمخشري، وهو المُنْبَسِطُ من الأرض(٦٠)، وتقدم في «طه »(٦١).
وقيل : بل هي جمعه ك «جَارٍ وَجيرَة » قاله الفراء(٦٢). وقرأ مسلمة بن محارب(٦٣) بتاء ( ممطوطة(٦٤) )(٦٥)، وروي عنه بتاء شَكل الهاء، ويقف عليها بالهاء(٦٦)، وفيها أوجه :
أحدها : أن يكون بمعنى «قيعة » كالعامة، وإنَّما أشبع الفتحة فتولَّد منها ألف كقوله : مُخرنبقٌ لينباع(٦٧). قاله صاحب اللوامح(٦٨).
والثاني : أنه جمع :«قيعة » وإنَّما وقف عليها بالهاء ذهاباً به مذهب لغة طيئ في قولهم :«الإخْوَه والأخَوَاه » و «دَفْنُ البَنَاه من المَكْرُماه »(٦٩) أي : والأخوات، والبنات، والمكرمات(٧٠). وهذه القراءة تؤيد أن «قيعة » جمع قاع.
قال الزمخشري : وقد جعل بعضهم(٧١) «بِقِيعَاة » بتاء مدوَّرة ك «رجل عِزْهَاةٍ » (٧٢).
فظاهر(٧٣) هذا أنه جعل هذا بناء مستقلاً ليس جمعاً ولا إشباعاً.
قوله :«يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ » جملة في محل الجر صفة ل «سَرَابٍ » أيضاً(٧٤)، وحَسُنَ ذلك لتقدم الجار على الجملة، هذا إن جعلنا الجارَّ صفةً والضمائر المرفوعة في «جَاءَهُ »، وفي «لَمْ يَجِدْهُ » وفي «وَجَدَ »، والضمائر في «عِنْدَهُ » وفي «وَفَّاهُ » وفي «حِسَابَهُ » كلها ترجع إلى «الظَّمْآن » لأن المراد به الكافر المذكور أولاً، وهذا قول الزمخشري(٧٥) وهو حسن.
وقيل : بل الضميران في «جَاءَهُ » و «وَجَدَ » عائدان على «الظَّمْآن »، والباقية عائدة على الكافر(٧٦). وإنما أفرد الضمير على هذا وإن تقدمه جمع، وهو قوله :«وَالَّذِينَ كَفَرُوا » حَمْلاً على المعنى ؛ إذ المعنى : كلُّ واحدٍ من الكفار(٧٧).
والأول أولى لاتِّساق الضمائر. وقرأ أبو جعفر، ورُويَتْ عن نافع :«الظَّمَانُ » بإلقاء حركة الهمزة على الميم(٧٨).
قال الزجاج :«( الظَّمْآن ) قد تخفف همزته، وهو الشديد العطش(٧٩)، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثواباً مع أنه يعتقد أن له ثواباً عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه العقاب مع أنه يعتقد أنه ثواباً، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثواباً عند الله تعالى، فإذا وافى عرصة(٨٠) القيامة ولم(٨١) يجد الثواب، بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الشراب ويتعلق قلبه به، ويرجو به(٨٢) النجاة، فإذا جاءه وأيس مما كان يرجوه عظم ذلك عليه »(٨٣). قال مجاهد :«السراب : عمل الكافر وإتيانه إياه موته(٨٤) ومفارقة الدنيا »(٨٥).
فإن قيل : قوله :﴿حتى إِذَا جَاءَهُ﴾ يدل على كونه شيئاً، وقوله :﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ مناقض له ؟
الجواب من وجوه :
الأول : معناه : لم يجد شيئاً نافعاً، كما يقال : فلان ما عمل شيئاً، وإن كان قد اجتهد.
الثاني :«إذا جَاءَهُ » أي : جاء موضع السراب لم يجد السراب، لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه(٨٦) ضباب وهباء، فإذا قرب منه رق وانتشر وصار كالهواء (٨٧).
قوله :﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ﴾ أي : وجد عقاب الله عنده الذي توعد به الكافر(٨٨).
وقيل : وجد الله عنده، أي : عند عمله، أي وجد الله بالمرصاد.
وقيل : قدم على الله «فَوَفَّاهُ حِسَابه » أي : جزاء عمله(٨٩). قيل : نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام(٩٠).
قوله :﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾ لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلا يشق(٩١) عليه الحساب(٩٢).
وقال بعض المتكلمين :«معناه : لا تشغله محاسبة أحد عن آخر كنحن(٩٣)، ولو كان يتكلم بآلة كما تقول مشبهة(٩٤) لما صح ذلك »(٩٥).
لما بيَّن حال المؤمن أنه في الدنيا يكون في النور، وبسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح ثم بين أنه يكون في الآخرة فائزاً بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبع ذلك ببيان أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، وضرب لكل واحد منهما مثلاً، أما المثل الدال على حسرته في الآخرة فقوله :﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾(٤٥).
قال الأزهري :«السَّرَابُ : ما يتراءى للعين وقت الضحى في الفلوات شبيهاً بالماء الجاري وليس بماء، ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جارياً، يقال : سَرَبَ الماءُ يَسْرُبُ سُرُوباً : إذَا جرى، فهو سَارِبٌ }(٤٦). وقيل : السَّرَابُ : مَا يَتَرَاءَى للإنْسَانِ في القَفْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ مِمَّا يُشْبهُ المَاءَ(٤٧). وقيل : مَا يَتَكَاثَفُ مِنْ قُعُورِ القيعَانِ(٤٨). قال الشاعر :
| فَلَمَّا كَفَفْت(٤٩) الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُهم | كَلَمْع سَرَابٍ في الفَلاَ مُتَألِّقِ(٥٠) |
والرَّقْرَاقُ : يكون بالعشايا. وهو ما ترقرق من السراب، أي : جاء وذهب(٥٧).
قوله :«بِقِيعَةٍ » فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلِّق بمحذوف على أنه صفة ل «سَرَابٍ »(٥٨).
والثاني : أنه ظرف، والعامل فيه الاستقرار العامل في كاف التشبيه(٥٩).
والقيعة : بمعنى القاع، قاله الزمخشري، وهو المُنْبَسِطُ من الأرض(٦٠)، وتقدم في «طه »(٦١).
وقيل : بل هي جمعه ك «جَارٍ وَجيرَة » قاله الفراء(٦٢). وقرأ مسلمة بن محارب(٦٣) بتاء ( ممطوطة(٦٤) )(٦٥)، وروي عنه بتاء شَكل الهاء، ويقف عليها بالهاء(٦٦)، وفيها أوجه :
أحدها : أن يكون بمعنى «قيعة » كالعامة، وإنَّما أشبع الفتحة فتولَّد منها ألف كقوله : مُخرنبقٌ لينباع(٦٧). قاله صاحب اللوامح(٦٨).
والثاني : أنه جمع :«قيعة » وإنَّما وقف عليها بالهاء ذهاباً به مذهب لغة طيئ في قولهم :«الإخْوَه والأخَوَاه » و «دَفْنُ البَنَاه من المَكْرُماه »(٦٩) أي : والأخوات، والبنات، والمكرمات(٧٠). وهذه القراءة تؤيد أن «قيعة » جمع قاع.
قال الزمخشري : وقد جعل بعضهم(٧١) «بِقِيعَاة » بتاء مدوَّرة ك «رجل عِزْهَاةٍ » (٧٢).
فظاهر(٧٣) هذا أنه جعل هذا بناء مستقلاً ليس جمعاً ولا إشباعاً.
قوله :«يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ » جملة في محل الجر صفة ل «سَرَابٍ » أيضاً(٧٤)، وحَسُنَ ذلك لتقدم الجار على الجملة، هذا إن جعلنا الجارَّ صفةً والضمائر المرفوعة في «جَاءَهُ »، وفي «لَمْ يَجِدْهُ » وفي «وَجَدَ »، والضمائر في «عِنْدَهُ » وفي «وَفَّاهُ » وفي «حِسَابَهُ » كلها ترجع إلى «الظَّمْآن » لأن المراد به الكافر المذكور أولاً، وهذا قول الزمخشري(٧٥) وهو حسن.
وقيل : بل الضميران في «جَاءَهُ » و «وَجَدَ » عائدان على «الظَّمْآن »، والباقية عائدة على الكافر(٧٦). وإنما أفرد الضمير على هذا وإن تقدمه جمع، وهو قوله :«وَالَّذِينَ كَفَرُوا » حَمْلاً على المعنى ؛ إذ المعنى : كلُّ واحدٍ من الكفار(٧٧).
والأول أولى لاتِّساق الضمائر. وقرأ أبو جعفر، ورُويَتْ عن نافع :«الظَّمَانُ » بإلقاء حركة الهمزة على الميم(٧٨).
فصل
قال الزجاج :«( الظَّمْآن ) قد تخفف همزته، وهو الشديد العطش(٧٩)، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثواباً مع أنه يعتقد أن له ثواباً عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه العقاب مع أنه يعتقد أنه ثواباً، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثواباً عند الله تعالى، فإذا وافى عرصة(٨٠) القيامة ولم(٨١) يجد الثواب، بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الشراب ويتعلق قلبه به، ويرجو به(٨٢) النجاة، فإذا جاءه وأيس مما كان يرجوه عظم ذلك عليه »(٨٣). قال مجاهد :«السراب : عمل الكافر وإتيانه إياه موته(٨٤) ومفارقة الدنيا »(٨٥).
فإن قيل : قوله :﴿حتى إِذَا جَاءَهُ﴾ يدل على كونه شيئاً، وقوله :﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ مناقض له ؟
الجواب من وجوه :
الأول : معناه : لم يجد شيئاً نافعاً، كما يقال : فلان ما عمل شيئاً، وإن كان قد اجتهد.
الثاني :«إذا جَاءَهُ » أي : جاء موضع السراب لم يجد السراب، لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه(٨٦) ضباب وهباء، فإذا قرب منه رق وانتشر وصار كالهواء (٨٧).
قوله :﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ﴾ أي : وجد عقاب الله عنده الذي توعد به الكافر(٨٨).
وقيل : وجد الله عنده، أي : عند عمله، أي وجد الله بالمرصاد.
وقيل : قدم على الله «فَوَفَّاهُ حِسَابه » أي : جزاء عمله(٨٩). قيل : نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام(٩٠).
قوله :﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾ لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلا يشق(٩١) عليه الحساب(٩٢).
وقال بعض المتكلمين :«معناه : لا تشغله محاسبة أحد عن آخر كنحن(٩٣)، ولو كان يتكلم بآلة كما تقول مشبهة(٩٤) لما صح ذلك »(٩٥).