الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَالطَّيْرُ﴾ : قرأ العامَّةُ " والطيرُ " رفعاً. " صافاتٍ " نصباً : فالرفعُ عطفٌ على " مَنْ " والنصبُ على الحال. وقرأ الأعرج " والطيرَ " نصباً على المفعولِ معه و " صافَّاتٍ " حالٌ أيضاً. وقرأ الحسن وخارجة عن نافع " والطيرُ صافَّاتٌ " برفعِهما على الابتداءِ والخبر. ومفعولُ " صافَّاتٌ " محذوفٌ أي : أجنحَتَها.
قوله :﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ﴾ في هذه الضمائرِ أقوالٌ، أحدُها : أنَّها كلَّها عائدةٌ على " كل " أي : كلٌّ قد عَلِمَ هو صلاةَ نفسِه وتسبيحَها. وهذا/ أَوْلَى لتوافُقِ الضمائر. والثاني : أنَّ الضميرَ في " عَلِمَ " عائدٌ على اللهِ تعالى، وفي " صلاتَه وتسبيحَه " عائدٌ على " كل ". الثالث : بالعكس أي : عَلِمَ كلٌ صلاةَ الله وتسبيحَه أي : أَمَرَ بهما، وبأن يُفْعَلا كإضافةِ الخَلْقِ إلى الخالق.
ورَجَّحَ أبو البقاء أن يكونَ الفاعلُ ضميرَ " كل " قال :" لأنَّ القراءة برفع " كلٌّ " على الابتداء، فَيَرْجِعُ ضميرُ الفاعلِ إليه، ولو كان فيه ضميرُ اسمِ اللهِ لكان الأوْلى نَصْبَ " كل " لأنَّ الفعلَ الذي بعدها قد نَصَبَ ما هو مِنْ سببِها، فيَصيرُ كقولك :" زيداً ضربَ عمروٌ غلامَه " فتنصِبُ " زيداً " بفعلٍ دَلَّ عليه ما بعده، وهو أقوى من الرفع، والآخر جائز ". قلت : وليس كما ذكر مِنْ ترجيحِ النصب على الرفعِ في هذه الصورةِ، ولا في هذه السورة، بل نصَّ النحويون على أن مثلَ هذه الصورةِ يُرَجَّحُ رفعُها بالابتداء على نصبها على الاشتغال ؛ لأنه لم يكُنْ ثَمَّ قَرينةٌ من القرائنِ التي جعلوها مُرَجِّحةً للنصب، والنصب يُحْوِجُ إلى إضمارٍ، والرفعُ لا يُحْوج إليه، فكانَ أرجحَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى