بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً﴾. روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده : أن رجلاً يقال له مرثد بن أبي مرثد، قال للنبي ﷺ : أأنكح عناقاً، يعني : امرأة بغيَّة كانت بمكة ؟ قال : فسكت عنه رسول الله ﷺ، حتى نزلت هذه الآية ﴿الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً﴾، ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾، فقال :« يا مَرْثَدُ لا تَنْكِحْهَا » وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : ليس هو على النكاح، ولكنه الجماع ؛ ويقال : إن أصحاب الصفة استأذنوا رسول الله ﷺ بأن يتزوجوا الزواني، وكانت لهن رايات كعلامة البيطار ليُعرف أنها زانية، وقالوا : لنا في تزويجهن مراد، فأذن لنا فإنهن أخصب أهل المدينة وأكثرهم خيراً ؛ والمدينة غالية السعر، وقد أصابنا الجهد. فإذا جاءنا الله تعالى بالخير، طلقناهن وتزوجنا المسلمات، فنزلت الآية ﴿الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾.
وقال سعيد بن جبير، والضحاك :﴿الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً﴾ أي لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله في الزنى، والزانية لا تزني إلا بزان مثلها في الزنى. ﴿والزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذلك عَلَى المؤمنين﴾، يعني : الزنى ؛ وقال الحسن البصري : الزاني المجلود بالزنى، ﴿لا ينكح إلا زانية﴾ مجلودة مثله في الزنى. وروي عن علي بن أبي طالب : أن مجلوداً تزوج امرأة غير مجلودة، ففرق بينهما ؛ ويقال : أراد به النكاح، لا ينكح، يعني : لا يتزوج. وكان التزويج حراماً بهذه الآية، ثم نسخ بما روي أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال : طَلِّقْهَا. قال : إني أحبها، فقال : أَمْسِكْهَا. وقال سعيد بن المسيب :﴿الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً﴾. كانوا يرون الآية التي بعدها نسختها ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] الآية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى