بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
ثم ضرب مثلاً آخر للكافر، فقال عز وجل :﴿أَوْ كظلمات﴾ قال بعضهم : الألف زيادة، ومعناه وكظلمات، يعني : مثلهم أيضاً كظلمات. ويقال : أو للتخيير، يعني : إن شئت فاضرب لهم المثل بالسراب، وإن شئت بالظلمات، فقال :﴿أَوْ كظلمات﴾ ﴿فِى بَحْرٍ لُّجّىّ﴾ يعني : مثل الكافر كمثل رجل يكون في بحر عميق في الليل، كثير الماء ﴿يغشاه مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظلمات﴾ يعني : يكون في ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، فكذلك الكافر في ظلمة الكفر، وظلمة الجهل، وظلمة الجور والظلم. ويقال :﴿يغشاه مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ يعني : المعاصي، ومن فوقه العداوة والحسد والبغضاء، و ﴿مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ يعني : الخذلان من الله تعالى.
ثم قال :﴿ظلمات بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ كما قال للمؤمن :﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ فيكون للكافر ظلمة على ظلمة، قوله ظلمة، وعمله ظلمة، واعتقاده ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة ومصيره إلى الظلمة، وهو النار. ويقال : شبه قلب الكافر بالبحر العميق، وشبه أعضاءه بالأمواج الثلاث، طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فهذه الظلمات الثلاث تمنعه عن الحق.
ثم قال :﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ يعني : لم يكن أقرب إليه من نفسه، فإذا أبرز يده لم يكد يراها من شدة الظلمة، ومع ذلك لم ير نفسه/
فكذلك الكافر لم ينظر إلى القبر ولم يتفكر في أمر نفسه أيضاً، كقوله عز وجل :﴿وفى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١].
ثم قال :﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ يعني : من لم يكرمه الله بالهدى فما له من مكرم بالمعرفة. قرأ ابن كثير ﴿ظلمات﴾ بكسر التاء والتنوين، فكأنه يجعله بمنزلة قوله كظلمات. وقرأ الباقون بالضم على معنى الابتداء. وقرىء في الشاذ : سحاب ظلمات، على معنى الإضافة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى