تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ) في الآية أقوال : أحدهما : أن الآية نزلت في امرأة تسمى أم مهزول، وكانت بغية، وإذا تزوجت برجل شرطت عليه أن تنفق عليه، فأراد رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن يتزوج بها، فسأل النبي [ ﷺ ] (١)، فأنزل الله تعالى هذه الآية :( الزاني لا ينكح إلا زانية ) ويقال : إن اسم المرأة كان عناق(٢). وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص.
والقول الثاني : قال مجاهد وقتادة وغيرهما :«كان بالمدينة بغايا على أبوابهن رايات يعرفن بها، وكن مخاصيب الرجال، فلما هاجر أصحاب رسول الله ﷺ إلى المدينة أراد ناس من فقراء المهاجرين أن يتزوجوا بهن لينفقن عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
والقول الثالث : روي عن الحسن البصري أنه قال : معنى الآية :«الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة، والزانية المجلودة لا ينكحها إلا زان مجلود وفي بعض المسانيد(٣) : روى هذا القول عن النبي ﷺ بطريق أبي هريرة.
والقول الرابع : روي عن علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس أن معنى الآية : الزاني لا يزني إلا بزانية، ومعنى النكاح [ هو الوطء ] (٤)، قال الزجاج : وهذا القول ضعيف ؛ لأنه لم يرد في القرآن ذكر النكاح بمعنى الوطء.
والقول الخامس -وهو أحسن الأقاويل- قول سعيد بن المسيب : أن الآية منسوخة، وقد كان في حكم الإسلام لا يجوز أن يتزوج الزاني بالمزني بها. قال عبد الله بن مسعود. إذا تزوج الزاني بالزانية فهما زانيان أبدا. قال سعيد بن المسيب : ثم نسخ هذا بقوله تعالى :( وأنكحوا الأيامى منكم ) (٥) والزانية أيم، فيجوز التزوج بها للزاني وغيره، والدليل على أن الحكم الآن هذا، ما روي عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه كان جالسا في المسجد وعنده عمر، فجاء رجل وقد دهش، وكان به لوث، فقال أبو بكر : قد جاء هذا لأمر، سله يا عمر، فقال له عمر : ما شأنك ؟ فذكر أنه جاءه ضيف، وأن الضيف زنى بابنته، فقال له عمر : قبحك الله، ودق على صدره، وقال : هلا سترت على ابنتك، ثم دعا بالرجل والمرأة، فأمر أبو بكر -رضي الله عنه- أن يجلد الجلد، ( ثم زوج المرأة من الرجل ) (٦) وذكر أبو عبيد -رحمه الله- أنه يكره للرجل أن يتزوج بالفاجرة، وإن فجرت امرأته استحب له طلاقها، قال : وأما الخبر الذي روي عن النبي ﷺ «أن رجلا أتاه وقال : إن امرأتي لا تردّ يد لامس، فقال : طلقها فقال : إني أحبها. قال : استمتع بها(٧). قال أبو [ عبيد ] (٨) هذا الخبر نقل بروايتين كل واحد منهما مرسل، فليس يثبت هذا عن النبي ﷺ ولئن يثبت فيحتمل أن قوله :«إن امرأتي لا ترد يد لامس » تنفق ما وقع بيدها وتعطي، وكأنه شكا منها الخرق وتضييع ماله، وليس المراد هو أنها تزني، فإنه لا يجوز أن يذكر ذلك عند النبي ﷺ، ثم يأمره بإمساكها.
وقوله :( وحرم ذلك على المؤمنين ) ظاهر المعنى، وقد بينا أن ذلك منسوخ.
١ - من "ك"..
٢ - رواه الترمذي (٥/٣٠٧-٣٠٨ رقم ٣١٧٧) وقال: حسن غريب، وأبو داود (٢/٢٢٠-٢٢١ رقم ٢٠٥١)، والنسائي (٦/٥٤ رقم ٣٢٢٨)، وابن جرير (١٨/٥٦)، والحاكم (٢/١٦٦) وصححه، والبيهقي (٧/١٥٣) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده بنحوه، وفيه: أن اسم المرأة عناق. ورواه النسائي في الكبرى (٦٤١٥ رقم ١١٣٥٩)، وأحمد (٢/١٥٩، ٢٢٥)، وابن جرير (١٨/٥٩)، والحاكم (٢/١٩٣-١٩٤) وصححه، والبيهقي (٧/١٥٣) من رواية القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بنحوه، وفيه تسمية المرأة: أم مهزول. وقال الهيثمي في المجمع (٧/٧٧): رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، ورجال أحمد ثقات..
٣ - رواه أبو داود (٢/٢٢١ رقم ٢٠٥٢)، وأحمد (٢/٣٢٤)، وابن عدي في الكامل (٢/٤١٠)، والحاكم (٢/١٦٦) وصححه، وتمام الرازي في فوائده (١/٢٨٦-٢٨٧ رقم ٧١٢) جميعهم عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر (٥/٢٢) لابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه أيضا..
٤ - ساقط من "ك"..
٥ - النور: ٣٢..
٦ - في "ك": «ثم زوج الرجل من المرأة»..
٧ - رواه أبو داود (٢/٢٢٠ رقم ٢٠٤٩)، والنسائي (٧/٦٧-٦٨ رقم ٣٢٢٩، ٧/١٦٩-١٧٠ رقم ٣٤٦٤، ٣٤٦٥)، وفي الكبرى (٣/٣٧٠ رقم ٥٦٥٩) وقال: ليس بثابت، وفي موضع آخر: هذا خطأ، والصواب مرسل، وابن أبي شيبة (٤/١٨٣-١٨٤)، والبيهقي (٧/١٥٤-١٥٥)، والضياء في المختارة – كما في اللآليء (٢/١٧٢) جميعهم من حديث ابن عباس مرفوعا بنحوه. ورواه البيهقي في السنن (٧/١٥٥)، وابن الجوزي في الموضوعات من طريق الخلال (٢/٢٧٢)، وأورده ابن أبي حاتم في العلل (١/٤٣٣ رقم ١٣٠٤)، ورواه الطبراني والبزار والخرائطي في اعتلال القلوب – كما في اللآليء – من حديث جابر مرفوعاً بنحوه، وقال الإمام أحمد، فيما حكاه عنه الخلال: ليس له أصل، ولا يثبت عن النبي ﷺ – ابن الجوزي في الموضوعات، واللآلي- وصححه الحافظ بطرق كما في اللآليء، وفي تفسير ابن كثير (٣/٢٦٤) قال الإمام أحمد: حديث منكر ورجح أبو حاتم في رواية جابر رواية الثوري عن عبد الكريم، عن أبي الزبير، عن هشام مولى بني هاشم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخرجها البيهقي في سننه، وأخرجها أيضا الشافعي في الأم، وابن سعد وابن منده في المعرفة كما في اللآلئ..
٨ - في "الأصل وك": عبد، والصواب. أبو عبيد، فالكلام ما زال له..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى