المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ولما ذكر الله تعالى فيما تقدم من هذه الآية حالة الإيمان والمؤمنين وتنويره قلوبهم عقب ذلك بذكر الكفرة وأعمالهم فمثل لها ولهم تمثيلين : الأول منهما يقتضي حال أعمالهم في الآخرة من أنها غير نافعة ولا مجدية، والثاني يقتضي حالها في الدنيا من أنها في الغاية من الضلال والغمة التي مآلها ما ذكر من تناهي الظلمة في قوله ﴿أو كظلمات﴾، و «السراب » ما ترقرق من الهواء في الهجير في فيافي الأرض المنسبطة وأوهم الناظر إليه على البعد أنه ماء، سمي بذلك لأنه ينسرب كالماء فكذلك أعمال الكافر يظن في دنياه أنه نافعته فإذا كان يوم القيامة لم يجدها شيئاً فهي كالسراب الذي يظنه الرائي العطشان ماء فإذا قصده وأتعب نفسه بالوصول إليه لم يجد شيئاً، و «القيعة » جمع قاع كجيرة وجار والقاع المنخفض البساط من الأرض ومنه قول النبي ﷺ في مانع زكاة الأنعام «فيبطح لها بقاع قرقر »(١)، وقيل القيعة مفرد، وهو بمعنى القاع، وقرأ مسلم بن محارب «بقيعات »(٢)، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف «الظمان » بفتح الميم وطرح حركة الهمزة على الميم وترك الهمزة، وقوله ﴿حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً﴾ يريد ﴿شيئاً﴾ نافعاً في العطش، أو يريد ﴿شيئاً﴾ موجوداً على العموم ويريد ب ﴿جاءه﴾ جاء موضعه الذي تخيله فيه ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿جاءه﴾ على «السراب »، ثم يكون في الكلام بعد ذلك متروك يدل عليه الظاهر تقديره فكذلك الكافر يوم القيامة يظن عمله نافعاً ﴿حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً﴾.
ويحتمل الضمير أن يعود على العمل الذي يدل عليه قوله ﴿أعمالهم﴾ ويكون تمام المثل في قوله ﴿ماء﴾ ويستغني الكلام عن متروك على هذا التأويل، لكن يكون في المثل إيجاز واقتضاب لوضوح المعنى المراد به، وقوله ﴿ووجد الله عنده﴾ أي بالمجازاة، والضمير في ﴿عنده﴾ عائد على العمل، وباقي الآية بين فيه توعد وسرعة الحساب من حيث هو يعلم لا تكلف فيه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى