الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿بَيْنَهُ﴾ : إنما دخلَتْ " بينَ " على مفردٍ وهي إنما تَدْخُلُ على المثَّنى فما فوقَه لأنه : إمَّا أَنْ يُرادَ بالسحاب الجنسُ فعاد الضميرُ عليه على حكمِه، وإمَّا أَنْ يُرادَ حَذْفُ مضافٍ أي : بين قِطَعِه، فإنَّ كلَّ قطعةٍ سَحابةٌ.
قوله :﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ تقدَّم الخلافُ في " خِلال " هل هو مفرد كحِجاب أم جمعٌ كجِبال جمع جَبَل ؟ ويؤيِّد الأولَ قراءةُ ابنِ مسعودٍ والضحاكِ، ويُرْوَى عن أبي عمروٍ أيضاً " مِنْ خَلَلِه " بالإِفرادِ.
والوَدْقُ قيلأ : هو المطرُ ضعيفاً كان أوشديداً. قال :
وقيل : هو البَرْقُ. وأَنْشد :
والوَدْقُ في الأصل : مصدرٌ يقال : وَدَقَ السحابُ يَدِقُ وَدْقاً و " يَخْرجُ " حالٌ لأنها بَصَرية.
قوله :﴿مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ " مِن " الأولى لابتداء الغايةِ اتفاقاً. وأمَّا الثانيةُ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها : أنها لابتداءِ الغايةِ أيضاً فهي ومجرورُها بدلٌ من الأولى بإعادة العامِل. والتقدير : ويُنَزِّلُ من جبالِ السماءِ أي : من جبالٍ فيها، فهو بدل اشتمالٍ. الثاني : أنها للتبعيض، قاله الزمخشري وابنُ عطية. فعلى هذا هي ومجرُورها في موضعِ مفعولِ الإِنزالِ كأنه قال : ويُنَزِّل بعضَ جبالٍ. الثالثَ : أنها زائدة أي : يُنَزِّل من السماءِ جبالاً. وقال الحوفيُّ :" مِنْ جبال بدلٌ مِن الأُولى ". ثم قال :" وهي للتبعيضِ ".
ورَدَّه الشيخُ : بأنه لا تَسْتَقيم البدليَّةُ إلا بترافقهما معنىً. لو قلت :" خَرَجْتُ من بغدادَ من الكَرْخِ " لم تكنِ الأولى والثانية إلاَّ لابتداءِ الغاية.
وأمَّا الثالثة ففيها أربعةُ أوجهٍ : الثلاثةُ المتقدمةُ. والرابع : أنها لبيانِ الجنسِ. قاله الحوفي والزمخشري، فيكون التقديرُ على قولِهما : ويُنَزِّل من السماء بعضَ جبالٍ التي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّل بَرَدٌ لأنَّ بعضَ البَرَدِ بَرَدٌ. ومفعولُ " يُنَزِّلُ " هو " مِنْ جبال " كما تقدَّمَ تقريرُه. وقال الزمخشري :" أو الأَوْلَيان للابتداء، والثالثةُ للتبعيض " قلت : يعني أن الثانيةَ بدلٌ من الأولى كما تقدَّم تقريرُه، وحنيئذ يكون مفعول " يُنَزِّل " هو الثالثةَ مع مجرورها تقديرُه : ويُنَزِّلُ بعضَ بردٍ من السماء مِنْ جبالِها. وإذا قيل : بأنَّ الثانيةَ والثالثةَ زائدتان فهل مجرورُهما في محلِّ نصبٍ، والثاني بدلٌ من الأول، والتقدير : ويُنَزِّلُ من السماء جبالاً بَرَداً، وهو بدلُ كلٍ مِنْ كلٍ، أو بعضٍ مِنْ كلٍ، أو الثاني في محلِّ نصبٍ مفعولاً ل " يُنَزِّل "، والثالثُ في محل رفعٍ على الابتداء، وخبرُه الجارُّ قبلَه ؟ خلافٌ. الأولُ قولُ الأخفشِ، والثاني قولُ الفراءِ. وتكون الجملةُ على قولِ الفراءِ صفةً ل " جبال "، فيُحْكَمُ على موضعِها بالجرِّ اعتباراً باللفظِ، أو بالنصبِ اعتباراً بالمَحَلِّ.
ويجوزُ أن يكونَ " فيها " وحدَه هو الوصفَ، ويكون " مِنْ بَرَدٍ " فاعلاً به ؛ لاعتمادِه أي : استقرَّ فيها.
وقال الزَّجاج :" معناه : ويُنَزِّلُ مِن السماءِ مِنْ جبالِ بَرَدٍ فيها كما تقولُ :" هذا خاتمٌ في يدي من حديدٍ " أي : خاتم حديدٍ في يدي. وإنما جِئْتَ في هذا وفي الآية ب " مِنْ " لمَّا فرَّقْتَ، ولأنَّك إذا قلت : هذا خاتمٌ مِنْ حديدٍ وخاتمٌ حديدٍ كان المعنى واحداً " انتهى. فيكونُ " مِنْ بَرَدٍ " في موضعِ جَرٍّ صفةً/ ل " جبال "، كما كان " من حديد " صفةً ل " خاتم "، ويكونُ مفعولُ " يُنَزِّل " " من جبال ". ويَلْزَمُ مِنْ كونِ الجبال برداً أَنْ يكونَ المُنَزَّلُ بَرَداً.
وقال أبو البقاء :" والوجه الثاني : أنَّ التقدير : شيئاً من جبالٍ، فحُذِفَ الموصوفُ واكتُفِي بالصفةِ. وهذا الوجهُ هو الصحيحُ ؛ لأنَّ قولَه ﴿فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ يُحْوِجُك إلى مفعولٍ يعودُ الضميرُ إليه، فيكونُ تقديرُه : ويُنَزِّلُ مِنْ جبالِ السماء جبالاً فيها بَرَدٌ. وفي ذلك زيادَةُ حَذْفٍ، وتقديرٌ مُسْتغنى عنه ". وفي كلامه نظرٌ ؛ لأنَّ الضميرَ له شيءٌ يعودُ عليه وهو السماء، فلا حاجةَ إلى تقديرِ شيءٍ آخرَ ؛ لأنَّه مُسْتغنى عنه، وليسَ ثَمَّ مانعٌ يمنعُ مِنْ عَوْدِه على السماء. وقوله آخراً :" وتَقْديرٌ مستغنى عنه "، وينافي قولَه :" وهذا الوجه هو الصحيح ". والضميرُ في " به " يجوزُ أن يعودَ على البَرد وهو الظاهرُ، ويجوزُ أَنْ يعودَ على الوَدْق والبَرَد معاً، جرياً بالضمير مَجْرى اسمِ الإِشارةِ. كأنه قيل : فَيُصيب بذلك، وقد تقدَّم نظيرُه في مواضعَ.
قوله :﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ العامَّةُ على قَصْر " سَنا " وهو الضَّوْءُ، وهو مِنْ ذواتِ الواوِ، يُقال : سَنا يَسْنُو سَناً. أي : أضاءَ يُضيْءُ. قال امرؤُ القيس :
يضيءُ سَناه، أو مصابيحُ راهِبٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والسَّنا بالمدِّ : الرِفْعَةُ. قال :
وسِنٍّ كسُنَّيْقٍ سَناءً وسُنَّماً ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرأ ابنُ وثَّاب " سَناءُ بُرَقِه " بالمدِّ، وبضمِّ الباء مِنْ " بُرَقِه " وفتح الراء. ورُوي عنه ضَمُّ الراءِ أيضاً. فأمَّا قراءةُ المدِّ فإنه شَبَّه المحسوسََ من البرقِ لارتفاعِه في الهواءِ بغير المحسوسِ من الإنسانِ. وأمَّا " بُرَقِه " فجمعُ بُرْقَة، وهي المقدارُ من البرقِ كقُرَب. وأمَّا ضمُّ الراءِ فإتباعٌ كظُلُمات بضمِّ اللام إتباعاً لضم الظاء. وإنْ كان أصلُها السكونَ.
وقرأ العامَّة أيضاً " يَذْهَبُ " بفتح الياء والهاء. وأبو جعفر بضمِّ الياءِ وكسرِ الهاءِ مِنْ أَذْهَبَ. وقد خَطَّأ هذه القراءةَ الأخفشُ وأبو حاتم قالا :" لأنَّ الباءَ تُعاقِبُ الهمزة ".
وليس رَدُّهما بصوابٍ ؛ لأنها تَتَخَرَّج على ما خُرِّج ما قُرِىء به في المتواتر ﴿تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] من أنَّ الباء مزيدةٌ، أو أنَّ المفعولَ محذوفٌ، والباءُ بمعنى " مِنْ " تقديرُه : يُذْهِبُ النُّورَ من الأَبْصارِ كقولِه :
٣٤٥٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** شُرْبَ النَّزِيف بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ
قوله :﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ تقدَّم الخلافُ في " خِلال " هل هو مفرد كحِجاب أم جمعٌ كجِبال جمع جَبَل ؟ ويؤيِّد الأولَ قراءةُ ابنِ مسعودٍ والضحاكِ، ويُرْوَى عن أبي عمروٍ أيضاً " مِنْ خَلَلِه " بالإِفرادِ.
والوَدْقُ قيلأ : هو المطرُ ضعيفاً كان أوشديداً. قال :
| فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها | ولا أرضَ أَبْقَلَ إبْقالَها |
| أَثَرْنَ عَجاجةً وخَرَجْنَ منها | خُروج الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السَّحابِ |
قوله :﴿مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ " مِن " الأولى لابتداء الغايةِ اتفاقاً. وأمَّا الثانيةُ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها : أنها لابتداءِ الغايةِ أيضاً فهي ومجرورُها بدلٌ من الأولى بإعادة العامِل. والتقدير : ويُنَزِّلُ من جبالِ السماءِ أي : من جبالٍ فيها، فهو بدل اشتمالٍ. الثاني : أنها للتبعيض، قاله الزمخشري وابنُ عطية. فعلى هذا هي ومجرُورها في موضعِ مفعولِ الإِنزالِ كأنه قال : ويُنَزِّل بعضَ جبالٍ. الثالثَ : أنها زائدة أي : يُنَزِّل من السماءِ جبالاً. وقال الحوفيُّ :" مِنْ جبال بدلٌ مِن الأُولى ". ثم قال :" وهي للتبعيضِ ".
ورَدَّه الشيخُ : بأنه لا تَسْتَقيم البدليَّةُ إلا بترافقهما معنىً. لو قلت :" خَرَجْتُ من بغدادَ من الكَرْخِ " لم تكنِ الأولى والثانية إلاَّ لابتداءِ الغاية.
وأمَّا الثالثة ففيها أربعةُ أوجهٍ : الثلاثةُ المتقدمةُ. والرابع : أنها لبيانِ الجنسِ. قاله الحوفي والزمخشري، فيكون التقديرُ على قولِهما : ويُنَزِّل من السماء بعضَ جبالٍ التي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّل بَرَدٌ لأنَّ بعضَ البَرَدِ بَرَدٌ. ومفعولُ " يُنَزِّلُ " هو " مِنْ جبال " كما تقدَّمَ تقريرُه. وقال الزمخشري :" أو الأَوْلَيان للابتداء، والثالثةُ للتبعيض " قلت : يعني أن الثانيةَ بدلٌ من الأولى كما تقدَّم تقريرُه، وحنيئذ يكون مفعول " يُنَزِّل " هو الثالثةَ مع مجرورها تقديرُه : ويُنَزِّلُ بعضَ بردٍ من السماء مِنْ جبالِها. وإذا قيل : بأنَّ الثانيةَ والثالثةَ زائدتان فهل مجرورُهما في محلِّ نصبٍ، والثاني بدلٌ من الأول، والتقدير : ويُنَزِّلُ من السماء جبالاً بَرَداً، وهو بدلُ كلٍ مِنْ كلٍ، أو بعضٍ مِنْ كلٍ، أو الثاني في محلِّ نصبٍ مفعولاً ل " يُنَزِّل "، والثالثُ في محل رفعٍ على الابتداء، وخبرُه الجارُّ قبلَه ؟ خلافٌ. الأولُ قولُ الأخفشِ، والثاني قولُ الفراءِ. وتكون الجملةُ على قولِ الفراءِ صفةً ل " جبال "، فيُحْكَمُ على موضعِها بالجرِّ اعتباراً باللفظِ، أو بالنصبِ اعتباراً بالمَحَلِّ.
ويجوزُ أن يكونَ " فيها " وحدَه هو الوصفَ، ويكون " مِنْ بَرَدٍ " فاعلاً به ؛ لاعتمادِه أي : استقرَّ فيها.
وقال الزَّجاج :" معناه : ويُنَزِّلُ مِن السماءِ مِنْ جبالِ بَرَدٍ فيها كما تقولُ :" هذا خاتمٌ في يدي من حديدٍ " أي : خاتم حديدٍ في يدي. وإنما جِئْتَ في هذا وفي الآية ب " مِنْ " لمَّا فرَّقْتَ، ولأنَّك إذا قلت : هذا خاتمٌ مِنْ حديدٍ وخاتمٌ حديدٍ كان المعنى واحداً " انتهى. فيكونُ " مِنْ بَرَدٍ " في موضعِ جَرٍّ صفةً/ ل " جبال "، كما كان " من حديد " صفةً ل " خاتم "، ويكونُ مفعولُ " يُنَزِّل " " من جبال ". ويَلْزَمُ مِنْ كونِ الجبال برداً أَنْ يكونَ المُنَزَّلُ بَرَداً.
وقال أبو البقاء :" والوجه الثاني : أنَّ التقدير : شيئاً من جبالٍ، فحُذِفَ الموصوفُ واكتُفِي بالصفةِ. وهذا الوجهُ هو الصحيحُ ؛ لأنَّ قولَه ﴿فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ يُحْوِجُك إلى مفعولٍ يعودُ الضميرُ إليه، فيكونُ تقديرُه : ويُنَزِّلُ مِنْ جبالِ السماء جبالاً فيها بَرَدٌ. وفي ذلك زيادَةُ حَذْفٍ، وتقديرٌ مُسْتغنى عنه ". وفي كلامه نظرٌ ؛ لأنَّ الضميرَ له شيءٌ يعودُ عليه وهو السماء، فلا حاجةَ إلى تقديرِ شيءٍ آخرَ ؛ لأنَّه مُسْتغنى عنه، وليسَ ثَمَّ مانعٌ يمنعُ مِنْ عَوْدِه على السماء. وقوله آخراً :" وتَقْديرٌ مستغنى عنه "، وينافي قولَه :" وهذا الوجه هو الصحيح ". والضميرُ في " به " يجوزُ أن يعودَ على البَرد وهو الظاهرُ، ويجوزُ أَنْ يعودَ على الوَدْق والبَرَد معاً، جرياً بالضمير مَجْرى اسمِ الإِشارةِ. كأنه قيل : فَيُصيب بذلك، وقد تقدَّم نظيرُه في مواضعَ.
قوله :﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ العامَّةُ على قَصْر " سَنا " وهو الضَّوْءُ، وهو مِنْ ذواتِ الواوِ، يُقال : سَنا يَسْنُو سَناً. أي : أضاءَ يُضيْءُ. قال امرؤُ القيس :
يضيءُ سَناه، أو مصابيحُ راهِبٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والسَّنا بالمدِّ : الرِفْعَةُ. قال :
وسِنٍّ كسُنَّيْقٍ سَناءً وسُنَّماً ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرأ ابنُ وثَّاب " سَناءُ بُرَقِه " بالمدِّ، وبضمِّ الباء مِنْ " بُرَقِه " وفتح الراء. ورُوي عنه ضَمُّ الراءِ أيضاً. فأمَّا قراءةُ المدِّ فإنه شَبَّه المحسوسََ من البرقِ لارتفاعِه في الهواءِ بغير المحسوسِ من الإنسانِ. وأمَّا " بُرَقِه " فجمعُ بُرْقَة، وهي المقدارُ من البرقِ كقُرَب. وأمَّا ضمُّ الراءِ فإتباعٌ كظُلُمات بضمِّ اللام إتباعاً لضم الظاء. وإنْ كان أصلُها السكونَ.
وقرأ العامَّة أيضاً " يَذْهَبُ " بفتح الياء والهاء. وأبو جعفر بضمِّ الياءِ وكسرِ الهاءِ مِنْ أَذْهَبَ. وقد خَطَّأ هذه القراءةَ الأخفشُ وأبو حاتم قالا :" لأنَّ الباءَ تُعاقِبُ الهمزة ".
وليس رَدُّهما بصوابٍ ؛ لأنها تَتَخَرَّج على ما خُرِّج ما قُرِىء به في المتواتر ﴿تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] من أنَّ الباء مزيدةٌ، أو أنَّ المفعولَ محذوفٌ، والباءُ بمعنى " مِنْ " تقديرُه : يُذْهِبُ النُّورَ من الأَبْصارِ كقولِه :
٣٤٥٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** شُرْبَ النَّزِيف بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ